العدد(4277) الاثنين 24/09/2018       26 أيلول 1932..افتتاح ثانوية كلية بغداد.. أول المدارس الأهلية وأرقاها       مجلس الإعمار وجزيرة أمّ الخنازير.. ذكريات المهندس (رايت) في بغداد       سوق السراي (الوراقين) في ثلاثينيات القرن الماضي       من ذكريات بدايات الكهرباء في بغداد       مع حقي الشبلي ومسرح ثانوية الكرخ في الخمسينيات       من نوادر القضاء العراقي عالم دين كبير يدافع عن صحافي ماركسي سنة 1946       الرصافي يكتب أناشيد مدارس فلسطين سنة 1920       العدد (4275) الاربعاء 19/09/2018 (جورج جرداق)       الفتى المشاغب يهرب مجدداً    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :21
من الضيوف : 21
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 22264274
عدد الزيارات اليوم : 29334
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


الشيخ إمام.. 100 عام من الغناء

اعداد/ منارات
ولد إمام محمد  أحمد عيسى في 2 تموز 1918 في قرية أبو النمرس بمحافظة الجيزة، لأسرة  فقيرة، و كان أول من يعيش لها من الذكور حيث مات منهم قبله سبعة، ثم تلاه  أخ وأخت.
أصيب في السنة الأولى من عمره بالرمد الحبيبي، وفقد بصره بسبب  الجهل واستعمال الوصفات البلدية في علاج عينه، فقضى إمام طفولته في حفظ  القرآن الكريم، وكانت له ذاكرة قوية.


كان والده يحلم أن يكون ابنه شيخاً كبيراً، لكنه كان قاسياً في معاملته، أما والدته فكانت النبع الذي ارتوى منه إمام بالحنان في طفولته وعوضه فقد بصره، وكانت معايرة الأطفال لابنها بالعمى تدفعها للبكاء. كان إمام يندس في مواسم الأفراح والحج، وسط الحريم ليسمع غناءهن وأهازيجهم فنشأ صاحب أذن موسيقية من صغره.
عرف إمام طريقه للقاهرة بصحبة عمه، وفى إحدى تلك الرحلات عندما كان إمام في السابعة وصلى في مسجد فاضل باشا بدرب الجماميز بالسيدة زينب، وأخذ يستمع لسورة الكهف مأخوذاً بأداء المقرئ، ثم ذهل عندما عرف أنه أعمى مثله، وزاد ذهوله عندما عرف أنه مقرئ الإذاعة.
وكان أن سلم عليه ذلك المقرئ محمد رفعت وكلمه ومدح نباهته وتنبأ له بمستقبل. وفي عام 1929، لم يكن إمام قد أكمل عامه الثاني عشر، اصطحبه والده للقاهرة للدراسة بالجمعية الشرعية السنية بحي الأزهر، وكان لدى الجمعية واعظ ومنشد يحييان المناسبات، وفي أحد الأفراح اختير الطفل إمام ضمن فرقة الإنشاد.
التحق الشيخ إمام بالمركز الرئيسي للجمعية، وقضى بها 4 سنوات وأتم حفظ القرآن الكريم، فاستحق لقب «شيخ» رغم صغر سنه، وكان يقيم بها إقامة دائمة، ولازم إمام حب الاستماع للشيخ محمد رفعت، وكان الاستماع للراديو من ممنوعات الجمعية لكونه بدعة، فما بالك لو كان يستمع للقرآن، فقررت الجمعية فصله بالإجماع.
عندما سمع أبوه بما حدث لابنه من فصل من الجمعية بحث عنه فوجده يقضى نهاره في الحسين وليله في الأزهر حيث كان ينام، فأهانه وضربه وحذره من العودة لقريته مرة أخرى نظراً للجريمة التي اقترفها بتسببه في فصله من الجمعية، وبعدها مباشرة توفيت أمه التي كانت أعز ما لديه في الدنيا، ولم يتمكن من تشييعها لمثواها الأخير، وبالفعل لم يعد لقريته إلا حين مات أبوه.
وفي إحدى زياراته لحي الغورية قابل مجموعة من أهالي قريته، فأقام معهم وامتهن الإنشاد وتلاوة القرآن الكريم، وكسائر أحداث حياته التي شكلتها الصدفة التقى الشيخ إمام بالشيخ درويش الحريري أحد كبار علماء الموسيقى، وأعجب به الشيخ الحريري بمجرد سماع صوته، وتولى تعليمه الموسيقى.
اصطحب الشيخ الحريري تلميذه في جلسات الإنشاد والطرب، فذاع صيته وتعرف على كبار المطربين والمقرئين، أمثال زكريّا أحمد والشيخ محمود صبح، وبدأت حياة الشيخ في التحسن.
وفي منتصف الثلاثينيات كان الشيخ إمام قد تعرف على الشيخ زكريا أحمد عن طريق الشيخ درويش الحريري، فلزمه واستعان به الشيخ زكريا في حفظ الألحان الجديدة واكتشاف نقاط الضعف بها، حيث كان زكريا أحمد ملولاً، لا يحب الحفظ فاستمر معه إمام طويلاً، وكان يحفظ ألحانه لأم كلثوم قبل أن تغنيها، وكان إمام يفاخر بهذا.
حتى إن ألحان زكريا أحمد لأم كلثوم بدأت تتسرب للناس قبل أن تغنيها أم كلثوم، مثل «أهل الهوى» و «أنا في انتظارك» و «آه من لقاك في أول يوم"و «الأولة في الغرام»، فقرر الشيخ زكريا الاستغناء عن الشيخ إمام.
كان لهذه الواقعة أثر في تحويل دفة حياة الشيخ إمام مرة أخرى عندما قرر تعلم العزف على العود، وبالفعل تعلم على يد كامل الحمصاني، وبدأ الشيخ إمام يفكر في التلحين حتى إنه ألف كلمات ولحنها وبدأ يبتعد عن قراءة القرآن وتحول لمغنٍ واستبدل ملابسه الأزهرية بملابس مدنية.
وفي عام 1962، حدث اللقاء التاريخي بين الشيخ إمام عيسى وأحمد فؤاد نجم رفيق دربه، وتم التعارف بين نجم والشيخ إمام عن طريق زميل لابن عم نجم كان جاراً للشيخ إمام، فعرض على نجم الذهاب للشيخ إمام والتعرف عليه، وبالفعل ذهب نجم للقاء الشيخ إمام وأعجب كلاهما بالآخر.
وعندما سأل نجم إمام لماذا لم يلحن أجابه الشيخ إمام، أنه لا يجد كلاماً يشجعه، وبدأت الثنائية بين الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم وتأسست شركة دامت سنوات طويلة.
ذاع صيت الثنائي نجم وإمام والتف حولهما المثقفون والصحافيون خاصة بعد أغنية: «أنا أتوب عن حبك أنا؟»، ثم «عشق الصبايا»، و"ساعة العصاري"، واتسعت الشركة فضمت عازف الإيقاع محمد على، فكان ثالث ثلاثة كونوا فرقة للتأليف والتلحين والغناء ساهم فيها العديد لم تقتصر على أشعار نجم فغنت لمجموعة من شعراء عصرها أمثال: فؤاد قاعود، ونجيب سرور، وتوفيق زياد، وزين العابدين فؤاد، وآدم فتحي، وفرغلي العربي، وغيرهم.

نكسة يونيو والتحول النوعى في أعمال الشيخ إمام
كغيره من المصريين زلزلت هزيمة يونيو/ حزيران 1967 إمام وسادت نغمة السخرية والانهزامية بعض أغانيها مثل: «الحمد لله خبطنا تحت بطاطنا - يا محلى رجعة ضباطنا من خط النار»، و"يعيش أهل بلدي وبينهم مفيش - تعارف يخلي التحالف يعيش"، و"وقعت م الجوع ومن الراحة - البقرة السمرا النطاحة"، وسرعان ما اختفت هذه النغمة الساخرة الانهزامية وحلت مكانها نغمة أخرى مليئة بالصحوة والاعتزاز بمصر مثل"مصر يا امة يا بهية - يا ام طرحة وجلابية".
انتشرت قصائد نجم التي لحنها وغناها الشيخ إمام كالنار في الهشيم داخل وخارج مصر، فكثر عليها الكلام واختلف حولها الناس بين مؤيدين ومعارضين، في البداية استوعبت الدولة الشيخ وفرقته وسمحت بتنظيم حفل في نقابة الصحفيين وفتحت لهم أبواب الإذاعة والتلفزيون.
لكن سرعان ما انقلب الحال بعد هجوم الشيخ إمام في أغانيه على الأحكام التي برّأت المسؤولين عن هزيمة 1967، فتم القبض عليه هو ونجم ليحاكما بتهمة تعاطي الحشيش سنة 1969 ولكن القاضي أطلق سراحهما، لكن الأمن ظل يلاحقهما ويسجّل أغانيهما حتى حكم عليهما بالسجن المؤبد ليكون الشيخ أول سجين بسبب الغناء في تاريخ الثقافة العربية.
قضى الشيخ إمام ونجم الفترة من هزيمة يوليو/ حزيران، حتى نصر أكتوبر/ تشرين الأول، يتنقلا من سجن إلى آخر ومن معتقل إلى آخر ومن قضية إلى أخرى، حتى أفرج عنهما بعد اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات.
في منتصف الثمانينيات، تلقى الشيخ إمام دعوة من وزارة الثقافة الفرنسية لإحياء بعض الحفلات في فرنسا، فلاقت حفلاته إقبالاً جماهيرياً كبيراً، وبدأ في السفر في جولة بالدول العربية والأوروبية لإقامة حفلات غنائية لاقت كلها نجاحات عظيمة، وللأسف بدأت الخلافات في هذه الفترة تدب بين ثلاثي الفرقة الشيخ إمام ونجم ومحمد على عازف الإيقاع لم تنته إلا قبل وفاة الشيخ إمام بفترة قصيرة.
وفي منتصف التسعينات آثر الشيخ إمام الذي تجاوز السبعين العزلة والاعتكاف في حجرته المتواضعة بحي الغورية ولم يعد يظهر في الكثير من المناسبات كالسابق حتى رحل عن عالمنا في هدوء في يونيو/ حزيران من عام 1995 تاركاً وراءه أعمالاً فنية أشك أن يجود التاريخ بمثلها مرة أخرى. 



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية