العدد (4310) الاربعاء 14/11/2018 (ديفيد هيوم)       ديفيد هيوم فيلسوف التنوير       هيوم و«المعرفة المتهمة حتى تثبت براءتها»       حياتي – ديفيد هيوم       دافيد هيوم :المشاكس المرح يبحث يسعى لفهم البشر       دفيد هيوم وفلسفة الأنوار       ديفيد هيوم.. الفلسفة أداة لكشف الحقيقة       العدد(4308) الاثنين 12/11/2018       16 تشرين الثاني 1916 (دكة) عاكف بك في الحلة       من اخبار المصارع عباس الديك ونزاله الشهير    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :18
من الضيوف : 18
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 22884551
عدد الزيارات اليوم : 4505
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


أحمد مطلوب في كتابه رفيقة عمري.. ردّ الجميل إلى حواء

 فاضل عبود التميمي
 نادراً  ما تكتب المرأة المثقّفة عن زوجها في المجتمع الشرقي، فالكثيرات يحجمن عن  ذلك لأسباب تتعلّق بالخوف من مجانبة الموضوعيّة، أو الابتعاد عن تهمة  الانحياز إلى الزوج بوصفه مشاركاً فاعلاً في الحياة لا سيّما حين يكون على  قدر عالٍ من الأهميّة الأدبيّة، أو الاجتماعيّة، أو العلميّة، ومنهّن من  تصرف النظر عن هذه المهمّة بدوافع نفسيّة مختلفة،


 والواقع يشير بقوّة إلى نساء كَتَبْنَ عن أزواجهنّ كتبا مهمّة، فقد قُدّر لي أنْ أقرأ لـ(سوزان طه حسين) التي كتبت: (معك) عن تجربتها الحيّة مع عميد الأدب العربي زوجها (طه حسين) قد تكون هذه المرأة استثناء؛ لأنّها فرنسيّة الأصل، لكنّها – والحق يقال- تطبّعت بطباع الشرق وعاداته، وصارت أمّاً مصريّة بامتياز، من النساء  اللائي كتبن عن سيرة أزواجهنّ: (عبلة الرويني) التي كتبت سيرة زوجها الشاعر(أمل دنقل) في كتابها: (الجنوبي)، ثمّ (غادة السمّان) التي كتبت:(بشير الداعوق كأنّه الوداع) وفيه تحدّثت أول مرّة  عن حياتها الزوجية، وعشقها لزوجها الراحل الذي رافقته أربعين عاماً كانت بالنسبة لها تاريخاً  شخصيّاً لا ينسى.
   أمّا في العراق فإنّ د. خديجة الحديثي قد أخذت على عاتقها مسؤوليّة الكتابة عن زوجها:(د.أحمد مطلوب) حين أصدرت كتابها الأخير:(رفيق عمري في كتابات الآخرين)، ويبدو لي أنّ الأزواج المثقفين يحجمون عن الكتابة عن زوجاتهم لأسباب كثيرة يقف في أوّلها الخجل المتوارث الذي جعل الحديث عن الزوجة يدخل في باب الحياء الموروث الذي تدحضه قامات النساء السامقات، وهنّ يمارسن وجودهن الفاعل في الحياة عاملات، و عالمات، وأمّهات يشار إليهنّ بالبنان.
ردّ جميل
   وربّما كان الدكتور أحمد مطلوب، ومن باب ردّ الجميل إلى زوجته التي ابتدأت  الكتابة عنه بوصفه شريكاً لعمرها، قد خاض تجربة الكتابة عن زوجته د. خديجة الحديثي ليصنّف كتاباً استذكاريّاً عنها، وهي لمّا تزل على قيد الحياة تعطي أكثر ممّا تأخذ في كتابه الموسوم بـ(رفيقة عمري) الصادر عن المطبعة المركزيّة في جامعة ديالى 2015  وقد جعله أستاذ الأجيال متنا يمور بما يشتهي القارئ المحبّ لشخصيّة خديجة الحديثي التي أجزم أنّ تاريخها ينبض بالبياض، والحبّ النقيّ لمن كان معها زميلاً، أو طالباً، أو جاراً، أو قريباً، أو بعيداً فقد جُبلت هذه المرأة العراقيّة الراقية، والرقيقة على طبع الأمّهات الرابضات في منابع الطيبة، والحنان، فضلاً عن أنّ الله سبحانه – وهذا من حسن حظّها- حباها علماً ومعرفةً، وتسامحاً، وخصالاً يندر أنْ تجتمع كلّها في عقل امرأة تعيش في عصر متقلّب الأهواء، والولاءات.
  كتب د. مطلوب مسترجعاً صورتها الأولى قائلاً: (كانت من بين نساء العراق فتاةٌ وُلدت في قرية جنوب البصرة، وتلقّت تعليمها في البيت لا متوسطة، ولا ثانوية في قريتها ودخلت في عام 1952م كليّة الآداب والعلوم) ص3، وقال واصفاً إيّاها بعبارات ميسورة استمدت دلالاتها من تواضعها الجم في الجامعة، وفي بيتها أيضاً: (ولم أرها يوماً تشكو من تعب، أو تردّ من يسعى إليها لتعينه) ص5  وكان صيتها ملء الأسماع في العراق، وخارجه انتدبت للتدريس في جامعة الكويت، وألقت محاضرات في جامعة وهران بالجزائر، ودعيت إلى المؤتمرات العالميّة، فمثّلت العراق في المؤتمر الإسلامي الذي عقد في إندونيسيا سنة 1965م، وحضرت المؤتمرات العلميّة في العراق، والأردن، وقدّمت فيها البحوث، وترأست اللجان وكانت في جميعها مثالاً يحتذى للمرأة المتعدّدة المهام، فضلاً عن أنّها كُرّمت عدّة مرات لتميّزها. 
لقد عُرفت الدكتورة بتواضعها المميّز، تواضع العلماء الذين يرون في ما وصلوا إليه بداية الانطلاق نحو العلم، وكأنّهم في أوّل الطريق، حدّثني يوماً زميلي وقريبي الشهيد د. كريم أحمد جواد التميمي -رحمه الله –، وهو من طلابها النابهين، والمقربين إلى قلبها وعقلها عن تواضعها قائلاً: كانت أستاذتنا تدرّسنا في إحدى مراحل البكالوريوس في آداب بغداد، وكانت تملأ بخط يدها سبورة القاعة شرحاً وتعليقاً على شواهد النحو أملاً في تقريب المادّة إلى الأذهان، وكانت كلّما امتلأت السبورة عمدت إلى تنظيفها بيدها الكريمة مرات وليس مرة واحدة، وهي في عمرها الجليل من دون أن تنتدب طالباً، أو طالبة للمهمّة، كما يفعل قسمٌ من أساتذتنا، ما قاله التميمي جزء يسير يكشف شغف الدكتورة بالدرس الجامعي، وتعلّقها بأساسيّات المهنة، وتقاليدها، ليحيل على  سجاياها، وخصالها التي يعرفها الجميع.  بُني الكتاب الذي جاء بأربعمئة وخمس وخمسين صفحة على (ثلاثة وثمانين) نصّاً، لم أسمّها فصولاً بل سميّتها (نصوصاً) لاختلافها في مضمونها الدلالي بين نصّ سيرة، وقصائد، ومقالات، ومقابلات، ووثائق، على وفق الآتي:
السيرة: في نصوص السيرة أدخل د. مطلوب في متن الكتاب سيرتين، الأولى: السيرة العلميّة التي تتبّع فيها المصنّف الحديثيّة بدءاً من تحصيلها الدراسي والعلمي وصولاً إلى إشرافها على رسائل الماجستير وأطاريح الدكتوراه، وانتهاءً بالجوائز التي حصلت عليها، والكتب المؤلّفة التي بلغت اثني عشر كتاباً في النحو، والصرف والمدارس النحويّة، وتيسير النحو، والكتب المحقّقة التي بلغت عشرة كتب، والكتب المدرسيّة التي ألّفت فيها كتابين، والبحوث التي بلغت اثني عشر بحثاً، والمواد الموسوعيّة التي بلغت خمس عشرة مادة.   أمّا السيرة الأخرى التي كتبها أستاذنا مطلوب، فسيرتها الحياتيّة التي تتبّع فيها حياتها بدءاً من الولادة في (السيبة) جنوب البصرة، حتى اقامتها في بغداد أطال الله في عمرها، وعمره، وهي ما اصطُلح عليها نقديّاً بـ(السيرة الغيريّة) التي يكتبها أديب عن سيرة غيره، وقد لفت انتباهي فيها أنّ د. مطلوب استبدل اسم (خديجة) بـ(وفاء)، ولعلّ ذلك يردّ إلى أنّه وجد في لفظة (وفاء) ما يقارب حقيقة المرأة التي أخلصت له، ولبيته فكانت وفاء في وفاء. وسيرة الأستاذة خديجة حافلة بالإشارات إلى الأمكنة التي صارت جزءاً من عالمها، فـ(السيبة) قرية لا شارع فيها سوى ذلك الذي يربطها بـ(الفاو)، وقد دخلت كليّة الآداب (على استحياء ونظراتها معقودة على الأرض، وخطواتها متعثرة، حتى إذا ما بدأ الدرس الأول وَجَدَتْ نفسها بين سبعة طلاب، وثلاث بنات طالبات فاطمأنت قليلاً) ص20? فكانت خطوبتها بعد عامين من تعارفهما على مقاعد الدرس الجامعي، ثمّ الزواج والعمل في الإعداديّة المركزيّة ببغداد، وهو معيدٌ في كليّة الآداب، ثم السفر إلى القاهرة للدراسة، والعودة الى بغداد، والعمل في الكويت، والرجوع إلى بغداد التي لم يفارقاها بعد ذلك.
ذكريات: وقد كتبها د. عبد الإله الصائغ التي ذكر فيها :"تسنمت الدكتوراه التي جعلني أدين لأفضل الأساتذة المربين الدكاترة: خديجة الحديثي – أم الأساتذة والطلبة بجدارة – وأحمد مطلوب، وعناد غزوان، وهادي الحمداني، وعبد الجبار المطلبي، ورزوق فرج رزوق، وجلال الخياط، وسعدون الزبيدي [لعلّه علي الزبيدي]، وإبراهيم حرج الوائلي، وصلاح خالص، وعلي جواد الطاهر، وعدنان محمد سلمان…) ص78، وفي هذه الذكريات أماط الدكتور الصائغ اللثام عن قضايا كثيرة عاشها في كليّة الآداب لا يتّسع المقال لسردها. مقالتان كتبهما الدكتور شوقي ضيف –رحمه الله – عن د. الحديثي الأولى عنوانها: (كتاب أبنية الصرف في كتاب سيبويه) التي صارت فيما بعد مقدمة كتابها الذي كان في الأصل رسالة ماجستير أشرف عليها د. عبد الحليم النجار، وصدر في بغداد 1965م، والأخرى عن اطروحتها (أبو حيان النحوي) التي صارت مقدمة للكتاب بالاسم نفسه، وصدر في بغداد 1966م، وفي المقالتين أشاد ضيف بجهود د. خديجة وعلمها. الدراسات التي كتبها طلاب الدكتورة الحديثي، وهي دراسات علميّة وافية ناقش فيها كاتبوها كتب د. الحديثي عرضاً وتحليلاً، وكانت بأقلام : د. محمد عبد المطلب البكّاء الذي كتب: (الدكتورة خديجة الحديثي  صدق العزيمة والسبق العلمي)، ود جليل كمال الدين الذي كتب(سيبويه حياته وكتابه)، ومحمد حسين الصغير الذي كتب مقالة بالعنوان السابق نفسه، ود كريم أحمد جواد التميمي –رحمه الله- الذي كتب دراستين الأولى:(من أعلام الفكر النحوي المعاصر في العراق: الدكتورة خديجة الحديثي)، والأخرى: (سمات النحو البغدادي في ضوء كتاب بغداد والدرس النحوي)، ففي هذه الدراسات جميعاً وقف الدارسون على أبرز ما يميّز الدكتورة الحديثي منهجاً، وإجراءات.
وتحدّث أستاذنا في الخاتمة نفسها عن مؤلّفاته، وحياته الاسريّة، وأولاده، وبناته، وقد جعل للخاتمة ملاحق تضمّنت: رسالة شعريّة بمناسبة إصدار الكتاب أرسلها ابنهما الأكبر: أثير وهو يحمل دكتوراه في أمراض المفاصل والتأهيل الطبي، ورسالة نثريّة كتبها ابنهما الآخر: نضير حامل شهادة البورد العربي في الأمراض الجلديّة، ثمّ قصيدة بالمناسبة نفسها كتبتها الحفيدة رفل أثير.  وبعد: فكتاب (رفيقة عمري) ليس كتاب سيرة غيريّة خالصة فحسب، إنّما هو كتاب استذكاريّ استحضر فيه (المصنّف) الأستاذة الدكتورة خديجة الحديثي في سيرتيها الحياتيّة والعلميّة، ثمّ أضاف إلى متنه ما كتبه عنها بعض أساتذتها، وطلابها الذين كان لها ولمّا يزل موقفٌ في نفوسهم، وقد قطعت شوطاً جليلاً من حياتها وهي تدرّس أو تحقّق كتباً، أو تبحث في مظان التراث، فضلاً عن أثرها في تاريخ تعليم النحو، والصرف في العراق والوطن العربي. والكتاب الاستذكاري ينحو منحىً قريباً من المادة الموسوعيّة بسبب سعة عقل الشخصيّة المُحتفى بها، وهي هنا شخصية د. خديجة الحديثي التي كتبت في حقول علمية وثقافية لا يمكن انكارها، فضلاً عن حضورها الطاغي في الوسط الاكاديمي بوصفها أوّل امرأة عراقيّة، وربّما عربيّة تختصّ بعلمي النحو، و الصرف، ولو قيّض لأستاذنا د. أحمد مطلوب أن يعثر على كلّ ما كُتب عن الدكتورة لكان كتابه موسوعة بمجلدات، فقد قدّر لكثير ممّا كُتب عنها أن تلتهمه النيران التي باغتت مخزن الأسرة الذي كان بمنزلة أرشيفها في نيسان 2008.  
تحيّة حبّ وعرفان لأستاذنا د. أحمد مطلوب الذي كانت له إسهاماته في التعليم العالي، والتأليف، والكتابة في النقد العربيّ القديم والحديث، والبلاغة، والتحقيق، والشعر، والمذكّرات، فضلاً عن رياسته المجمع العلمي العراقي، وكان له الفضل في كشف ما غمض من حياة أستاذتنا د.خديجة الحديثي.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية