العدد (4299) الاربعاء 24/10/2018 (الحسين في الأدب العربي)       واقعة الطف في المسرحية العربية       بطلة كربلاء.. السيدة زينب       الحسين يكتب قصيدته الأخيرة...       العلايلي وثورة الحسين       فلتذكروني بالنضال..       العدد(4297) الاثنين 22/10/2018       ابراهيم صالح شكر في ايامه الاخيرة.. كيف كان شبح السبعاوي يلاحقه؟       25 تشرين الاول 1920..تأليف اول وزارة عراقية في رسائل (الخاتون)       20 تشرين الاول 1950 افتتاح جسر الصرافية الحديدي    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :29
من الضيوف : 29
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 22625804
عدد الزيارات اليوم : 1047
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


حوارٌ مع الدكتور فاضل عبد الواحد علي..فاضل عبد الواحد علي: لم يكن بطل الطوفان إلاّ عراقياً

 صفاء ذياب
ما زال الإهمال  الكبير الذي لاقته آثارنا العراقية واضحاً للعيان، وما زال الإهمال الأكبر  الذي يلاقيه علماؤنا أكبر، فالعديد منهم، وحتى هذه اللحظة، لا يُعرف عنهم  أي شيء. لأن الظروف الحالية غيّبتهم بشكل جديد،  ذلك لأن المسؤولين عن  الثقافة العراقية الحاليين جاؤونا من خارج العراق بعد غربة  طويلة، إن كانت  إجبارية أو اختيارية. لهذا هم لا يعرفون سوى أنفسهم، أما مثقفو وعلماء  الداخل، فمهملون حتى هذه اللحظة.


 اتكلم على هذا الموضوع لأنني رأيت بأمّ عيني ما آلت إليه صحة استاذ السومريات الكبير الدكتور فاضل عبد الواحد علي خلال العام المنصرم، بسبب ما رآه من خراب حل بالمتحف العراقي.  فهذا الأستاذ الذي ألّف العشرات  من الكتب لتأسيس ثقافة حقيقية تعتمد على التراث السومري والبابلي العراقي، ظل طريح الفراش بسبب عدم قدرته على السفر خارج العراق للعلاج.
ألتقيته قبل الحرب الأخيرة، ولم تتسن لي فرصة نشر هذا الحوار كاملاً، وقد حاولت بعد الأحداث الأخيرة إكمال الحوار ليشمل ما آل إليه المتحف العراقي، إلاّ أنني فوجئت بتدهور صحته بسبب المتحف نفسه. ونحن نقدم  هذا الحوار  لنتعرف على هذه الشخصية الكبيرة عن كثب، من خلال مناقشته بالأطروحات التي قدمها خلال اكثر من خمسين عاماً:

* لقد تحدثت كثيراً، وفي أغلب كتبك، عن المشكلة السومرية. ولدي سؤال يطرح نفسه، وهو: لماذا لا يكون السومريون عراقيين بالأصل؟ على الرغم من أن اغلب الباحثين نقّبوا في بلاد السند أو بلوخستان التي من المفترض أن يكون السومريون قد قدموا منها، ولم يجدوا دليلاً واحداً على الموطن الأصلي للسومريين في تلك المناطق؟
- تكمن هذه المشكلة في أن الأساتذة الباحثين من الأجانب لم يتفقوا على منطقة معينة جاء منها السومريون، أراهم تشتتوا على الطريق. ولكن، هم يتفقون على أن ظهور الحضارة السومرية في سومر جاءت من دون مقدمات، وتعد قفزة ليس لها ماضٍ في العراق. وهي دلالة على أن السومريين جاؤوا من خارج العراق.
* ألا نستطيع أن نقول إن نشأة الحضارة بحد ذاتها كانت بشكل تدريجي، بمعنى أن السومريين اخترعوا الكتابة في حدود(3.200-2.900  ق.م). بعد مراحل تطورية؟
- نعم، هذا هو المنطق الحضاري الذي تدّعيه الفرضية، لكنهم يعتقدون أن هناك فجوة حضارية بين الشمال والجنوب، هذه الفجوة هي التي يعتقدون في زمانها حدث انتقال السومريين من خارج القطر الى داخله. أما من أين جاؤوا، فهم يختلفون.
* المشكلة يا دكتور مازالت قائمة، فقد ذكرت في كتابك (الطوفان في المراجع المسمارية) رأي بعض العلماء، بأن هناك فترة انقطاع بين استيطان السومريين وانتهاء سكان العبيد. فهل انقرض سكان العبيد فجأة؟ أو أن السومريين تعايشوا معهم ثم طغوا عليهم بعد مدة من الزمن؟
- إنهم يبنون فرضيتهم على هذه النقطة بالذات، أن هناك انقطاعاً حضارياً بين الشمال والجنوب، ويفكرون في أن هذا الانقطاع هو الذي جاء خلاله السومريون من الخارج، ولم يكن هناك أي انقطاع، ولكن بدايات الحضارة كانت في الشمال، ونضجها كان في الجنوب، وليس هناك ما يسمى بفجوة حضارية.
* ولكن بعض الأدلة التي يعطيها الباحثون على أن السومريين قدموا من مناطق جبلية، هو بناؤهم الزقورات كمعابد لهم..
- لا يا سيدي، هذا ليس له علاقة، وهو كلام عام، ولا يوجد شيء يؤيّده إطلاقاً. الزقورة بنيت بسبب الإشكال القائم، وهو عمق المياه الجوفية والفيضانات الكثيرة. ولذلك، وللتختلص من هذهِ المشكلة، خصوصاً وأن الزقورات عبارة عن مناطق عبادتهم، أي معابدهم، وهي منطقة مقدسة وينبغي أن ترفع أعلى من منسوب المياه، وإلا ضاعت كل هذهِ المقدسات في أي فيضان قادم، ولا ننسى أن بناء الزقورة كان من اللبن وهناك قشرة من الآجر، وهذهِ المواد عرضة للدمار.
* في كتابك (سومر.. أسطورة وملحمة) تقول بأن السومريين دفنوا ألواحهم قبل الطوفان؟!
- لم أقل أنا، هذا قول أحد المؤرخين البابليين المعروف بـ(برعوشا بيروسس). قال إنهم ذهبوا الى مدينة سبار، وقبل أن يجيئهم الطوفان، أتاهم أحدهم ليخبرهم بحدوثه، وليدفنوا (المعرفة) التي هي الألواح، فأخذوا ما لديهم من كتابات ودفنوها واستعادوها بعد انحسار الطوفان. وهذا ليس بغريب عما تفعله بعض الدول الآن، ففي انحاء كثيرة من العالم، بعض الدول تحفظ موادها العلمية، في كهوف عميقة جداً تحت الأرض من أجل ان تحميها من التلف والضياع فيما لو تعرضت الى انفجارات ذرية أو كوارث طبيعية ليست بالحسبان، وتستعيدها مرة أخرى، من هذهِ الكهوف. هذه مقارنة بين ماقاله المؤرخ البابلي بيروسس وبين ماهو موجود في الوقت الحاضر.
* هل نستنتج من ذلك، بأن أوتنابشتم أو نوح (حسب الميثولوجيا الإسلامية) كان قريباً من السومريين، أو أن الأخبار من الممكن أن تصلهم سريعاً، وهناك فرضية جديدة للأستاذ الباحث كمال الصليبي في كتابه: (التوراة جاءت من جزيرة العرب) وفي كتابه الثاني: (خفايا التوراة) تقول بأن أصل الخلق ونوح وأولاده في ما بعد كانوا أصلاً في عسير من الجزيرة العربية. وأن الطوفان حدث في منطقة عسير، وسفينة نوح رست على جبل أراراط في عسير أيضاً، فماذا تقول في رأي كهذا؟
- مع احترامي للأستاذ كمال الصليبي، لكن، وجِّه نقد كثير لكتابه (التوراة جاءت من جزيرة العرب). ومصادرنا السومرية والبابلية واضحة، والطوفان حسب ما نعرف من النصوص السومرية والبابلية حدث في مدينة شروباك في العراق، وهي في الجنوب وأبطال معروفون أيضاً، وشخصياتهم كلها عراقية، سومرية كانت أم بابلية قديمة. فمثلاً (زيوسدرا) بطل الطوفان في القصة السومرية، اسمه سومري، ومعناه (صاحب الحياة الطويلة). للدلالة على حصوله على الخلود، وأوتنا بشتم بمعنى (وجد الحياة)، نابشتم بمعنى (النفس)، والنفس هي الحياة.
وأتراخاسس، اسمه بابلي بمعنى (المتناهي في الحكمة)، (أترا) بمعنى (المتناهي)، و(خاسس) بمعنى (الحكمة). فهؤلاء كلهم يحملون أسماء سومرية وبابلية، والمدن التي حدث فيها الطوفان سومرية وبابلية، وليس لي شأن بقول الصليبي وفرضياته عن أسماء المدن، وهذهِ مسألة أخرى وبعيدة عن الواقع.
* بالنسبة لبقاء بطل الطوفان حتى عصور متأخرة من الحضارة البابلية، بأنه الرجل الخالد، كيف تفسر ذلك؟
يقال بأن أوتنابشتم الموجود في قصة الطوفان البابلية قد أسكنته الآلهة في دلمون على ضفاف البحر، وهناك نال الخلود وجلس يتشمس ويستحم بضوء الشمس، ودلمون حسب مايتفق عليه المؤرخون هي البحرين.
* إذن، ما فكرة الخلود نفسها، فلو كان نوح هو أوتنابشتم نفسه، والمعروف نوح (حسب المصادر الاسلامية) لم يخلد، فكيف يكون بطل الطوفان خالداً؟ وهل هذهِ الفكرة حقيقية أو مجازية؟
- لقد أخبرتك عن ثلاثة أسماء لبطل الطوفان، زيوسدرا، أوتنابشتم، واتراخاسس. الجانب الآخر الذي ذكرته عن الطوفان هو قصة القرآن الكريم، والقرآن ذكر أن نوحاً هو بطل الطوفان. السؤال الذي يدور في ذهنك وفي ذهن أغلب الباحثين، هو: هل إن القصة المذكورة في القرآن الكريم هي ذاتها قصة أحد هؤلاء الذين ذكرتهم؟ أنا لا أدري، لكني أعرف بأن هناك طوفاناً عثر عليه. وأنا اطمئنك أن في كل مناطق العالم التي لها تاريخ قديم تكاد  لا تخلو من طوفان.
* في كتابك (الطوفان في المراجع المسمارية) ذكرت بأن الاستاذ ملوان قال بأن هناك طوفاناً ثانياً حدث قبل الطوفان المشهور، وقد حدث في حدود (3.500ق.م) في فترة العبيد، فهل توجد إشارات أو نصوص عن هذا الطوفان، أم هي تخمينات لا أكثر لعدم استطاعة الباحثين تحديد المدة الزمنية التي حدث فيها الطوفان المشهور؟
- في فترة العبيد، ومن خلال الطبقة الغرينية، أفترض أن هناك حضارة في الجنوب، في العبيد أو في غيرها. ثم جاء الطوفان فترك هذهِ الطبقة الغرينية. ثم بعد ذلك عادت الحياة مرة ثانية، بعد أن انحسرت مياه الطوفان.
وبدأت التقديرات عن متى حدث الطوفان. وأنت تعرف بأن رواية الطوفان قد وردت في ملحمة جلجامش، وبدأت التساؤلات: لماذا وُضِع هذا اللوح في الملحمة ووظفَ في ملحمة جلجامش. ويعتقد أن السبب هو قرب الطوفان من جلجامش، أو قرب جلجامش من الطوفان.
* على الرغم من أن أكثر دارسي الملحمة يقولون بأن اللوح الحادي عشر ليس من أصل الملحمة؟
-هذا صحيح، واللوح الحادي عشر ليس من أصل الملحمة، لكننا نعرف ان الملحمة ككل تتكون من أربع قصص تدور كلها حول شخصية جلجامش، وظِّفت بطريقة بارعة جداً ورائعة وأدخلت في جسد هذهِ الملحمة التي تبدأ في الوركاء، وتنتهي بعودة جلجامش إليها.. فنحن نعرف هذهِ القصص وبنية الملحمة، وقصة الطوفان وجدت لغاية، وهي إعطاء الملحمة بعداً اوسع.
* فهل إن جلجامش لم يذهب الى أوتنابشتم أساساً، ووظفت رحلته في الملحمة، أو انه ذهب فعلاً إليه؟
- لا تستطيع ان تحمل الأدب الملحمي ما لا يتحمله، ونسأل هنا: هل ذهب جلجامش الى غابة الأرز، او لم يذهب؟ نعم، هو ذهب في مخيلة هذا الأديب الذي كتب الملحمة.
* في كتابك (من ألواح سومر الى التوراة) تؤكد قصة التوراة عن برج بابل، ولكننا سنعود قليلاً الى الأستاذ كمال الصليبي الذي يقول بأن شنعار لا توجد في العراق أصلاً، لكنها قلبت عن آسم مدينة (شرعن) في الطائف، من خلال دراسة ظاهرة القلب في اللغة العبرية، كذلك لم يكن هناك برج، وحتى إن وجدَ فإن الله قد منعهم من اتمامه، وتوجد في بابل زقورات وليست أبراجاً، فماذا تقول في ذلك؟
- البرج كان موجوداً، ولدينا قياساته، ومن ثم، ما البرج؟ البرج هو المكان المرتفع الذي ممكن أن ترى من عليه أشياء لا يمكنك ان تراها وأنت على أرضٍ منبسطة.
* لكنه يفترض بأن الزقورات غير الأبراج تماماً..
- هذا استخدام مجازي، فالتوراة قالت البرج، ثم ماذا.. البرج بمعنى الزقورة، البرج للمراقبة، وكان يمكن أن يراقبوا من يأتي ويدخل المدينة أو يخرج منها، وبرج بابل اشتهر، ومن وظيفة الزقورة هذهِ جاء المعنى الآخر وهو البرج. والروابط بين الزقورة والبرج هو الجانب الديني.
ومع احترامي للأستاذ الصليبي، أنا لا أتفق معه إطلاقاً، الآن البرج موجود، ووصلنا من العصر السلوقي، بل وجاءتنا ابعاد البرج، (91 متراً) طوله، و(99 متراً) عرضه، وطبقاته سبع، في أعلاه معبد، وحفرة البرج موجودة، لأنها نقبت ضمن آلاف التنقيبات.
* ألا تعتقد بأن قصة برج بابل التوراتية، وليست البابلية، التي هي أشبه بالخرافة اختلقت سبب اختلاف الألسن؟
- حتماً إن بني اسرائيل تأثروا بالحضارة البابلية، ومدارسها الدينية كانت موجودة أيضاً، وقد درسوا في هذهِ المدارس البابلية، وقصة برج بابل في التوراة تقول أنهم رأواها بأعينهم، أما بلبلة الألسن فهذهِ مسألة أخرى.
أنا لا أدري ما الكلمة التي جاءت كمرادف، والاشتقاق اللغوي ضعيف جداً هنا، يقولون انهم سموها بابل لأن الرب بلبل الألسن، وهذا في العربية. وأنا أريد أن أعرف من أين جاء هذا الاشتقاق، بلبل ليست بابل، هذا افتراض خاطئ. وكلمة بابل مشتقة من (باب-إيل). وحتى (باب-إيل) هناك وجهات نظر أخرى عليها، لكن قطعاً ليست من بلبل. وبابل لها اشتقاقها الأكدي، وهو مقبول وعلمي.
* وفقاً على هذا، ماذا تعتقد في الدين مازالوا يعتمدون التوراة ككتاب تاريخي بالدرجة الأولى، وبعد الاكتشافات الانثروبولوجية الحديثة، خصوصاً وأن التوراة تحدد المدة الزمنية بين خلق آدم (الانسان الأول) وولادة المسيح بأقل من عشرة آلاف سنة. وأنت تقول بأن الإنسان وجد في الكهوف منذ أكثر من (60-50) ألف سنة، وهو أيضاً بعيد عن قول مرسيا إلياد في كتابه (تاريخ الأفكار والمعتقدات الدينية) بأنه قد وجدت مقابر في أورشيروكين ترقى الى أكثر من (400-500) ألف سنة، في شمال العراق. وأنا أتكلم هنا على ولادة الانسان الأول بالدرجة الأولى؟
- هذه مسألة أخرى، عندما نشير الى استيطان الانسان، نقصد بهِ إنسان وادي الرافدين، أما إنسان آخر أو عمر الحياة فهذه مسألة أخرى. ومن الممكن أن ترجع بهِ الى الانثروبولوجيا أو علم الاجتماع.
* سؤالي-هنا-هو: أيمكن اعتماد التوراة ككتاب تاريخي أم لا؟
- التوراة فيها أخبار تاريخية عن الطوفان وعن الملوك الآشوريين، قسم منها واقع تاريخي وقسم مجافٍ للحقيقة، وأنا أنصح كل شخص يبحث في مسائل التاريخ من خلال التوراة أن لا يكون أحادي المبدأ.
* سؤالي هذا لأن أغلب المؤرخين القدماء يعتمدون التوراة.. 
- بل قل: الأوربيين..
* ليس الأوربيون فحسب، ولكنَّ المؤرخين العرب القدامى أمثال الطبري والمسعودي  والطبرسي وغيرهم يعتمدون أنساب التوراة من آدم وحتى ما بعد ابراهيم اعتماداً كاملاً!
- ما رايك بأن التوراة جعلت العيلاميين عيلاماً وحذفت كل ما يتعلق بالكنعانيين، وعيلام ليس لها علاقة بالساميين ولا بأنسابنا، وهم اقوام هندو - أوربية، سكنوا في الجنوب الشرقي من سومر، وأخرجوا الكنعانيين من سلسلة النسب لغاية في نفس يعقوب، وجاؤوا بالعلاميين. والبلدانيون العرب، وللأسف الشديد لا يعرفون هذهِ الحقائق. والآن يوجد أكثر من خمسمائة مفردة لغوية من اللغة السومرية والبابلية تسربت الى اللغة العربية عن طريق الآراميين، لو سألت عنها البلدانيين العرب لأجابوك بأن هذهِ اعجمية وهذه، دخيلة، وهم لا يعرفون حقيقتها بسبب عدم اكتشاف الألواح المسمارية إلا في العصر الحديث. فوقع البلدانيون العرب في هذا المأزق. وحدث هذا أيضاً الى الانساب، وأنساب التوراة ليست صحيحة. لطفي عبد الوهاب يتساءل عن هذهِ المشكلة، فيقول: انا أعجب جداً ان كل أنساب البشرية هذهِ تعود الى رجل واحد! لا أقول أنا أن هناك صفاء في العرق مائة بالمائة، الشعوب تختلط حسب النظريات الانثروبولوجية الحديثة. ولا يوجد عرق نقي تماماً. فكيف بكل هذا الامتداد التاريخي؟
* لنعد الى كتابك (من ألواح سومر الى التوراة)، حيث أنك ذكرت قصة سرجون الأكدي وبالمقابل ذكرت قصة موسى التوراتية، ووضحت التشابه فيما بينهما من دون تعليق، لماذا إذن ذكرت القصتين، ومن المؤثر والمتأثر؟
- إن قصة سرجون الاكدي وجدت ضمن الألواح التي تعود الى العصر السلوقي، أي بحدود (1.200 قبل الميلاد).
* هذا صحيح، ولكن مدة حكم سرجون الأكدي، تعود الى (2.400 ق.م)، وهناك ألواح وجدت يعتقد أنها مكتوبة بخط سرجون نفسه، ومن الجانب الآخر، فإن موسى يعتقد ان فترة خروجه بين (1350-1250ق.م)..
- في الحقيقة، وجدت ألواح تخص سرجون ولم يحدد تاريخها حتى هذهِ اللحظة..
* ما رأيك بقول أغلب دارسي الأدب الحديث بأنه لم يكن هناك مسرح للسومريين، ويقول د. قاسم الشواف في كتابه (ديوان الأساطير) بوجود المسرح السومري، خصوصاً وإن هناك نصوصاً سومرية ذات بنية مسرحية، أمثال زواج اينانا ودوموزي ومراثي نفر وأور وغيرها. ألا تعتقد بأن هذهِ النصوص هي اللبنة الأولى لبناء المسرح البابلي واليوناني فيما بعد، كما أن النقاد يؤمنون بأن بداية الشعر كان من حداء الإبل، فلماذا لا يكون المسرح السومري هو هذا الحداء..؟
- هذا صحيح، ومن الممكن ذلك، خصوصاً وإن لدينا نصوصاً ذات طابع مسرحي بالفعل فمن خلال الزواج المقدس والمراثي وقصة الخليفة البابلية، والتي هي ذات جذور سومرية. وهذهِ نصوص تعطي هذا الانطباع، ولكن، هل هناك مسرح معين، هذا ما لا اعرفه.
* أنا أقصد بداية فكرة المسرح..
- نعم، الجانب الفكري موجود وكذلك كالفكرة المسرحية. وهناك من الدلائل ما يشير الى وجودها. ولدينا بعض الاشارات في قصة الخليفة البابلية (إينوما إيليش) بأن هذا الاحتفال كان يستمر أحد عشر يوماً وربما كان يمثل بعض فصولها، وخاصة فصل انتصار مردوخ على تيامة إلهة الشر، وتتويج مجمع الآلهة له وإعطاؤه خمسين إسماً من أسمائها.
* لقد تشابهت النصوص التي درست أدب السخرية في وادي الرافدين، وبالذات لدى السومريين، وذكرت نفس النصوص في كتابك (سومر.. اسطورة وملحمة) وهي نفسها التي ذكرها العلامة الدكتور طه باقر في كتابه (مقدمة في أدب الحضارات القديمة) ألا توجد سوى هذهِ النصوص في أدب السخرية أم ماذا؟
- جمعت هذهِ النصوص من قبل الأستاذ طه باقر وقبله الأستاذ كريمر وأنا جمعت جزءاً منها، فهناك رسالة من قرد الى أمه. وقصة جميل ننورتا، ولدينا الآن مقطوعة ثالثة، وهي قصة ثلاثة أشخاص يسوقون ثوراً. وكان معهم عربة وبقرة. فعندما ذهبوا يجلبون الماء بعد منتصف الطريق، رجعوا فوجدوا أن البقرة قد ولدت عجلاً وأن ما في العربة من أكل قد اكله العجل. فأرادوا أن يحتكموا الى الملاك فيمن هو أولى بهذا العجل الصغير. فصاحب العربة قال: أنا الذي حملت الحشيش، وصاحب البقرة قال: أنا الذي جلبت البقرة وهي التي ولدت العجل، والآخر قال العجل لي. وذهبوا الى الملك. لكن النص خِرمَ حتى نهايته.
وهناك في الأمثال والحكم مسحة من الهزل والتهكم.
* ذكرت في كتابك (سومر.. أسطورة وملحمة) ان الأدب الرافديني اعتمد على التكرار لسببين، الأول: ليهيئ متسعاً من الوقت يسترجع المنشد خلالها البيت التالي من القصيدة، والثاني توكيد المعنى. ألا تتوقع أن السبب الرئيس من هذا التكرار هو البنية الإيقاعية للقصيدة السومرية بالذات، وذلك لأن الشعر السومري لا يعتمد على الوزن، لكنه يعتمد على بنى صوتية معينة ومن ضمنها التكرار، ليخلق إيقاعاً شعرياً، كما نجده في قصيدة النثر مثلاً؟
- وارد جداً، هذا تعليل وارد جداً.
* وتقول في الكتاب نفسه إن جلجامش كان كاهناً لمعبد إينانا..
- أنا لم أقل هذا، لكن هذا استنتاجك، وأنا قلت انه كان يلقب بـ(إن) بمعنى الكاهن الأعظم، وهو لقب ديني وسياسي. ففي سومر يمنح هذا اللقب لملكٍ واحد، وجلجامش كان يلقب بهِ..
* واستنجدت عشتار بجلجامش بخصوص شجرة الخلبو؟
- نعم
* إذن، لماذا انقلب جلجامش على عشتار في نهاية القصة؟
- لا أدري، ولكن هذهِ تعكس انه لا يريد ان تكون عشتار حليلة له بعدما اتهمها أنها تنتقل بين عشاقها، وهذهِ مسألة ليست غريبة على طبع الرجل، الذي يريد أن تكون زوجته وحبيبته خاصة بهِ.
* ألا تعتقد بأن قصة تموز وأنكي - امدو هي أسطورة التحول من البداوة الى الاستقرار وهي قصة قابيل وهابيل قبل الطوفان ويعقوب بعد الطوفان؟
- هذا ممكن، وتموز يمثل البداوة لأنه راعٍ، وانكي - أمدو فلاح، وهو يمثل المدنية والحوار الذي جرى بينهما هو حوار بين البداوة والتحضر. ابن خلدون في كتابه (العبر) يتحدث تفصيلاً عن سمات وخصائص البداوة والبدوي مقارنة بالحضر والتحضر، ومن جملة ماذكر، البدوي هو أصل ولا يخاف، بخلاف الحضري. وهذا موضوع طريف جداً.
* أخيراً.. ألا ترى يا دكتور إننا أخذنا تاريخنا من الغرب، أي أن الغرب اخذوا تراثنا وقرأوه بطريقتهم الخاصة، ثم أرسلوه إلينا كما هم يريدون، ومن هذا - مثلاً - مايدعى بـ"المشكلة السومرية"وغيرها من المشكلات الأخرى؟
- إطلاقاً.. إن تاريخنا متكامل تماماً، ولا يستطيعون خلق فجوة للدخول من خلالها. إن التراث الرافدين متواصل ومتراصٍ بطريقة تامة، وهو تاريخ يبدأ منذ بدء البشرية وحتى هذهِ اللحظة بتنامٍ واضح وتصاعد حضاري. هذا أمر متفق عليه لدى جميع الباحثين، ولا توجد فترات مظلمة أو غير واضحة في هذا التاريخ.
عن/ موقع ايلاف



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية