العدد (4256) الخميس 16/08/2018 (زينـب .. 20 عاماً على الرحيل)       زيــــنــــب..!       «ماما زينب».. عقدان على الرحيل وما زالت"فنانة الشعب" تُحاكينا!       زينب فنانة مناضلة غيّرت نظرة المجتمع للفنان       في ذكرى (فنانة الشعب)       هل يعرف الجيل الجديد من هي زيـنـب ؟       زينب في الرمادي       العدد (4255) الاربعاء 15/08/2018 (ف. س نايبول 1932 - 2018)       (نصف حياة) نايبول نموذج للرواية ما بعد الكولونيالية       نايبول يرحل مخلفاً حياةً مثيرةً للجدل    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :11
من الضيوف : 11
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 21650030
عدد الزيارات اليوم : 1697
أكثر عدد زيارات كان : 33537
في تاريخ : 15 /03 /2017
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


جيرار جينيت.. موت عاشق الكلمات

علي حسين
انشغلت فرنسا  بالشيشاني حسن عظيموف الذي صرخ وسط باريس وهو يطعن عدداً من المواطنين"الله  أكبر..سأقتلكم جميعاً"وكانت صورة عظيموف وهو بلحيتة الطويلة وصدره العاري  وسرواله الأسود قد غطّت على صورة أخرى لرجل يبلغ من العمر 88 عاماً، غادر  عالمنا بهدوء ومن دون أن يسبّب وجع رأس لأحد، سوى للقرّاء الخاملين الذين  وصفهم بـ"العاجزين عن التواصل مع الورق".


تشاغلت فرنسا عن ابنها جيرار جينيت الذي ولد عام 1930، وتذكّرت أنها منحت الجنسية لمواطن آخر هرب من بطش أبناء جلدته، ليقرر البطش بالذين منحوه الأمن والاستقرار.

وإذا كان اسم جيرار جينيت لا يعني الكثير للجمهور العريض من القرّاء الذين يبحثون عن المتعة في قراءة الرواية والشعر، إلاّ أن اسمه ظلَّ على مدى نصف قرن له وقع السحر لدى أجيال عديدة من طلبة وأساتذة الأدب والدراسات النقدية في العالم أجمع، بما فيها هذه البلاد التي عَرفت القارئ العربي بالمسيو جيرار قبل اكثر من ثلاثين عاماً، حين نشرت أول كتبه المترجمة الى العربية"مدخل لجامع النص"ضمن سلسلة النشر المشترك التي كانت تصدرها وزارة الثقافة في منتصف الثمانينيات.
في سنواته الأخيرة قرّر جيرار جينيت الانسحاب من الحياة العامة، والاستعاضة عن ذلك بمراقبة المشهد الثقافي، مكتفياً بإلقاء محاضرات نادرة بين الحين والآخر، أو الموافقة بعد جدل كبير على إجراء حوار، قال لأحد محاوريه، إن معظم ما يكتب الآن في مجال الأدب بعيد عن فن اللغة، كان جينيت قد أثار قبل اكثر من ثلاثين عاماً سؤالاً عن تعريف الأدب، في تلك السنوات من منتصف السبعينيات، فكّر في أن يُسمّي أحد كتبه"ما الأدب"، لكنه تراجع، فمثل هذا السؤال كان قد طرحه جان بول سارتر في كتاب اطلق عليه أيضاً اسم"ما الأدب"، ذكر جينيت أن الحديث عن تعريف للأدب يقودنا الى البحث في قضيتين أساسيتين هما :
• البحث عن ما يميّز الأدب عن باقي الفنون"الرسم، المسرح، الموسيقى".
• البحث عن ما يميز الأدب عن الممارسات اللغوية الأخرى مثل"كتابة التأريخ، الفلسفة، علم الاجتماع".
ويؤكد جيرار اذا كان الأدب واحداً من الفنون الجميلة، وكان"الفن محاكاة"حسب مفهوم ارسطو، فإن الأدب هو فن اللغة، والتفنن في اللغة بحسب جينيت، هو الترفّع بها عن مستوى الكلام العادي، والوصول بها الى أرقى مستوى من الجودة والإتقان. إن التميّز بين لغة الأدب ولغة غيره من الممارسات اللغوية الأخرى في رأي جينيت، هو في التمييز بين وظيفتين للغة، وظيفتها العادية، وهي الكلام من اجل الاستفهام والإقناع والسؤال وغيرها من الاستعمالات، ووظيفتها الفنية والتي تتركز في انتاج الأعمال الإبداعية.. وتنهض الوظيفة الأولى من البلاغة أو ما يُعرف بالتداولية، أما الثانية فتنهض من الشعرية.
يكتب تودوروف زميل رحلة جينيت في دراسة الأدب، أن:"الخطاب العادي يجعلنا ننظر من خلاله الى معناه دون أن نهتم به في ذاته، أما الخطاب الأدبي يستوقفنا ويطيل بنا النظر إليه في ذاته اكثر مما نهتم بمعناه."
عُرف جينيت بغرامه في ابتكار مصطلحات جديدة حتى أن أحد الباحثين في مجال اللغة، أشار إلى أن عدد المفردات التي ابتكرها جينيت يمكن أن تمثّل لغة مستقلة. ابن عامل النسيج الذي وجد نفسه وسط عائلة متدينة، حصل على منحة دراسية لتفوقه في الثانوية، كانت الأم تطمح أن يصبح ابنها قسيساً، لكنه اختار أن يدرس الأدب وينضم في شبابه الى الحزب الشيوعي، قراءته لماركس لعبت دوراً كبيراً في حياته، وهو يعترف بفضل هيغل وماركس في تنميه فنّه النقدي ودفعه إلى قمّته:"كنت عضواً متفانياً في الحزب الشيوعي وبكيت عندما سمعت بوفاة جوزيف ستالين، باختصار، كنت معروفاً باسم المناضل الشيوعي. ما الذي حولني أخيراً إلى مناهضة أفكار ستالين؟، لم يكن ذلك هو معسكرات العمل، أو التطهير، أو المجاعة التي تسبّب فيها،. كان ذلك عندما دخلت تلك الدبابات السوفيتية إلى بودابست عام 1956". أعلن انفصاله عن الحزب الشيوعي، لكنه ظلَّ يعلّق في مكتبه عبارة ماركس"أن جوهر الإنسان في طور التكوين".
شكّلت مرحلة الدراسة المدرسة العليا للأساتذة بين عامي 1951-1955 منعطفاً مهماً في حياته، هناك زامل جاك دريدا وبيير بورديو، وتعرّف على لوي التوسير الذي كان يقضي معظم وقته في المدرسة بسبب ظروفه الصحيّة التي سمحت له بالسكن في المدرسة، وقد نصحه التوسير بقراءة رأس المال قراءة أدبية، إلاّ أن نقطة التحول كانت مع رولان بارت، الذي نبّهه الى ضرورة الاهتمام بدراسة البعد العلاماتي (السيموطيقي) للأدب والفنون.. فالعمل الأدبي ليس في نهاية المطاف إلا تجميعاّ لعلامات تؤدي وظيفتها بطرق معينة كي توّلد المعنى. كان بارت قد أعلن موت المؤلف في كتيب صغير، لكنه أصبح قوي التأثير في جيل كامل من النقاد، حيث يقول بارت: إنه بينما يكون القارئ منخرطاً على نحو نشط، في عملية بناء معنى النص الذي يقرؤه، فإن المؤلف بالمقارنة بالقارئ لايستطيع أن يتحكم في الطريقة التي ينتج بها المعنى وذلك في اللحظة التي يتداول فيها نصّه. فما أن يقرأ النص بواسطة القرّاء الذين يفسّرونه على أنحاء مختلفة حتى يغدو المؤلف (بوصفه منتجاً للمعنى) ميتاً من الناحية الفعلية. ولهذا ارتبط اسم بارت بـ"النقد الجديد"الذي استهوى جيلاً جديداً من النقّاد، وبتوصية من بارت عمل جينيت أستاذاً مساعداً للأدب الفرنسي في السوربون، ثمّ أستاذاً محاضراً قبل أن يُعيّن مديراً في مدرسة الدراسات العليا (1967-1967). وفي تلك المرحلة كرّس جينيت معظم وقته لنشر الفكر النقدي المعاصر، خصوصاً بعد أن أسّس تزفيتان تودوروف مجلة"الشعرية"ورأس تحريرها.
عمل جينيت وبرفقة تودوروف على نحت مصطلح جديد في مجال النقد باسم"علم السرد، حيث اطلقا هذا الاسم على التحليل الشكلي للسرد الروائي، ولتمييزه عن الحقول الأخرى التي تدرس النص والخطاب، وأرسى كلاهما أسس هذا الحقل في مجال الدراسات النقدية. يقول جينيت:"النقد هو الذي سيبقى المقاربة الأساس للأدب والأجناس الأدبية، ويمكن أن نتنبأ بمستقبل الدراسات الأدبية التي ستتمحور حول التداخل وكذا التضافر بين النقد والشعرية".. وقد غدا علم السرد أداة لا لتحليل الأعمال الأدبية فقط، وإنما لتحليل الأفلام ومظاهر الثقافة الشعبية أيضاً.
اختبر جيرار جينيت الحدود التي أطّر بها النقاد سابقيه ومعاصريه الحكايةَ وعالجها بأدوات النظرية الأدبية الحديثة ليعيد النظر فيها وينقد النقد نفسه. من أبرز مؤلفاته والتي ترجم البعض منها الى العربية"خطاب الحكاية، مدخل لجامع النص، عودة الى خطاب الحكاية، نظرية السرد، العمل الفني، والأدب والأسلوب، كما درس العديد من النصوص القديمة، حيث أصدر كتاباً عن إلياذة هوميروس، وعن مارسيل بوست، حيث قام بدراسة روايته الشهيرة البحث عن الزمن المفقود والتي رأى فيها المثال النموذجي للسرد الكلاسيكي، وقام بإصدار دراسة موسعة عن فلوبير ثم أصد كتاباً عن الرواية الجديدة عند الآن روب غريبيه.
وفي كتابه الشهير"خطاب الحكاية"- صدر عن المركز القومي للترجمة في مصر - يدرس جينيت الحكاية تحت خمسة عناوين: الترتيب،  المدة، التردد (بمعنى تكرار الحدث) الحالة، الصوت. فالترتيب يعالج المقارنات بين ترتيب الأحداث كما هي مروية على الصفحة وترتيب تتابع الأحداث ذاتها في العالم القصصي، والمدة هي العلاقة بين مرور الزمن وكمية النص المخصصة له، والتردد هو عدد المرات التي يروي فيها الحدث والحالة أو كما تسمّى وجهة النظر هي تنظيم المعلومات السردية والصوت هو نمط الراوي، وكل مقولة من هذه المقولات الخمس تنقسم الى أقسام فرعية، فالترتيب مثلاً، يشمل الارتداد الى الوراء"الفلاش باك"أو استباق الأحداث بالتقدم الى الأمام. والمدة تتضمن تسارعاً أو تباطؤاً.
عاش جينيت حياته مخلصاً للغة، وكان يتساءل إذا كان للكلمات أن تشكّل صورة عن الأشياء، كما اهتم بمفهوم التناص، وقام خلال عمله النقدي بعملية جرد للأعمال الأدبية التي تستند إلى أعمال أدبية أخرى، سواء عبر محاكاتها أم عبر تحويلها.
في حوار أخير معه.. تحدث جينيت عن الموت والحياة قائلاً: حاولت خلال سنيّ حياتي أن أطوي أكثر من مقعد، لكنْ في مجتمع الأرواح لا توجد مقاعد قابلة للطي."



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية