العدد (4256) الخميس 16/08/2018 (زينـب .. 20 عاماً على الرحيل)       زيــــنــــب..!       «ماما زينب».. عقدان على الرحيل وما زالت"فنانة الشعب" تُحاكينا!       زينب فنانة مناضلة غيّرت نظرة المجتمع للفنان       في ذكرى (فنانة الشعب)       هل يعرف الجيل الجديد من هي زيـنـب ؟       زينب في الرمادي       العدد (4255) الاربعاء 15/08/2018 (ف. س نايبول 1932 - 2018)       (نصف حياة) نايبول نموذج للرواية ما بعد الكولونيالية       نايبول يرحل مخلفاً حياةً مثيرةً للجدل    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :13
من الضيوف : 13
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 21650011
عدد الزيارات اليوم : 1678
أكثر عدد زيارات كان : 33537
في تاريخ : 15 /03 /2017
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


الأسود والأبيض... شاهدٌ لا يموت

كرم نعمة
 لا تكتفي الصورة الفوتوغرافية بلمسة الجمال والدهشة التي تتركها أمام العين، إنها شاهد حي لا يقبل التأويل.
تماماً  كما فعلت عدسة الفنان العراقي الرائد لطيف العاني وهي تستعيد شهادتها  الحيّة من زمن متسق مع مكونات المجتمع آنذاك، عبر حزمة فوتوغرافية تجعل من"  الأسود والأبيض" شاهداً على الحضارة الاجتماعية المنفتحة للعراقيين،


قبل أن يشوهها تطفّل السياسيين المراهقين الخارجين من زوايا" المساجد المظلمة" والمسكونين بالتاريخ الغامض والقادم من القرون الميتة!
العدسة في أعمال الفنان لطيف العاني في المجلد الذي صدر مؤخراً عن دار الأديب، شاهد إدانة على الزمن السياسي والديني في العراق اليوم.
لنا أن نتصور ما الذي يحدث عندما تلتقط عدسة مصور معاصر ما يشبه الصورة التي التقطها العاني عام 1960 وتوسطت المجلّد، لطالبات من مدرسة الراهبات في بغداد وهن يمارسن التمارين الرياضية في ساحة المدرسة، حيث ارتدين" تنانير" بيض قصيرة وقمصاناً بنصف كم؟
هل بمقدور فوتوغرافي اليوم فعل ذلك حيال سياسة التحجيب والتكميم التي أعادت المرأة العراقية الى الزوايا المظلمة؟ ثم من أين للمشهد أن يُعاد اليوم؟
هذه الصورة تكاد تكون الشاهد على (عراقية) البلاد المتسقة مع ذاتها، فبحرية وتلقائية من دون الاهتمام لحركة العدسة تمارس مجموعة من الفتيات دروس الرياضة في ثانوية الراهبات" مبنى ثانوية العقيدة حالياً" في صف طويل وناصع، بينما وقفت المدرسات يتأملن المشهد الذي لا يحمل إلاّ مواصفات الزمن الناصع.
تكاد تكون هذه الصورة معادلاً موضوعياً للتقديم التعبيري الذي كتبه المعماري إحسان فتحي للمجلد، لكن ووفق التقويم المفرط بالتفاؤل، إن بغداد وضواحيها النائمة في كنف الجحيم تواقة للعودة الى روحها الغضة، واستذكار الزمن الذي مرت عليه عدسة لطيف العاني.
تجربة العاني المولود في كربلاء عام 1932 تكاد تكون مرت على المكان الظاهر أمام العين والمختفي عنها. وليس اللحظات الهاربة من الزمن، إنه معني بالمكان بقدر يصبح الزمان هامشاً له، كما معني في هذا التوثيق الفوتوغرافي بجغرافيا التاريخ، وليس التاريخ كحدث.
عدسة روليفلكس في بغداد
 بغداد تبدو مدينة تنمو وترتفع مبانيها بامتياز مع الزمن في عدسة" روليفلكس" الألمانية المعلقة في كتف العاني، فهو عندما يركز على ساحة التحرير برمتها قبل أن يشق فيها النفق، يلتقط ما يوحي به المكان من ظلال شفيف ووداعة قائمة بذائقة المدينة آنذاك، حتى نصب الحرية وهو يوازي المبنى الرائع لكنيسة الأرمن في حي الكيلاني، يبدو حراً قبل أن تضيّق عليه المباني المتعامدة الفضاء المحيط به، ويكاد يختنق!
ثم بداية شارع الرشيد وعمارة مرجان للمعماري جعفر علاوي وعمارة الدامرجي لنيازي فتو التي تحفر عميقاً في الذاكرة الشعبية آنذاك حيث بدت الأعلى حينها.
كذلك فعلت العدسة وتحركت بذكاء مكاني بارع في شارع البنوك في الشورجة ومدخل شارع السعدون ثم حديقة الأمة والصفاء الذي تبثه في النفس قبل أن ترتفع جدارية فائق حسن وتولي لها ظهرها.
تمثال الأم للفنان الراحل خالد الرحال في حديقة الأمة أسطورة للبقاء بلمسات رؤومة، عدسة العاني جعلته ينبض بالروح في الأبيض الناصع وظلال الأسود حوله.
بغداد من الجو في عدسة لطيف العاني تحمل أكثر من تساؤل، فهو يثبت تاريخ الصورة عام 1961 وهي فرصة نادرة لفوتوغرافي مثله، كما هو الحال مع اللقطة لمصرف الرافدين عندما كان قيد الإنشاء.
المعمار روح المدينة وذاكرتها مع الزمن، انه يؤرخ لتاريخ المكان الذي يغادر الجغرافيا المتغيرة! كذلك فعل العاني بعدسته السوداء العتيقة وهو يمر على مدخل شارع الجمهورية في الباب الشرقي قبل أن تشيد أيٍّ من المباني المتقابلة، وكأن المكان آنذاك بعين العراقي اليوم قد تخلى عن حلّته الثابتة، يا للدهشة أمام أعيننا الغضة، ويا للحنين أمام ذاكرة كهول بغداد الأحياء!
العدسة والدرس المعماري
 محطة غربي بغداد للسكك الحديد تمثل درساً معمارياً للمعماري الانكليزي ولسن الذي ترك أثراً حسيّاً في بغداد، حيث وثّقت عدسة لطيف العاني التناسق البنائي في الواجهة وكأن العين بانتظار القطار القادم من البصرة أو لندن على حد سواء.
مشاهد بغداد في هذا الكتاب تطغى بامتياز على مشاهد المدن الأخرى لكنها لا تفقد دهشة العدسة عندما تدور على الأمكنة من شط العرب حتى جبال كردستان.
ثمة المبنى المتناسق للمجلس الوطني وبيوت مدينة الضباط في اليرموك ونصب الجندي المجهول القديم، قبل أن يستبدل بآخر أكثر رقياً وحسيّةً وأثراً، فضاءات منطقة الكرادة وكأن الأشجار أثر لا يغيب وهي تتعامد مع شارع أبي نؤاس المسكون بالليل والسحر وطعم السمك ورائحة الخمور، شارع المحيط في الكاظمية" الغابات أضحت من آثار بغداد" وهنا يبدو دور العدسة المؤرّخ ليس للمكان وحده بل لروحه.
لم تنسَ عدسة لطيف العاني الأمكنة التي كانت وبقيت والتي أزيلت وهي تنظر الى المستقبل، كذلك سجّلت بالأسود والأبيض لروح الألوان آنذاك في مرقد الإمام الكاظم والإمام الأعظم وجامع الكيلاني والمساجد المتآلفة في بغداد منذ الزمن الآفل وحتى تاريخ التقاط الصور الذي اقتصر على عامي 1969 و1961، الامر الذي يبعث على التساؤل عما اذا كان عمل الفوتوغرافي اقتصر على هذين العامين!
وعندما يتجه شمالاً بعدسته نكتشف بعين اليوم الصفاء الذي تتركه نواعير راوة وعنة على نهر الفرات، والشلالات والمصائف، الحياة البرية في الأهوار و»شناشيل" البصرة وكيف النخيل سيد الشجر لم تمسه نار الحروب بعد. ثم الأثر التاريخي في ملوية سامراء وكأن الصورة التقطت في الزمن العباسي!
آثار الزقورة في عكركوف وطاق كسرى في المدائن هياكل تتحدى الانقراض، حيث وقف الراعي يتأمل طاق كسرى المنخور تاركاً" شويهاته" ترعى في الحقل المحيط، ثمة ثنائية محيرة ومفعمة بالتساؤل في هذه الصورة، حيث بدا" الطاق" بكل علوه هزيلاً أمام الأغنام التي أعطته مؤخرتها غير مبالية ملتقطة العشب، فيما الراعي مذهولاً بالأثر في إيماءة الى الأعلى.
الجسور وآه من الجسور، عندما انتقت عدسة العاني العتيق منها والحديث في ثنائية فوتوغرافية، فالجسر العباسي في زاخو أثر يقاوم الزمن ويتآلف مع الماء والجسر المعلّق على نهر دجلة عام 1964 يتواءم مع الماء وكأن الصورة تحيل بلا شعور الى قصيدة لميعة عباس عمارة" خلقت جسور العالم موصدة إلا المعلق أمره أمر" متى كتبت ابنة عباس عمارة هذه القصيدة؟
الوجوه تتكلم
لا تبدو مهمة لطيف العاني مقتصرة على المكان رغم فرصة التنقل التي عاشها مع عدسته التي أضحت كعين ثالثة، فهو مسكون أيضاً بايحاءات الوجوه، الملامح تتكلم من دون شفاه!
التعبيرة التي تتركها خشونة وجه الرجل البدوي الذي علق" خزّامة" ذهبية على عقاله توحي بأكثر مما لو تكلم، فيما بدت ملامح كهولة الرسامين عاصم حافظ وصالح زكي أشبه بلوحة لم يرسماها، مقابل حيوية الفنان نوري الراوي في شبابه. والصورة الشهيرة للفنان جواد سليم أثناء تعليق التماثيل على نصب الحرية، كم بدا متسائلاً وكأنه ينتظر شيئاً ما، هل ينتظر الإنسان موته؟" من يستطيع رفضه؟». كذلك وثّق لجنازته الصامتة والوجوه المنحنية حولها في أكاديمية الفنون الجميلة.
ليس ثمة أبرع في كل ما التقطته عدسة لطيف العاني من وجوه العراقيات في الكهولة والشباب، يا الله على تلك المرأة العاملة في مصنع تعليب التمور، لم تتخلَ عن فوطتها وهي ترتدي بدلة العمل البيضاء، والأخرى في معمل الغزل عام 1961 بأناملها الرقيقة، أما الدارسات في مختبر جامعي يفحصن شريحة بالمجهر، فهي صورة تعبّر بدقة عن خصوصية المرأة قبل أن تكبّلها" الفتاوى" المظلمة، في مقابل ذلك حملت تلميذة آلة" الاركيديون" في درس الموسيقى ووقفت أمام سبورة سوداء ثبّت عليها بالطباشير عنوان" النشيد والموسيقى تمرين..»، هذه الصورة إدانة أخرى للزمن العراقي اليوم، فلا دروس للموسيقى في مدارس اليوم!



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية