العدد (4199) الخميس 24/05/2018 (عبد الكريم العلّاف)       مِنْ تراث عبد الكريم العلّاف..العلاف يؤرخ لمدينته بغداد              لنتذكر عبد الكريم العلّاف       لقاء مع العلّاف قبيل رحيله       عبد الكريم العلّاف.. إرث خالد من الشعر والأغاني       عبدالكريم العلّاف يصف أوضاع بغداد       عبد الكريم العلّاف (1894-1969)       العدد (4198) الاربعاء 23/05/2018 (جـيرار جـينيت 1930 - 2018)       جيرار جينيت.. موت عاشق الكلمات    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :16
من الضيوف : 16
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 20643475
عدد الزيارات اليوم : 9807
أكثر عدد زيارات كان : 33537
في تاريخ : 15 /03 /2017
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


الـرؤيـة والمكــان.. نقد ياسين النَّصير للشعر العراقي الحديث

د. قيس كاظم الجنابي
ــ 1 ــ
بدأ  الناقد ياسين النصير ناقداً للقصة العراقية متبنياً للمنهج الواقعي،  المغلف برؤية ماركسية مضمرة، فأصدر مع الناقد فاضل ثامر كتابهما الأول"قصص  عراقية معاصرة"عام 1971 وهو عبارة عن دراسة من مختارات قصصية احتوت على  تشخيصات واضحة تتبنى الاتجاه الماركسي لقصص جيل الستينات، ثم تلا ذلك  بكتابه"القاص والواقع"1975 ثم اصدر عام 1976 كتابه الأول عن المسرح العراقي  بعنوان"وجهاً لوجه"وخلال هذه المرحلة بدأ يولي الشعر العراقي اهمية خاصة  من خلال اهتمامه بنظرية الانعكاس.


أي عدّ الأدب تصويراً للواقع وكانت القصة لديه اقرب فنون الأدب في كشف هذا التصوير، لكن الشعر وبحكم دور الشاعر في التعبير عن واقعه بعد منتصف السبعينيات دفعه لإعادة النظر في دراسته بعد أن اكتشف موضوعة جديدة لدراسة الأدب، وهي المكان من خلال تمثل طروحات جاستون باشلار في كتابه"جماليات المكان"الذي صدر في بغداد عام 1980 بترجمة غالب هلسا، فكتب دراسته عن حب الشيخ"رؤى الاعماق"ثم كتب بعض الدراسات المتفرقة هنا وهناك وعزم على اصدار كتاب عن شعر السياب دعاه بـ»العتبة"واستأثر الشعر العراقي باهتمام خاص في موضوع البنية المكانية في القصيدة الحديثة.
نشرها مع"رؤى الاعماق"في كتابه اشكالية المكان في النص الأدبي، فضلاً عن بحثين أولهما اليومي والمألوف في الشعر العراقي الحديث وثانيهما اليومي والمألوف في الشعر العراقي المعاصر، تناول فيه شعر عبدالرحمن طهمازي في مجموعته تقريظ للطبيعة..
ــ 2 ــ
يرتبط نقد ياسين النصير برؤية اجتماعية للنص الشعري في كتابه اشكالية المكان في النص الأدبي، من خلال استقراء موضوع المكان وتاثيره في القصيدة وانعكاس الواقع على صفحاتها، مما دفعه الى اعتبار الشكل جانباً من القيم الاجتماعية للفاعلية الثقافية، وإن نجاح الشكل الفني في تنظيم وتركيب العمل الفني نجاح الى حد ما في عكس جانب من مضمون المرحلة الاجتماعية التي عالجها ذلك العمل (1) وهو يجعل المضمون والشكل انعكاساً للواقع. مع أن نظرية الانعكاس ذات أثر ومرجعيات تختص بالمعنى أو المضامين وهي نظرية تستقي الكثير من طروحاتها من رأي أرسطو في الفن بوصفه محاكاة للطبيعة ثم تطورت لدى لوكاتش بوصفه انعكاساً للواقع وطورها غولد مان نحو شعرية النص والبنوية التكوينية التي مزجت بين طروحات ماركس ولوكاتش..
إن محاولة التعبير في اكتشاف البنية الداخلية للنص من خلال المكان ظلت تنطلق من خلفية فلسفية تستقي مرجعياتها من الفلسفة الظاهراتية التي تعنى بظواهر الأشياء، لهذا يرى أن ما يكمن وراء شعر حسب الشيخ جعفر هو ترسيخ الحس الاجتماعي والصورة الواقعية (2) مما يعني أنه لم يغادر رؤيته للواقع التي طرحها في كتابه القاص والواقع وأنه انطلق ليبحث عنها من خلال رؤية باشلار للمكان وظل يتعقب طروحات الظاهراتية ذات البعد الذرائعي والذي حاول تنسيقه وتبويبه ليلائم توجهه نحو الرؤية الاجتماعية المرتبطة بالمرجعيات الماركسية، لأنه كان يتوخى الوصول الى انعكاس البنية الاجتماعية على البنية الشعرية (3) مما خلق نوعاً من المفارقة بين نزعته الانطباعية والمؤثرات الماركسية وهو ما يبدو على ايثاره الحس الشعبي واليومي في شعر حسب الشيخ جعفر في تعويله على توظيف الذاكرة بوصفها موقفاً لأن الظاهراتية تلغي الماضي وتواجه الحاضر.
انسجاماً مع موقف باشلار حين تلغي الظاهراتية الماضية وتواجه الجديد(4) فراح يؤكد على جدلية الطبيعة والمجتمع، واعتبر تزامن الذاكرة مع اليومي نوعاً من الفساد، حتى انه جمع بين التدميرية والصيانية من خلال الصراع بين الواقع والذات أو الصراع الاجتماعي النامي والتطوري (5). وعزا ذلك الى موقف الشاعر السياسي بوصفه ابن ريف مستلب بالاقطاع، ورجح أن تعامله السياسي كان في جوهره تدمير الاقطاع.. لكن هذا يفصح عن مغالطة في تفسير التدميرية نفسها أفرزها المنهج الذي تبناه لأنه يحتوي على عناصر صراعه الداخلي، الصراع بين الذرائعية والاجتماعية وهو الذي يرى أن الصورة الشعبية هي المعادل الموضوعي لتجربة حسب الشيخ جعفر. فصار كنخلة الله التي تحمل عبء الصاعدين وهو تعبير عن احساسه بالاضطهاد وما طرحه هو تعبير عن معاناة خاصة كما في تفسيره كما في شعر حسب بأنه صورة معبّرة عن الحاجز الاجتماعي النفسي بين عالمي الداخل/ الخارج، وهما بعدان للمكان وبعدان للريف/ المدينة/ والحاضر الماضي؛ لأن الشاعر يعاني من سطوة الخارج.. لكن الناقد يحاول الغاء الماضي حين فسره تفسيراً اجتماعياً يتفق مع رؤيته حين رأى من تسمية حسب لابنه نواس محاولة لتجاوز الماضي وتدميره، وهذا نقد انطباعي يعكس الحياة الخاصة للشاعر على شعره، وإن ذلك كان نوعاً من احلال الانوثة محل الذكورة مما يؤكد حضور النقد الانطباعي التأثيري لديه، وإنه ينطلق منه لإطلاق وجهة نظره التي تتبنى نظرية الانعكاس والتي تنظر الى العمل الأدبي بوصفه انعكاساً لواقع معين.
ولكنه لا يستقر عند هذا الحد، وانما يحاول أن يفيد من علم الاحياء والتحليل النفسي، كما فعل حينما حاول اعتماد منهج بوتك في التحليل النفسي عبر احتماد جهاز النيموغراف من دون أي دليل علمي، لأنه لم يستخدم الطريقة وانما اكتفى بذكرها وهذا تعبير عن اعتباطية التحليل النقدي لديه، واعتماده الاحكام الجاهزة أو المجانية كما انه افترض افتراضاً احصائياً لم يقم به (6) وكذلك فعل عندما ناقش مسالة خلايا الجسم المتخصصة في استيعاب الابعاد والاشكال واعتبر منهجه النقدي وهو منهج انطباعي يستند الى عقد صلة بين العلم والأدب من غير أن يفعل ذلك مما يكشف عن فرضية تلفيقية لا تستند الى عمل منهجي حاول تبريره بحجة الاجتهاد الشخصي لاعتقاده بأن عدة الناقد إذا تخلى عنها سقط في احدى القراءات، علماً بأن ما سأقوله في قراءاتي يخضع هو الآخر الى تغيير مستمر وقد يتبدل كلّه أو بعضه، فما أراه من صلاحية محكوم بالآن فقط (7).
 إن فرضية الحاضر الآن هي تتويج لاهتمامه اليومي عبر محاولة فصل الشاعر عن الماضي لقلعه من جذوره انسجاماً مع خلفيته الفكرية، لهذا لم يأت موقفه من المكان استنتاجاً أو استنباطاً وانما جاء اقرب الى الموقف المسبق حيث يقول:على الشاعر أن يفهم أن الشكل المكاني هو اللحظة الزمنية اي اللحظة التي أرى المكان فيها وقد اندمج برؤية كونية شاملة (8). ترتبط بما هو وجودي انطولوجي يحتويه منظور ماركسي، لهذا ظل يحتفي بالماضي القريب والحاضر الذي يقوده نحو المستقبل مثلما كانت الظاهراتية تتجه نحو الماضي والمستقبل لكنها لا تصبح من صلب ما ضوية الماضي، ولأن صلب مستقبلية المستقبل (9). مما يعني انها تستحضر الماضي ليذوب في الحاضر.
عرف ياسين النصير اليومي والمألوف بأنه نمط من الشعر عبر عن الواقع تعبيراً مشبعاً بما هو يوصي من المفردات والصور والصياغات (16). وفي هذا عودة لنظرية الانعكاس التي ترى أن القصيدة هي المجتمع، لارتباط الواقع بالحياة الاجتماعية وإن الواقعية تهتم بعلاقة الشعر بالواقع، وإن للغة قرينه بحركة الواقع والحياة وإنها جزء من حركة فكرية سياسية شاملة (17). مما دفعه نحو البحث عن نص شعري ذي نكهة شعبية واقعية لها جملة من الخصائص أبرزها الطابع الاجتماعي واحتواء قطاعات اوسع من الناس، وإن اللغة ذات طابع سوسيولوجي يستقي مادة من الحياة الاجتماعية، ثم راح يشيد بجماليات القصيدة اليومية كما ينسجم مع رؤيته من خـــلال الاهتمـــــــام بالمكان ويرى أن هذه القصيدة تعزل بين ما هو مألوف في الواقع وما هو مألوف في الشعر..
فالمألوف في الواقع نتاج اجتماعي عريق وراسخ وتكون عبر الممارسة الحياتية الطويلة للناس. ويرى بأن ما يجمع بين مألوف الواقع الاجتماعي ومألوف الشعر هو موقف الشاعر الايديولوجي (18). ممن بدا له أن هذه القصيدة ترفض الاقنعة لأنها واضحة وبسيطة ومستقاة من الواقع وحاول أن يختار بعض الشواهد التي تدعم وجهة نظره.. بما يدلل على أن الصورة الواقعية هي اقوى من الصورة الشعرية (19). ولم ينبه الى أن هذه الشواهد هي قليلة ودون التعبير الحقيقي عما طرحه وفيها شيء من الترهل والنزعة النثرية وهو الذي وضع جملة مآخذ عنها، منها انها لا تعترف بطبقية المجتمع أو بتعدد فئاته، لأن كل طبقة أو فئة لها مألوفها الخاص ويومياتها العامة (20). وهذا ما اخضع احكامه الى التعميم واستنباط الكلية من خلال شواهد ومواقف جزئية لذات بدت شواهد متأرجحة الماضي والحاضر، وهو الذي لا يتبنى الماضي أو التراث مما يجعل اليومي قلقاً دون جذور يتعلق بالأمكنة والسطوح الخارجية مع إلحاح على اسلوب الوصاية التي ترى أن على الشاعر أن يقتنص اللحظات المكثفة من المسار العام حتى لا تسقط القصيدة في النثرية (21).
ــ 5 ــ
كتب النصير دراسة بعنوان اليومي والمألوف من الشعر العربي المعاصر كعنوان رئيس ثم تبعه بعنوان ثانوي تطبيق للدراسة ديوان تقريظ للطبيعة لعبد الرحمن طهمازي وهي دراسة سبقت زمنياً الدراسة السابقة في النثر إلا أنها بدت من حيث التطبيق تالية لها، وهذا ما دفعني الى تناولها بعدها، ولم تتعرض لبيان مفهوم اليومي والمألوف وإنما تعرضت لموضوع الفطرة التي توصل من خلالها الى قدرة الشاعر على تحويل الشعر الى كلامي يومي متداول(22). ورأى بأن شعر تقريظ للطبيعة قائم على مفهوم البنية المزدوجة أي الايديولوجيا والبناء، فالمكان بوصفه بؤرة واقعية بنائية لا يتأتى بثقله الحاضر الى الشاعر بل الشاعر يستنهض ثقله القديم ويستحثه الى المسار معه (23). مما جعل تفسيره للنص يقوم على اساس البنى السطحية والعميقة أو القوية الرخوة وهي ثنائية طورها نحو ثنائية الغبار الماء، والأنا/ الآخر وأنا/ المكان، والشاعر المكان وهكذا هي رؤياه التي يتأمل بها القصيدة التي تجمع بين المكان كمجال سطحي، والذات كمجال عميق وبين الشعر كمنجز ابداعي والايديولوجيا كمنجز سياسي لاعتقاده بأن المكان يتكون من اجزاء أو مكونات فرعية صغيرة تستمد وجودها من القوة المهيمنة للمكان البؤرة وتوزعه اتصالاً بمن سبقها وبمن لحقها (24) ثم تتفاعل هذه البؤر الثلاث الطبيعة المكان والواقع الايديولوجيا والذات/ الشاعر لتصبح القصيدة رثاء للشاعر وقد وجد نفسه عاجزاً عن كتابة القصيدة (25). للوصول الى ما هو عميق وفكري.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية