العدد(4292) الاثنين 15/10/2018       في مثل هذا اليوم من عام 1923 صدور اول مجلة نسوية في العراق       الوالي ناظم باشا وبلدية بغداد       50 عاما على وفاة توفيق السويدي.. حياة سياسية عاصفة.. ومحاكمة طريفة.. ودار جميلة       طرائف وحقائق..محمد مهدي البصير في باريس       من تاريخ بواكير العلاقات العراقية الفرنسيةد. علي عبد الواحد صائغ       من ذكريات زكي مبارك في بغداد       كيف تأسست فرقة الانشاد العراقية سنة 1948؟       العدد (4290) الخميس 11/10/2018 (إسماعيل فهد إسماعيل 1940 - 2018)       (حبل) إسماعيل فهد إسماعيل الذي انقطع    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :36
من الضيوف : 36
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 22524038
عدد الزيارات اليوم : 1858
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


شجاعةُ ياسين النَّصير النقديّة

د. جاسم حسين الخالدي
كثيراً  ما يكيلُ النقادُ المدحَ لكتبِهم النقديّة، ولم يتنكروا لجهودِهم فيها؛ بل  إنَّ بعضهم يعدُّ كشوفاته تخوماً بعيدة، لا يصل إليها سواه، مع أنَّ  قراءتها بالنظرة الحديثة يُمكن أن تكون ممهداتٍ أوليةً لما هم عليه، إذ  تنطوي ــ في ما تنطوي عليه ــ على رؤية أوليّة تحومُ حول الأشياء من دون أن  تغوصَ إلى أعماقها.


 وهو أمر ليس عيباً ولا سُبّة يتحملُ الناقد وزرها، فهو جزء من سُنة الأشياء والتطور، إذ تبدو الأشياء صغيرة، لكنها سرعان ما تكبرُ شيئاً فشيئاً، والناقد في ذلك صنو الشاعر، فالبدايات تشير دائماً إلى السذاجة، والضعف، والنقص، فالشعراء ربما أكثر من النقاد استشعاراً بذلك، إذ نجد كثيراً منهم لا يجمعُ شعرَه إلا في أوقاتٍ متأخرة، مستبعداً كلَّ شعر البدايات، في حين تبقى كتابات النقاد الأولى التي تضمها كتبهم الأولى شاهداً على ضعف أدواتهم النقديّة ومحدودية ثقافتهم، إلا أن ذلك ليس دستوراً ثابتاً، فثمة نقاد موهوبون خارج هذا التحديد، إذ بقيت كتبهم الأولى تحكي قصة تشكل نقدياتهم، ولعل من بينهم الناقد ياسين النصير، الذي امتاز عن غيره من النقاد العراقيين والعرب، بالوقوف عند المكان، حتى كاد يُنسب إليه. فلم يعد المكان لديه ذلك المكان الذي يوظف في الرواية والقصة والمسرح أو الشعر والتشكيل؛ بل صار جزءاً من نظرته للحداثة وتحولاتها، إذ أسقط عليه النظرة الفلسفية المنزاحة عن الرؤية الأدبية، وهو ما أعطى المكان سيلاً من الدلالات والسياقات الجديدة.
إن ما أريد أن أصل إليه، هو أننا بإزاء موضوعة جديدة، من جهة، وناقد يريدُ أن يخرج من أدبيّة النصوص إلى فضاء أبعد، دفعه إلى الانفتاح على علوم متعددة من فلسفة وتأريخ وجغرافيا وعلم اجتماع وعلم نفس، من جهة أخرى، وهي محاولة جريئة، لا تخلو من عوائق، وخلل وقصور، ولاسيما محاولته الأولى، (الرواية والمكان) أو (المكان في شعر السياب)، ولكني لم أجد من بين ما قرأت أو سمعت أن ناقداً عراقياً أو عربياً، (وأنا اتحمل مسؤولية ما أقول) جلد ذاته، ووقف عند بداياته، بعين التقويم، مثل الناقد ياسين النصير، إذ وجه سهام النقد الى اشتغالاته المبكرة، بلغةٍ لا يجرؤ أيُّ ناقد على أن يوجهها إلى النصير، لما تعني محاولاته النقديّة الأولى من أهمية في النقد العراقي؛ لأنها وجهته إلى منطقة جديدة، لم يُلتفت إليها من قبل، لذلك يبقى له أجر الاجتهاد والمبادرة، لكن النصير وقف عند كتابه  (الرواية والمكان) المطبوع  في العام 1980 ليصف محاولته فيه بأنها « تعبر عن ضعف في الأداء وفي الرؤية؛ لأنَّها عايشت حواف الأنهار الفكريّة، وبنت بيتها في منطقة اجتماعيّة لم أكتشف اعماقها، وتعاملت مع نباتات روائية بكر، لم ترق إلى مستوى الرواية الفنيّة، ومع تصورات منهجية غير قادرة على الامتداد خارج أغلفة الكتب».(مدخل إلى النقد المكاني ص30).
وكلام النصير فيه من الجرأة ما يغيب عن كثيرٍ منا، بصدد تقويم أعمالنا النقدية. بادئ ذي بدء، هو ينعت عمله بضعف الأداء والرؤية، بمعنى أنّه يجرده من صفتين قارتين في أيّ عملٍ نقديِّ، ومن ثمَّ لا يخجل من أن يصف محصوله النقدي في تلك المرحلة بأنَّه"تصورات منهجية غير قادرة على الامتداد خارج أغلفة الكتب».
العبارة المتقدمة، تؤكد تواضع الناقد وعلميته في النظر إلى الأمور، وتنزع عنه صفة التعالي النقدي التي نجدها عند كثير من النقاد، كباراً كانوا أم شباباً، ولعل الناقد ورثها من قراءته العميقة للفلسفة التي أتاحها له بحثه الدؤوب عن كل ما يتعلق بالمكان واشكالياته، وفلسفته.
وإذا ما تعمقنا في قراءاتنا لمجمل كتب (النصيّر) الأخيرة فسنجد من أمثال تلك الرؤية الكثير، ولعل في عبارته الواردة في كتابه المذكور أعلاه، ما يرسخ فكرة هذه المقالة، وهي الشجاعة التي يمتلكها بإعادة النظر بما كتبه في مراحل زمنية سابقة، يمكن تسميتها بـ(البدايات)، إذ يسِم خطواته النقدية بانَّها « خطوات قد لا تفي بالغرض كاملاً، فالبحث فيها لا يزال بكراً، ولا تزال محاولاتنا مجرد خربشة عنيفة على جدرانها» ص37.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية