العدد(4292) الاثنين 15/10/2018       في مثل هذا اليوم من عام 1923 صدور اول مجلة نسوية في العراق       الوالي ناظم باشا وبلدية بغداد       50 عاما على وفاة توفيق السويدي.. حياة سياسية عاصفة.. ومحاكمة طريفة.. ودار جميلة       طرائف وحقائق..محمد مهدي البصير في باريس       من تاريخ بواكير العلاقات العراقية الفرنسيةد. علي عبد الواحد صائغ       من ذكريات زكي مبارك في بغداد       كيف تأسست فرقة الانشاد العراقية سنة 1948؟       العدد (4290) الخميس 11/10/2018 (إسماعيل فهد إسماعيل 1940 - 2018)       (حبل) إسماعيل فهد إسماعيل الذي انقطع    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :24
من الضيوف : 24
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 22524706
عدد الزيارات اليوم : 2526
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


عالم الاجتماع الهندي افيجيت باثاك: أشعرُ بالامتنان لماركس

ترجمة: المدى
مرّت في الخامس  من أيار ذكرى ولادة الفيلسوف والمفكّر العظيم كارل ماركس والى جانب العديد  من المقالات والدراسات التي نشرت في هذه المناسبة كتب عالم الاجتماع الهندي  المعروف افيجيت باثاك، وهو بروفسور في جامعة جواهر لال نهرو، عن هذه  المناسبة مقالة  عن تأثير ماركس الممتد إلى يومنا هذا:


في ذكرى ميلاد كارل ماركس كنت أسمع نداءً داخلياً. يشعرني بالحاجة للتضرع والامتنان لنبي العصر الحديث. فأن يكون المرء ماركسياً يعني ذلك اتباع مجموعة من المبادئ التوجيهية الصارمة - القبول غير المشروط لمفاهيم المادية التاريخية أو قوانين التاريخ الحتمية والتي تشدد على أن اشتداد الصراع الطبقي سينجز التحولات الاجتماعية؛ أو أن يكون رفيقاً نشطاً في جماعة سياسية يسارية وينفي كل الرؤى الأخرى للاشتراكية بكونها"طوباوية"- أنا لست ماركسياً. ورغم ذلك، فإن اسلوب تفكير ماركس العميق لا يزال يفتن دارسيه والمعجبين به من أمثالي.

فهو خبير الاقتصاد  السياسي الذي كشف عن الطابع"الغامض"الذي تكتسبه السلع في عملية التبادل  في السوق؛ وهو المنظّر السياسي الذي استكشف تشكّل الطبقات والطابع الاجتماعي للدولة وديناميات السلطة في مجتمع مزقته الصراعات؛ وهو الفيلسوف الوجودي الذي يتجادل مع هيغل وفيويرباخ، ويشير  الى فقدان الإنسان"لطبيعته البشرية"في ظل اغتراب العمل –الذي  يبدو أن ماركس اوسعه تحليلاً. وهذا هو السبب الذي جعلني أجرؤ على أن أذكره حتى في عصرنا الذي شهد سقوط جدار برلين، وانهيار الاتحاد السوفياتي وتمكّن الرأسمالية العالمية النيوليبرالية من فرض هيمنتها.
موهبة  ماركس
بادئ ذي بدء، أود أن أشير إلى مجموعة من أربع رؤى من التفكير الماركسي، والتي أعتقد أنها غيّرت طريقة رؤيتنا للعالم بشكل جذري  - وحتى معارضي ماركس لا يستطيعون إنكار هذا التأثير. أولاً، من المهم تماماً أن نتذكر نقده الأخلاقي / الروحي العميق للرأسمالية، لا أريد أن أنفي أهميته بالقول إنها مجرد افكار رومانسية كتبها"ماركس"في شبابه. وبدلاً من ذلك، أنا أدرك حدود"الفاصل المعرفي"وإيجاد تقارب غير عادي بين تأملات ماركس الهيغلي حول الاغتراب، والعمل المهيمن، وقدرة المال على تغيير كل شيء الى نقيضه، وموت كل"السعادة السماوية"في"المياه الجليدية للحسابات الأنانية"والتي عبّر عنها في مخطوطاته الاقتصادية والفلسفية والبيان الشيوعي، وما وصفه ماركس"الناضج"في كتاب رأس المال بأنها"صنمية سلعية"وهي الطريقة التي تتحول بها العلاقات الإنسانية إلى علاقات بين الأشياء والسلع.
والواقع أن الرأسمالية تحولنا إلى سلع وتدمّرنا – تدمر إمكاناتنا البشرية وإبداعنا وعلاقاتنا. وأدى ذلك إلى أن يمنحنا ماركس حلماً نبيلاً (ولكن ممكن التطبيق)، وهو تطبيق الشيوعية:"الحل الحقيقي للنزاع بين الجوهر والمظهر، بين الموضوعي، و الذاتي، بين الحرية والضرورة"، الحب ينتج الحب، و"الإنسان الكامل"يجسد  الوجود. يجب ألا تغيب عن بالنا هذه الحقيقة بحجة مجرد النظر إلى مساهماته في تحليل وقت العمل، وفائض القيمة والربح، على الرغم من اهميتها الكبيرة التي تجسدت في مؤلفه المهم مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي.
ثانياً، لقد فتح أعيننا، وجهزنا بروح الوعي النقدي - والقدرة على رؤية كيف ترتبط أفكارنا بموقعنا الاجتماعي، ومشاركتنا مع قوى وعلاقات الإنتاج، وكيف أن أيديولوجية الطبقة الحاكمة (المسيطرة على علاقات الإنتاج) غالباً ما تقدم  نفسها باعتبارها الشعور الجماعي  السائد والمهيمن، وبأنها حقيقة لا جدال فيها. ولكننا بحاجة إلى التغلب على فخ هذا الوهم الأيديولوجي - أو"الوعي الكاذب"- لنرى كيف يعمل المجتمع فعلاً: على سبيل المثال، الطريقة التي تخفي بها فكرة"المنافسة العادلة"حقيقة أنه في مجتمع مقسم إلى طبقات، وبسبب عدم العدالة في توزيع الثروة والسلطة، لا يوجد في الواقع أية منافسة تجري على قدم المساواة. هذا هو مثل إعادة تعريف الدولة. فوراء  حيادها الظاهري يكمن اهتمامها الأساس بالحفاظ على الوضع الراهن من خلال جهازها القسري وكذلك الأيديولوجي. بطريقة ما، كانت موهبة ماركس -هي القدرة على رؤية ما وراء مذهب الحقيقة"الرسمية".
ثالثاً، مكّننا ماركس من رؤية معنى جديد في الصراع. الصراع ليس مجرد انحراف، أو مشكلة في"القانون والنظام". والنزاع ليس بالضرورة سلبياً. وبدلاً من ذلك، يتجذر الصراع في عملية التشكيل الاجتماعي نفسه. إن مصالح الطبقات المتعارضة، كما يشير منطق الجدل الدياليكتيكي، تصبح القوة الدافعة لحركة التاريخ التقدمية الى الأمام. في الواقع، فمن خلال هذه المنهجية - التفاعل الجدلي المستمر للفكرة ونقيضها – يمكن دراسة حركة التاريخ. وبذلك سنفهم، كيف أدت أساليب الإنتاج الجديدة إلى ظهور الطبقة الصناعية / البرجوازية الطموحة التي تسبّبت في نهاية المطاف في هدم الإقطاع، وكيف أن نمو البرجوازية القومية في الهند الاستعمارية أشعل النضال من أجل الحرية في عموم الهند.
وأخيراً، ساعدنا ماركس في رؤية إمكانات وحدود الفاعلية البشرية، ففي العالم المادي فإن حريتنا ليست مطلقة لأننا تاريخياً ليس إلا  أفراد تحكمهم قيود البنيان الاجتماعي والاقتصادي. وقال ماركس في كتابه"الايديولوجيا الألمانية"، إن الأفكار والأخلاق والدين، ليس لها استقلالية، لأن الأفراد"يتكيفون مع ظروف الإنتاج، سواء مع ما ينتجونه أو كيفية إنتاجه". ومع ذلك، لا ينبغي لنا أن ننسى أن مادية ماركس لم تكن مثل المادية الميكانيكية لفيويرباخ. فبين الوعي والواقع تكمن الممارسة، وأنه من خلال الممارسة يمكن  لنا أن نتحكم بقدراتنا، وبدلاً من أن نكون متفرجين سلبيين على وقائع التاريخ، نسهم في التحوّل التاريخي. لم يكن ماركس مراقباً منفصلاً عن الواقع  يقوم بصياغة قوانين"حديدية"للتاريخ؛ بل كان بدلاً من ذلك، مفكراً عاطفياً، مدركاً للواقع يجعلنا على بيّنة من مسؤوليتنا التاريخية. إن الرسالة الـ 11 حول فيورباخ، تجعل هذه النقطة واضحة تماماً:"لقد فسر الفلاسفة العالم بطرق عديدة. لكن المهم هو تغييره".
لا عجب أن اسلوب التفكير الساحر لماركس هذا  استطاع  أن يلهم الناس من مختلف قطاعات الحياة - الفنانين والناشطين السياسيين والأكاديميين والفلاسفة. وحتى عندما تسود الخلافات، سيكون من الصعب الفرار منه. على سبيل المثال، على الرغم من أن عالم اجتماع مثل ماكس ويبر قام  بقراءة أكثر دقة وتطوراً لموضوعة الطبقية الاجتماعية من خلال مفاهيم 'الطبقة'، 'المكانة الاجتماعية و 'السلطة' أو بين دور الأفكار (أو الكالفينية) في صنع الرأسمالية، فإن"شبح ماركس"استمر في مطاردته. ولم تكن الفلسفة الوجودية لجان بول سارتر غير مبالية تماماً بروح الماركسية. في الواقع، فإن حديث سارتر عن"الايمان الكاذب"لم يكن مختلفاً جوهرياً عن حديث ماركس عن عذاب الإنسان المغترب. وقد احتفظ ميشيل فوكو، على الرغم من نقده لنظرية السلطة الكبرى الماركسية، بنفس الروح النقدية لماركس.
كان ماركس بالفعل نقطة تحول في التاريخ - وربما هو مؤسس المذهب العلماني الأكثر جاذبية في العصر الحديث. ومع ذلك، غاب عنه شيء عميق أدركه مفكرون من  أمثال رابندراناث طاغور والمهاتما غاندي. لقد غاب عنه  ما كان قد وصفه طاغور بأنه"دين الشاعر"- التدين المخصب جمالياً مع الشعور بالامتنان والدعاء، التدين الذي يسعى من أجل تحقيق تناغمنا مع الكون: شيء يتجاوز معايير"تحليل الطبقة". كما غاب عنه ما كان يعتبره غاندي رحلة إلى العالم الداخلي: عمل مستمر على"الذات"لتحويل السياسة إلى فعل من الحب. غابت عن ماركس هذه الموسيقى البديهية للروح بسبب تأثره بالخطاب الغربي حول العقل والمنطق.
ولكن مع ذلك، فهذه هي الحياة. علينا أن نتعلم باستمرار، ننتقد ونختلف  من اجل توسيع آفاقنا. إذا أصبحنا تجريبين بما فيه الكفاية واخترنا السير مع انسانية ماركس وشاعرية طاغور ورؤية غاندي، فمن الممكن أن تجد طريق الخروج مما يحدث في مجال السياسة والثقافة الهندية - القومية المتشددة كأيديولوجية تخفي التناقضات الاجتماعية، والعدوان المتوحش باسم التنمية، والفقر وسط الثراء المبتذل ونمو البطالة، وافساح المجال للتلاعب بمشاعر الناس وبيع السياسة كمنتج ذي"علامة تجارية".

عن: موقع ذاواير



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية