العدد(4292) الاثنين 15/10/2018       في مثل هذا اليوم من عام 1923 صدور اول مجلة نسوية في العراق       الوالي ناظم باشا وبلدية بغداد       50 عاما على وفاة توفيق السويدي.. حياة سياسية عاصفة.. ومحاكمة طريفة.. ودار جميلة       طرائف وحقائق..محمد مهدي البصير في باريس       من تاريخ بواكير العلاقات العراقية الفرنسيةد. علي عبد الواحد صائغ       من ذكريات زكي مبارك في بغداد       كيف تأسست فرقة الانشاد العراقية سنة 1948؟       العدد (4290) الخميس 11/10/2018 (إسماعيل فهد إسماعيل 1940 - 2018)       (حبل) إسماعيل فهد إسماعيل الذي انقطع    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :26
من الضيوف : 26
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 22524222
عدد الزيارات اليوم : 2042
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


لماذا كان كارل ماركس محقّاً؟

تأليف: تيري إيغلتون
الماركسية  حُلم طوباوي يتصوّر إمكانية خلق مجتمعٍ لا عناء فيه ولا آلام ولا مظالم  ولا نزاعات: ففي الشيوعية، لا وجود للتنافس وللأنانية وحب التملّك والتسابق  وعدم المساواة. ولا أحد من الأعالي ولا أحد من الأسافل. ولا أحد يعمل، بل  يعيش الناس في صفاء تامّ معاً، وسيلُ مستلزمات الحياة المادية يجري ولا  ينضب. وهذا التصوّر الساذج الذي يدعو إلى العجب إنما ينبع من إيمان أعمى  بطبيعة الإنسان الجيدة.


 أما طبيعة الإنسان الشريرة، فتبقى خارج قوس، كما يُهْمَلُ واقع الحال أننا مخلوقات أنانية وطمّاعة وعدوانية تحب التنافس، وأنه لا يمكن لأية طرائق اجتماعية، مهما كانت عميقة الأثر، تغيير شيء في هذا الواقع. ولذلك تعكس رؤية ماركس للمستقبل بهذا الشكل المفرط في التفاؤل، إجمالاً، بُعْدَ سياسته وسياسة أتباعه عن الواقع.
هل لا يزال يوجد لديكم في اليوتوبيا الماركسية حوادث سير؟ لقد اعتاد كلُّ ماركسي التأقلم مع أمثال هذا السؤال الساخر. وهو في الحقيقة يفضح جهل السائل أكثر مما يُفصح عن أوهام الماركسيّ. إذا فهمنا اليوتوبيا على أنها المجتمع الكامل، فإن (اليوتوبيا الماركسية) تناقض بحد ذاته.

في الأدبيّات الماركسية نجد العديد من الاستخدامات الأهم لكلمة (اليوتوبيا).فقد ألّف وليم موريس، وهو واحد من الثوريين الماركسيين الأكثر شهرة في إنكلترا، قصة لا تُنسى عنوانها (أنباء عن اللا مكان) حول اليوتوبيا التي فصّل فيها، بخلاف جميع الكتب التي اُلِّفت عن هذا الموضوع، كيفيّة حدوث عمليّة التحوّل السياسي. لكننا إذا انطلقنا من المعنى اليومي للكلمة، فإننا نجد أن ماركس لم يُظهر أدنى اهتمام بمستقبل خالٍ من الألم والموت والضياع والفشل والأزمات والنزاعات والمآسي، أو حتى من العمل. وهو لم يهتم في الواقع بصورة خاصة بالمستقبل، إذ من المعروف جداً أنه لم يُفصح في مؤلّفاته عن الكثير من مواصفات المجتمع الاشتراكي أو الشيوعي. ولهذا قد يستطيع منتقدوه أن يعيبوا عليه هذا الإبهام الذي لا يُغتفر، لكنهم لا يستطيعون، في الوقت ذاته، اتهامه بأنه زرع الأوهام عن المستقبل في العالم.
والرأسمالية في الواقع هي، وليست الماركسية، التي تتعاطى المستقبل على شكل بضائع تُسلَّم في مواعيد لاحقة ونُطلق عليها اسماً ذا دلالة، هو (المستقبليّات) أو Futures رفض ماركس في (العقيدة الألمانية) تصوّر أن تكون (الشيوعية مثلاً أعلى يجب على الحقيقة أن تهتدي به)، وإنما أن تكون بالأحرى (الحركة الحقيقية التي ستُلغي الوضع الراهن).
كما كان محرَّماً على اليهود سابقاً قراءة المستقبل، هكذا يصمت ماركس، اليهودي العلماني، عمّا يخبّئه لنا قادم الأيام. وكما رأينا، فلربّما اعتبر أن الاشتراكية قادمة لا محالة، لكن مما يُحيِّر العقول أنه لا يُفصح عن الكثير من تصوّراته عنها. هناك عدة أسباب لهذا التحفّظ. أولاً لأن المستقبل غير معلوم، وقد يصبح رسم تصورات عنه نوعاً من الكذب. وقد تُثير مثل هذه المحاولة الانطباع بأن المستقبل موجود في عالم ضبابيّ يجب اكتشافه. صحيح أن ماركس اعتبر أن المستقبل، من وجهة نظر معيّنة، قادم لا محالة، لكن المحال لا يعني بالضرورة الشيء المرغوب فيه. الموتُ أمر محتَّم أيضاً، ولكنه برأيي الأغلبية غيرُ مرغوبٍ فيه. قد يكون المستقبل محدَّداً مسبقاً، إلا أن هذا لا يبرّر الاعتقاد بأنه سيكون أفضل من الحاضر. والشيء المحتَّم هو أمر مزعج عادة. وهذا ما وعاه ماركس جيداً.
 وهكذا قد يكون استقراء المستقبل أمراً ليس فقط لا معنى له، بل قد يكون أحياناً هدّاماً. والادّعاء بأن الإنسان يتحكّم حتى بمستقبله قد يُشيع شعوراً كاذباً بالأمن والأمان، ولكنها ستراتيجيّة تحمينا من غوائل الزمن الحاضر بكلِّ ما فيه من نواقص ومنغِّصات. عندئذ يكون المستقبل نوعاً من أنواع التميمة، أو الحجاب أو الصنم المُعزّي الذي نتعلّق به كما يتعلّق الطفل بلعبته الصغيرة. وهو قيمة مطلقة لن تخدعنا لأنها (كشبحٍ غير موجود) محصّنة ضد عواصف التاريخ، مثلُها مثلُ حضور الأرواح.
يمكن للإنسان أن يحاول احتكار المستقبل، كي يتحكّم بالحاضر. فعرّافو زماننا الحاضر الحقيقيون ليسوا من المنبوذين البكّائين ذوي الشعور الطويلة الذين يتنبَّؤون للرأسمالية بالموت الشنيع، بل هم الخبراء الذين تُجنّدهم الشركات متعددة الجنسيّات والذين ينظرون إلى داخل أحشاء النظام ليؤكّدوا لسادته أن أرباحهم ستكون خلال العشر سنوات المقبلة مضمونة تماماً. والنبيّ هنا هو كلّ شيء ما عدا أن يكون عرافاً. والاعتقاد أن أنبياء الكتاب المقدّس حاولوا استقراء المستقبل هو اعتقاد خاطئ. هم كانوا يطمحون إلى التشنيع بالجشع والفساد في الحاضر وأن يحذّرونا بأنه لن يكون لنا مستقبل إذا ما استمررنا في نهجنا الحالي. وماركس كان بهذا المعنى نبيّاً ولم يكن عرافاً.
كان لديه سبب آخر للابتعاد عن اقتراح تصاميم للمستقبل. فهي كانت متوافرة بكثرة آنذاك. وكانت كلُّها نتاج رؤوس المتطرّفين المفرطين في المثاليّة. فتصوّر أن المستقبل يسير إلى الأمام والأفضل وباتجاه التمام والكمال ليست فكرة يساريّة، وإنما هي فكرة مشاع لدى متنوّري القرن الثامن عشر الذين لم يشتهروا بإلقاء المواعظ لصالح الاشتراكية الثورية. وقد انعكس في هذا الإيمان بالمستقبل أملُ الطبقة الوسطى الأوروبية في مرحلته الأولى التي غمرته بالنشوة. كان العقل متأهِّباً للتغلّب على الاستبداد، والعلمُ أزال الخرافات، والسلمُ أطاح بالحرب. وبالتالي، هكذا اعتقدوا، فإن كامل تاريخ الإنسانية (لم يقصد أغلب هؤلاء المفكّرين بهذه الإنسانية الحقيقية سوى أوروبا) سيُتوَّج أخيراً بالحرية والانسجام والرخاء الاقتصادي. ومن غير المحتمل أن الطبقة الوسطى البرجوازية الشهيرة كانت ستوافق على هذا الوهم المتعالي. وكما رأينا، فقد آمن ماركس بالفعل بالتقدّم والحضارة، لكنه اعتقد أيضاً أنهما، حتى ذلك التاريخ على الأقل، صنوان لا يفترقان عن البربرية والتخلّف. ومع ذلك، لا نريد القول بأن ماركس لم يتعلّم شيئاً من المفكّرين الطوباويين من أمثال فوريه وسان سيمون وروبرت أوين. وحتى عندما كان يهاجمهم أحياناً بعنف، كان لا يتوانى عن توجيه المديح إلى بعض أفكارهم المدهشة بتقدّميّتها أيضاً. (طبعاً ليس كلُّهم، فوريه الذي ندين له بمفهوم (النسويّات)، والذي حدَّد بدقة الوحدة الاجتماعية بـ 1620 شخصاً، اعتقد أن البحار ستنقلب في المستقبل إلى (ليمونادة). ماركس كان يفضل بالطبع النبيذ من نوع ريزلينغ.
وجَّه ماركس اعتراضه على آراء هؤلاء الطوباويين، خشية أن يقنعوا مؤيّديهم بقوة حججهم القائلة بأن الحياة في المجتمع ليست سوى صراع  أفكار، وليست صراع مصالح مادّية. لذلك لاقى ماركس هذا الإيمان بالحوار الثقافي بالشكّ.
فقد كان واضحاً بالنسبة له أن الأفكار التي تهم الإنسان فعلاً هي الأفكار الناتجة عن حياته اليومية، وليس عن الخطابات السياسية أو الجدال في النوادي. وإذا أردنا أن نعرف ما يؤمن به الرجال والنساء، فعلينا أن ننظر إلى ما يفعلون، وليس إلى ما يقولون.

عن كتاب : لماذا كان ماركس على حق



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية