العدد (4199) الخميس 24/05/2018 (عبد الكريم العلّاف)       مِنْ تراث عبد الكريم العلّاف..العلاف يؤرخ لمدينته بغداد              لنتذكر عبد الكريم العلّاف       لقاء مع العلّاف قبيل رحيله       عبد الكريم العلّاف.. إرث خالد من الشعر والأغاني       عبدالكريم العلّاف يصف أوضاع بغداد       عبد الكريم العلّاف (1894-1969)       العدد (4198) الاربعاء 23/05/2018 (جـيرار جـينيت 1930 - 2018)       جيرار جينيت.. موت عاشق الكلمات    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :19
من الضيوف : 19
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 20643189
عدد الزيارات اليوم : 9521
أكثر عدد زيارات كان : 33537
في تاريخ : 15 /03 /2017
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


في 15 نيسان 1917 .. المس بيل.. تبدأ حياتها البغداديّة

إعداد: رفعة عبد الرزاق محمد
رافقت  المس بيل التي عرفها العراقيون باسم الخاتون، الحملة البريطانية لاحتلال  العراق في الحرب العالمية الأولى، من خلال معرفتها الواسعة بأحوال العراق  وتأريخه وأسرار شعبه. وفي اليوم الخامس عشر من نيسان  من عام 1917 أي بعد  أقل من شهر من دخول الجيش البريطاني بغداد وإسقاط الحكم العثماني، وصلت  المس بيل بغداد


 ونزلت الى أرضها لتبدأ حياة سياسية وأثرية واجتماعية جديدة ومثيرة، وكان لها الدور الفاعل في العديد من الحوادث التأريخية الجسيمة التي شهدها العراق في الفترة من وصولها الى وفاتها في بغداد في 12 تموز 1926 ودفنها في مقبرة الأرمن في بغداد. وسنقف في هذه المقالة على بعض من سيرتها البغدادية.

سكنت المس بيل بيتاً بغدادياً مجاوراً لمقر المقيمية البريطانية في محلة السنك، يعود للسيد موسى جلبي الباجه جي، أحد اصدقائها المقربين ببغداد، وإن لم تنعم بصداقتها له إذ توفي عام 1919. وقد ذكرت في إحدى رسائلها، أنه أحد الذين تعتمد عليهم في معرفة اتجاهات الرأي العام في القضايا المختلفة كما أنها اعتمدت على خادمها الجلبي (فتوحي) في جمع المعلومات من الشوارع والأسواق.  وكانت غيرترود بيل يوم وصولها الى العراق في الثانية والخمسين من عمرها، وكانت امرأة نحيفة جداً، ولم تكن من النوع الذي يميل إليه الرجال العراقيون، وبخاصة في ذلك العهد، لنحافتها المفرطة، ولكن أثرها فيهم كان مع ذلك كبيراً بسبب شخصيتها القوية ولباقتها وحركتها الدائبة، وكانوا يخاطبونها قائلين: خاتون، حتى اصبح ذلك لقباً لها تعرف به، فإذا تحدثوا عنها قالوا: الخاتون، وكانت ألف لام التعريف تغني عن ذكر اسمها.

وكان بيتها موئل كثير من الرؤساء والأعيان، كما زارها وتناول العشاء معها الملك فيصل الأول غير مرة. وكان من أكثر رؤساء العشائر تردداً عليها: فهد الهــــذال، شيخ مشايخ عنزة، وعلي السليمان، شيخ الدليم، وحسن السهيل، شيخ بني تميم.

وكان لها اصدقاء من الوجهاء المحليين، أقربهم إلى قلبها الحاج ناجي في الجادرية، وجعفر عطيفة في الكاظمية، وفائق بك (والد المرحومين ماهر فائق وباهر فائق) في الفحامة. وكانت كلما ضاق صدرها، أو رغبت في القيام بنزهة، قصدت أحدهم في بستانه بسيارة أو زورق بخاري أو على صهوة جوادها الذي كانت تحتفظ به في اسطبل صغير في حديقة دارها. وكانت غيرترود تأنس إليهم بعيداً عن جو عملها اليومي والموضوعات التي تشغلها، وقد تردد ذكرهم كثيراً في رسائلها.

المس بيل والكرملي والشيخ الآلوسي
من حسنات إقامتها ببغداد، تأسيسها مكتبة عامة باسم (مكتبة دار السلام) وموقعها في محلة رأس القرية وكانت النواة للمكتبة العامة التي سمّيت فيما بعد باسم (المكتبة الوطنية).. ويبدو لي من كل ما سبق، أن لبيل مهمة أساسية في نشاطها هو إشرافها المباشر على كل ما يتعلق بشؤون الثقافة والفكر في العراق، ومستشارها في ذلك هو الأب انستاس ماري الكرملي، وهذه حقيقة يجب أن لا تغرب عن البال، فالرسائل (السريّة) التي تحدثنا عنها في هذا المقال تؤكد هذه الحقيقة. ولاغرو فقد اضطلعت برئاسة تحرير جريدة (العرب) التي أصدرتها السلطة المحتلة في بغداد، وصدر عددها الأول في 4/تموز/1917، وعيّن الأب الكرملي محرراً ثانياً فيها، وعلى الرغم من الخدمات الكثيرة التي أسداها الكرملي للمس بيل، فقد وصفته في إحدى رسائلها بأنه خبيث وشرير برغم لباسه الديني، وعندما صدرت مجلة (دار السلام) كرديفة لجريدة (العرب). فقد كانت المس بيل تريد أن تضم لأسرة تحريرها اكبر عدد من مشاهير رجال الفكر والأدب، ولعل من المفيد هنا أن ننشر رسالتها للعلامة السيد محمود شكري الآلوسي التي تبيّن طريقتها في المعاملة والإقناع، وهذه الرسالة تنشر لأول مرة.

إدارة الحاكم الملكي العام بالعراق
بغداد في 5 تشرين الأول 1918
إلى جناب العالم المفضال شكري افندي الآلوسي
تحية وسلاماً
وبعد.. فإني اظنكم تعلمون أن حضرة محمد الشبيبي قد استعفى من تحرير مجلة دار السلام.
ولما كنت متمسكة بوجوب ظهورها الى عالم الصحافة، فقد سألت حضرة صديق الطرفين الباتري بموافقة جناب القائممقام ويلسون أن يقوم بأمر تحريرها فقبل ذلك لما هو مجبول عليه من حب تقديم المساعدة إلينا. فأرجو من جنابكم أن تتكرموا بتقديم ما يمكنكم من المساعدة الأدبية لتهيئة المجلة المذكورة وجعلها لائقة بمدينة بغداد، وذلك بأن تبعثوا الى ادارتها بعضاً من مقالاتكم مما يساعد في إعلاء شأن المجلة التي أنا بصددها، فإن كان لكم من الوقت الكافي ما يساعد في تقديم المقالات التي تريدوها وقدمتموها كنت لجنابكم من الشاكرين للطفكم والسلام عليكم أولا وآخراً.

المس بيل تحضر عرس الجادرجي
في مذكرات الأستاذ نصير الجادرجي التي صدرت عن دار المدى (2017) أن المس بيل كانت تشاطر البغداديين مناسباتهم الاجتماعية، ومن ذلك حضورها حفلة عرس الأستاذ كامل الجادرجي، وكتبت في إحدى رسائلها الشخصية في 12 كانون الثاني 1926:
(لم أجد الوقت الكافي لكي أدقق، فقد كنت مدعوة الى حفلة عرس عند آل الجادرجي، والعشاء الساعة السادسة مساء.
تأخرت ربع ساعة، فوجدت السيدات كلهن هناك لحضور حفلة العشاء النسائية، أما الرجال ففي بيت آخر. العريس هو كامل، الأخ غير الشقيق لرؤوف الجادرجي، أدخلت العروس وكانت خجلى جداً ومرتعبة، اجلستها الى جانبي عند العشاء، فلم تنطق بشيء وكانت ترتدي بدلة العرس البيضاء (خاطتها الراهبات الفرنسيات) وعلى رأسها دواغ مزيّن بالقداح، وجلست وقد وضعت يدها في حضنها. لاعجب فالمسكينة ستتزوج تلك الليلة من رجل لم تره قط. بيد أن العشاء كان لطيفاً، مدام صبيح بيك روت تجربتها عن شتاء في برلين، مدام جادرجي حدثتنا كيف تزوجت من رفعت بيك وهي في الثالثة عشرة من العمر. وضعت طفلها الأول وهي في الرابعة عشرة، فمات فلا تستغربي رؤوف ابن ضرتها كان في الحادية عشرة، فكانا يلعبان ويتخاصمان شأن الصغار الآخرين. كان رفعت بيك يوبخهما ويربت على اكتافهما الى أن يتصالحا، عالم غريب عجيب كما حدثتك سابقاً)..

أول ترجمة لرسائلها
وكان أول من فطن إلى اهمية رسائل المس بيل في العراق هو الصحافي القدير رفائيل بطي بما أوتي من حس صحفي مرهف وثقافة عصرية ومتابعة لما ينشر في الغرب بصورة لم تتح لغيره من الصحافيين في عهده. فعني بنشر ترجمة لرسائل المس بيل في جريدته (البلاد) يومياً بصورة متسلسلة ابتداءً من عددها الأول. وعلى الرغم من أن الجريدة لم تذكر اسم المترجم، إلاّ أن رفائيل بطي أخبرني أنه كان يونس السبعاوي.
على أن بعض ما جاء في تلك الرسائل من صراحة غير مألوفة في العراق في ذلك الوقت، وما احتواه بعضها من مساس برجال الدين، أثار استياء بعض القرّاء. وبادر الشيخ باقر الشبيبي الى كتابة مقالة في جريدة (البلاد) نفسها (في عددها الصادر في 20 كانون الثاني ـ يناير 1930) حمل فيها على المس بيل ورسائلها بشدة. وكذلك انبرى شاعر شاب، كان سيقدّر له أن يكون من اكبر شعراء العراق فيما بعد، وهو محمد مهدي الجواهري، الذي نظم قصيدة موجهة إلى مس بيل، أو إلى روحها، قال فيها إنها كانت ترمي إلى التفرقة بين أهل العراق، جاء فيها:

قل للمس الموفورة العرض التي   
    لبست لحكم الناس خير لباس
لي قيلة تلقي عليك بمسمع        
    وبمحضر من زمرة السواس

إن كل سرك في العراق بأن تري  
   ناساً له مضروبة بأناس
فلك التعزي في سياستك التي  
      عادت عليك بصفقة الإفلاس
خطط وقفت لها حياتك اصبحت   
  شؤماً عليك وأنت في الارماس



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية