العدد (4181) الخميس 26/04/2018 (خليل الرفاعي)       خلیل الرفاعي.. والفن الشعبي       خليل الرفاعي.. لمحات وشهادات       خليل الرفاعي.. أخذها كوميديا في كوميديا من زقزوق إلى "أبي فارس"       الرفاعي : كان أول احتراف عام 1945 في مسرحية "وحيدة العراقية"       خليل الرفاعي.. الحضور المبدع       خليل الرفاعي حطّم العود امتثالاً لرغبة والدهِ       لقاء صحفي مع الفنان خليل الرفاعي سنة 1971       العدد (4180) الاربعاء 25/04/2018 (نوال السعداوي)       في شقة نوال السعداوي    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :27
من الضيوف : 27
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 20333308
عدد الزيارات اليوم : 3459
أكثر عدد زيارات كان : 33537
في تاريخ : 15 /03 /2017
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


نوري السعيد ونهايته في انطباعات فريا ستارك

ابتسام حمود محمد الحربي
التقت  فريا ستارك (الكاتبة والرحالة البريطانية المشهورة) بنوري السعيد بعد  مغادرتها العراق في تموز 1943، متجهة الى بريطانيا، عندما توقفت في بيروت  في أحد الفنادق، إذ كان نوري باشا، رئيس وزراء العراق (الوزارة السعيدية  السابعة 8 تشرين الأول /  19 كانون الأول 1942) يقضي فترة نقاهة بعد إصابته  بمرض الالتهاب الرئوي،


 وكان جالساً على مصطبة دائرية في حديقة جميلة يلعب لعبة الطاولة. وكما تتحدث عنه فريا ستارك، ولد نوري باشا في بغداد سنة 1888، وهو مسلم سنّي تعلم في اسطنبول، ويجيد تكلم عدّة لغات إضافة الى لغتيه العربية والكردية، فكان يجيد اللغات التركية والألمانية والفرنسية والإنكليزية، وكان أول لقاء له مع الإنكليز في البصرة عام 1914 بعد سنة من التحاقه في تأسيس جمعية العهد السرية، وكان هدفه هو الحصول على حرية العرب، هذا الهدف اصبح كنجمة القطب بالنسبة له منذ ذلك الحين.
وفي العام 1916 التحق بجيش الشريف حسين(1854-1931)، وقاد قسما من القوات المصرية الى جانب دول الوفاق ضد الأتراك، وفي العام 1921 عاد الى بغداد، وكان من المؤثرين الذين دعوا لترشيح فيصل ملكاً على العراق، وكان منذ ذلك الوقت كوزير، ورئيس وزراء، وفي آذار 1942 أراد إقحام العراق الى جانب دول الوفاق، لكن صعوبة تجهيز العراق بالمعدات العسكرية حالت دون ذلك. إن شجاعته وذكاءه وإخلاصه في الشدة والرخاء لأصدقائه، ولامبالاته لكل فخامات وابهات المكتب، جعلته رقيقاً محبوباً، اضافة لخبرته بوصفه رجل دولة متمدناً جعلت منه واحداً من قادتها المهمّين في ذلك الوقت.
مثّل العراق في كانون الثاني عام 1939 في لندن خلال المباحثات حول فلسطين، واستمعت فرياستارك الى وجهات نظره حول هذه المسألة، وكانت فكرة الوحدة العربية تشغل حيزاً كبيراً في تفكيره، وعندما سألته فريا ستارك عن عملية التوحيد فيما اذا ستحصل بشكل سريع أم تدريجي، وعن اعتقاده في قيام اتحاد اقتصادي، وهل سيؤدي ذلك الى اتحاد سياسي مع مرور الوقت، أجابها قائلاً :”إن ذلك سيكون فيه عملية التوحيد التي يجب أن لا تكون تدريجية، لأن كامل التنمية والتطور ينموان بشكل سريع، لذا فالتطور السياسي يجب أن يتبع التطور الاقتصادي في السرعة". وعندما سألته عن السياسة العربية الخارجية، أجابها قائلاً بعد برهة تفكير،”توحدت فعلاً بواسطة قوة الأحداث، وإننا نساعد الحلفاء بطريقة أو بأخرى خلال الحربين العالمتين الأولى والثانية"، كان نوري باشا من اكثر القادة العرب تفاؤلاً، اذ كان يرى الوحدة السياسية تأتي بصورة بطيئة جداً كنتيجة للعمل الناجح.
تركت فريا ستارك نوري سعيد في بيروت، ورحلت متجهة عبر بيروت وفلسطين والقاهرة الى بريطانيا بعد سنتين وثلاثة أشهر، سنوات قضتها في العالم العربي، إلاّ أن هذه الرحلة لم تكن الأخيرة، فقد زارت العراق مرة أخرى عام 1957، والتقت مرة أخرى بنوري السعيد لآخر مرة قبل مقتله بعام واحد، عدّته الرجل العظيم الوحيد في الشرق الأوسط، منذ شبابه وحياته التي كرّسها من اجل العمل لعالم عربي موحد. إنه سوف يذكر حتى من قبل شعبه عند كتابة التأريخ. وبالنسبة لفريا ستارك، كان صديقاً لأكثر من جيل، وفي آخر مرة رأته فيها سألته عن مستقبل العراق وهل سيكون آمناً؟ فأجابها”بأنه يمكن أن يكون آمناً إذا استطعنا إبقاءه هادئاً لمدة عشر سنوات، ونسمح للطبقة الوسطى أن تدخل نفسها في بنائه"، لكن هل نستطيع”ضَحَكَ وكان جسمه الضئيل والسحر الولادي لا يفارقه رغم كبر سنه”، ولو أن نوري السعيد أفاد من شعبيته الى أقصى حد، لاستطاع أن يجعل الناس تسير خلفه، ولما انتهت حياته بهذه الطريقة المأساوية البشعة.
وقد روى صديق فريا ستارك السيد بات دومفايل Pat Domvile لفريا ستارك النهاية المأساوية لنوري السعيد، إذ كان منزل بات مقابل المقبرة، وقد رأى في ضوء الغسق، بعد حظر التجوال حين لم يكن هناك أحد، بعض الرجال بعثتهم الحكومة الجديدة لمواراة جثمانه بهدوء، وفي صباح اليوم التالي قبل الفجر، استيقظ بات على أصوات الأشخاص المتجمهرين، الذين بلغ عددهم أربعين رجلاً معظمهم يعرفهم، وكانوا جميعاً على صلة برشيد علي الكيلاني والعقداء الأربعة، وقد حفروا أربعة عشر قبراً قبل العثور على جثة نوري السعيد، وهذا يعني عدم وجود تواطؤ بينهم وبين الأشخاص الذين دفنوا نوري قبل يوم، لأنهم نقبوا اكثر من قبر حتى عثروا على ضالتهم، حيث ألقوا الجثة في الطريق، وجعلوا السيارات المارة تمر وتعبر على جسده، وعاملوا الجثة المسكينة بكل وحشية لم يشهد لها العراق بتأريخه الطويل أي مثيل من حيث الإساءة.

عن رسالة (فريا ستارك وأثرها السياسي
 والاجتماعي في العراق)



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية