العدد(4277) الاثنين 24/09/2018       26 أيلول 1932..افتتاح ثانوية كلية بغداد.. أول المدارس الأهلية وأرقاها       مجلس الإعمار وجزيرة أمّ الخنازير.. ذكريات المهندس (رايت) في بغداد       سوق السراي (الوراقين) في ثلاثينيات القرن الماضي       من ذكريات بدايات الكهرباء في بغداد       مع حقي الشبلي ومسرح ثانوية الكرخ في الخمسينيات       من نوادر القضاء العراقي عالم دين كبير يدافع عن صحافي ماركسي سنة 1946       الرصافي يكتب أناشيد مدارس فلسطين سنة 1920       العدد (4275) الاربعاء 19/09/2018 (جورج جرداق)       الفتى المشاغب يهرب مجدداً    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :20
من الضيوف : 20
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 22264210
عدد الزيارات اليوم : 29270
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


طه سالم يُضيّف هاملت

 حميد البياتي
شهدته في يومه  الأخير على المسرح، رجلاً بغدادياً اسمه - طلبة -.. وعندما خرجت من المسرح  شعرت بأن طلبة ليس وحيداً. كان معنا في مقاعد المتفرجين، وكان في داخل كلٌ  منا، أنا أيضاً طلبة مثله.. والآخرون الذين شاهدوه وفهموه خرجوا وكلهم  طلبة.. ذلك أنه ليس رجلاً من بغداد فحسب، بل رجل من العالم، إنه في الواقع  هبة بغداد للعالم:


 هاملت العراقي الذي يحال أن يروض بيتاً قديماً متآكلاً، يمنع الريح من أن تهب إلاّ على جهة واحدة، ويمنع الغيمة من أن تمر لكي ينصب هاطلها على جانبيه.
هذا البيت الرطب، العفن، المسكون بالطنطل والأشباح.. طلبة يتحداه، ويهدّده بأن يهدمه حجراً على حجر، وخشبة على خشبة يطرح عليه مسألة هاملت باللهجة  البغدادية:- لو أنت.. لو آني – أن أكون أو لا أكون.
لقد استطاع طه سالم، أن يستخدم الرمز استخداماً جديداً هو أول محاولة جديدة لخلق مسرح طليعي عراقي، باللهجة البغدادية وباستخدام أسطورة شعبية لسنا ندري كيف هاجرت من  جبل الأواب ليستقر بها المطاف في الفلوكلور البغدادي. في  الميثولوجيا  اليونانية اسمها الطنطلوس، ملك لينيا، الذي غضبت عليه الآلهة،  رغم أنه ابن  كبير الآلهة زيوس، فأرسلته إلى طرطروس وحكمت عليه بأن يقف في الماء حتى ذقنه، ولكن الماء ينحسر منه حينما يريد الشرب منه. وقد عرفه اللاتين ثم الفرنسيون الذين خففوه إلى طنطل، ولكنَّ المأثورات الشعبية حوّلت مأساته إلى شيء مخيف، إلى شخص رأسه في السماء ورجليه في الأرض –ملك- طالما كان يخيفنا ونحن أطفال، عندما نمر مساء بالأزقة الصغيرة. انه هناك رجل على هذا الجدار ورجل على ذلك.. في انتظار فرائسه الصغيرة. ولكن الطنطل ليس هو البطل في مسرحية طه سالم، رغم أنها تحمل اسمه. البطل عنده هو –طلبة- هو الإنسان الذي يصمد في وجه الطنطل وفي وجه أبناء الطنطل – في الميثولوجيا اليونانية للطنطل أبناء أيضاً، يدعى الواحد منهم بيلوب، وقد كانوا كأبيهم موضع غضب الآلهة كذلك -.
وقد قيل لي قبل أن أشهد المسرحية، أن بناءها الدرامي مفكك، وإن الرمز المكثف فيها غير مفهوم بسبب من ذلك. ولكنني أمضيت الوقت في القاعة وأنا مشدود إلى أحداث المسرحية الجديدة وخرجت منها وأنا مؤمن بأنها محاولة للمسرح الطليعي جديرة بأن تقف بجدارة إلى جانب زميلاتها على مسارح الطليعة في باريس ولندن ووارشو وبراغ. أما التشنيع عليها فيأتي في الغالب من الوسط الفني الذي يمارس –القشبة– النسائية بأتفه أشكالها وعلى أوسع نطاق.
صحيح أن المسرحية تنتمي إلى مسرح اللامعقول، وهو مسرح جدّي خلافاً لما يوحى به اسمه والذين كتبوا له ما كانوا يستهدفون الضحك التهريجي. إن مسرح ايونيسكو يضحك كثيراً بما فيه من عبث ولا معقولية، ولكنه في نهاية الأمر يحملك على التفكير في اللامنطقية التي تتميز بها حقائق الأشياء ومسرح بيكيت هو الآخر مسرح عابث، بيد إنه قانط، يائس من العثور على مخرج لأزمة الإنسان في عالم التفاقمات الحادة. طه سالم، وهو ثاني كاتب يرتاد مسرح اللامعقول في العالم العربي بعد توفيق الحكيم رجل جاد هو الآخر، لكنه لا يكتفي بالسخرية وهز الكتفين كما يفعل"ايونيسكو"ولا يكتفي بأن يضع يدك على لا معقولية الحياة بطريقة انسحابية، سلبية، إن طه سالم يضع - طلبة - في مركز التحدي وينفخ فيه روح التمرد بطريقة تطغى على تصرفه تراجيدية عنيدة، إنه لا يهرب حتى وهو يرى أمه تيأس بعد أن جربت كل علاج لطرد الشيطان الأدعية والبخور، وحتى وهو يرى زوجته وهي تشيب قبل أوانها وتفقد أولادها، وتمشي على عكازتين. إنه يرفض أن يبيع الدار لكي ينتفع من بيعها وإعادة بيعها السماسرة، ويرفض أن يتخلى عنها رغم انه دفع فيها الثمن غالياً، من اطمئنان أسرته وهنائه العائلي، وحياة أولاده وعقل أمه وشباب زوجته. وهو كذلك يرفض أن يتخلى عنها حتى حين يغدو ساحة حرب باردة لرجلين يقتتلان بسيوف من خشب.
    ولا ييأس طلبة حتى وهو يرى نفسه في عالم متخشب، عالم من جذوع النخل تتكلم وتتفلسف لكنها عاجزة عن أن تفعل شيئاً، لأن التخشب أصاب أرواحها في الصميم.
كل المثبطات تحبط بطلبة، وكل الأعاجيب تحيط بطلبة، وهو وحده الذي يحمل إرادة تغيير البيت القديم العفن المتآكل، وصمود الرجل الذي يستطيع أن يتحدى العالم. ومثلما يتحدى طلبة أشباح الأساطير. والبشر المتخشب، المتفلسف، يتحدى كذالك آلية العالم القائم، والمساعي الطائشة لمكننة إنسانية الإنسان، انه يحذرنا من مكائن التفريخ البشرية أو ما ماثلها من قرابين الدم التي تذبح باسم الإنسان.
هذا هو طه سالم في شخصية طلبة.. إنه هاملت عراقي يعبّر عن عصره، يعبّر عن مأساة الإنسان المحلي والإنسان العالمي الإنسان الذي خضبته القرابين وأيقظت فيه غريزة آكل لحوم البشر.
والمخرج الشاب فهم، فيما يبدو لي، رمزية العبث في المسرحية، فاستخدم في إخراجها أسلوباً يدعو إلى الانحناء. وأحسب أن تجريده للمسرح وللشخوص المسرحية من الزمان والمكان كان عنصراً أساسياً في نجاح المسرحية. لقد ألبس شخوص المسرحية ملابس عامة، تصلح لتصويرعصرنا في كل مكان. وكان استخدامه للعربات تأكيداً على عجز الأم والزوجة.. وكل هذا جعل الإطار الدرامي منسجماً مع المحتوى الدرامي ومعبّراً عنه بل جمله جزء منه، بحيث لا يفهم بدونه.
ولست أدري كيف تذكرت هاملت، وأنا انتهي من مشاهدة المسرحية. ولا أدري أيضاً لماذا تذكرت كلمة اناتول فرانس عن هاملت، بعد أن شهده في الكوميدي فرانسز:- أنت لكل زمان ولكل مكان.. نحن متشابهان أيها الأمير هاملت أنت هو نحن، إنسان وسط الشر الشامل.. في أي شيء نحن لا نشبهك؟-.
تحية لهاملت العراقي.
جريدة  كل شيء 1965



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية