العدد (4328) الاربعاء 12/12/2018 (بول ريكور)       بول ريكور من اليتم إلى الأسر.. سيرة موجزة للفلسفة       حياة بول ريكور: يتمٌ.. وأسرٌ.. وتأويل..       بول ريكور ورحلة البحث عن المعنى عبر التأويل       درب بول ريكور "العابرة للاستعارات والمعاني"... من نقد البنيوية إلى التأويل       بول ريكور ورواية التاريخ       العدد (4325) الخميس 06/12/2018 (إالهام المدفعي)       المدفعي روحية الموروث الغنائي العراقي بأنغام معاصرة       الهام المدفعي.. نموذجا       عن المدفعي: مالي شغل بالغناء…أتحدث عن بغداد    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :36
من الضيوف : 36
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 23256265
عدد الزيارات اليوم : 2118
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


طه سالم والذاكرة الحيّة

 د.علي عبد المحسن علي
 تحدّث  الفنان القدير (طه سالم) عن مذكراته مع الصحافي المبدع خالص عزمي وقال:  كان اللقاء الأول في المتوسطة الغربية عام 1946 وكنت بالصف الأول، وخالص  عزمي في الصف الثالث،علاقتنا سطحية، كان يرتدي ملابس فاخرة مما يدل على  كونه من  ذوي الأغنياء يتمتع خالص بحسّ فكاهي وكان آنذاك مراسلاً لإحدى  الصحف...


في أحد الأيام، التقيت المرحوم الأستاذ المبدع (إبراهيم جلال)، واصل الفنان طه سالم الحديث وقال: قال لي إبراهيم جلال: الفنان خالص عزمي يطلبك لأمر ما، في بداية عام 1965 التقيت بخالص عزمي، فاخبرني بأنه يروم العمل في برنامج تلفزيوني طويل وقته ما يقارب الساعة والنصف الساعة، يتناول سيرة إحدى الشخصيات العراقية المؤثرة في الساحة العراقية آنذاك، إنه الصحافي المرحوم (إبراهيم صالح شكر)، إذ يقوم خالص عزمي بالإعداد والتقديم، وأقوم أنا بالتمثيل بإدارة المخرج (عمو زكي) والبرنامج عبارة عن مقابلة أو لقاء بين الصحافي والشخصية، تمت دراسة أبعاد الشخصية الدرامية (الطبيعي- الاجتماعي- النفسي)، كتب خالص عزمي البرنامج وكان بحدود 30 صفحة وكلها اسماء أعلام لشخصيات وزراء وأرقام لتواريخ معينة وأحداث، وتمت إجازة هذا البرنامج للتلفزيون وكان آنذاك يسجّل بفيديو بدائي لا يحوي مونتاجاً الكترونياً، فإذا توقف الممثل في إحدى الكلمات يُعاد البرنامج إلى البداية، وقد نال البرنامج إعجاب الشرائح المختلفة للجمهور لما تضمنه من حقائق وأداء مؤثر، حتى إن عائلة صالح شكر، جاءتني وعلامات الحزن بادية على وجوه الجميع، لأنهم تأثروا بأدائي للشخصية وأحس الجميع باني والدهم. واسترسل الفنان طه سالم بالقول: اتفقنا أنا وخالص عزمي على شخصية أخرى هي الشاعر الشعبي (ملة عبود الكرخي) واستمر البحث والتنقيب في الآثار الفكرية والشعبية والجذور الأصلية لهذا الشاعر الساخر الذي استخدم مفردات شعبية محيّرة بالإضافة إلى استخدامه اللهجة الخاصة بجانب الكرخ والتي تختلف بعض الشيء عن لهجة الرصافة، فضلاً عن صعوبة الحركات التي كان يقوم بها الكرخي، وأديّت الشخصية بنجاح باهر ومنقطع النظير.
تم تناول علاقة خالص بالفنان (طه سالم) لما لها من أهمية في التعرف على خالص عزمي، بدقة وحتى يتمكن الباحثون في مجال (خالص عزمي) من معرفة طبيعة الظروف السياسية في تلك الفترة بدقة. استمر حديث الفنان (طه سالم) ثالث شخصية اشتركت مع (خالص عزمي) في تقديمها للتلفزيون هي شخصية (احمد عزت الاعظمي) وهي شخصية ذات ميول اجتماعية وسياسية وفكرية. بدا الفنان (طه سالم) كأنه منقّب في التاريخ الخاص بالعراق عندما أعقب قائلاً: الشخصية الرابعة التي تم الاتفاق على تقديمها للتلفزيون هي (احمد فهمي المدرس) المعروفة بالعلم والمعرفة والأدب، والأخير هو أستاذ كلية المعلمين في بغداد. أما الزهاوي فقدّمه المرحوم (يعقوب القره غولي) بعد أن رشحته أنا لكونه من الفنانين الجيدين وهو قريب الشكل إلى شكل وهيئة الزهاوي. واصل الفنان (طه سالم) بسرد تجاربه مع (خالص عزمي) بالقول كتبت مسرحية (طنطل) وقدمتها إلى وزارة الإنشاد لغرض الحصول على الإجازة، وكان الوزير (مالك دوهان الحسن) والرقيب رفضا الإجازة المسرحية وقال الأخير عنها، إنها اخطر ما يكون إلى الدولة والى رئيس الجمهورية (عبد الرحمن عارف) لأن اسم طنطل يعني دربونة أبو الطنطل التي تحوي بيت عبد الرحمن عارف وعبد السلام عارف والفنان طه سالم يعنيهما في هذه المسرحية، وذهبت إلى صديقي (خالص عزمي) والذي كان يشغل منصب مدير عام وزارة الإرشاد، وعرضت عليه الأمر وأخذ النص بيده وذكر بأنه قرأ سابقاً المسرحية وحازت على إعجابه بما طرحته من فكر يسابق العصر آنذاك، فذهب بالنص إلى الوزير وتحاور معه وأقنعه بأن هذا النص لا يمت بصلة إلى بيت عارف ولا الطنطل الذي يحكى عنه وإنما الطنطل هنا كرمز أسطوري ليس إلاّ فأجاز النص على مسؤوليته وعرض النص على المسرح القومي القديم في كرادة مريم، فأحدث تأثيراً كبيراً في الوسط الثقافي والفني المسرحي، وكتب عنه العديد من النقّاد منهم (حميد رشيد) وصحيفة الأوبزيرفر الانكليزية، التي تناولته تحت عنوان"قائد التجديد الدرامي في العراق الفنان طه سالم"وكتب عنها كذلك (جبران خليل جبران) تحت عنوان أشكال مسرحية جديدة عن مضامين جريئة كما كتب عنها كذلك الأستاذ يوسف العاني. انتهى حديث الفنان طه سالم.

من كل ما تقدّم تمخضت النقاط الآتية:-
1- هناك سوء فهم من بعض رموز السلطة آنذاك لأهداف الفنان المسرحي النبيلة.
2- خالص عزمي فنان واعٍ ومدرك لمتطلبات وآلام وحاجات مجتمعه، لذلك فهو يتقبل وجهات نظر الفنانين الآخرين.
3- كان الفنانون الأوائل بمثابة الباحثين الحقيقيين عن الحقيقة لأن ديدنهم الصدق بالهدف ورغم عدم وجود الانترنت وغيره من الوسائل المعاصرة المتوفرة للفنانين والباحثين في الوقت الحاضر والذين معظمهم يعتمد على الانترنت والوسائل السهلة بالبحث والتنقيب، رغم عدم توافر كل ذلك عند الفنانين الأوائل، لذا كانت نتاجاتهم الأدبية والفنية والنقدية بمستوى متقدم حينذاك، لأنهم لم يعتمدوا فقط على القراءة من المصادر، بل اعتمدوا كذلك على تجاربهم العملية بجدية واندفاع، مما أدى إلى ظهور نتاجات فنية وأدبية ونقدية جيدة في ذلك الوقت.
4 - الفنان الحقيقي هو المعبر عن آلام وهموم وتطلعات شعبه وأمته في كل زمان ومكان.
5- رغم عدم اهتمام الحكومات السابقة التي حكمت العراق كحكومة عبد السلام عارف بالفن والبرامج التلفزيونية آنذاك والتقنية البدائية المستخدمة في تصوير ومونتاج البرامج التلفزيونية، فقد كان لتلك البرامج صدىً كبيراً بين الأوساط الشعبية والمثقفة، لأن الإخلاص في العمل هو المهيمن الرئيس في أعمال كهذه.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية