العدد (4181) الخميس 26/04/2018 (خليل الرفاعي)       خلیل الرفاعي.. والفن الشعبي       خليل الرفاعي.. لمحات وشهادات       خليل الرفاعي.. أخذها كوميديا في كوميديا من زقزوق إلى "أبي فارس"       الرفاعي : كان أول احتراف عام 1945 في مسرحية "وحيدة العراقية"       خليل الرفاعي.. الحضور المبدع       خليل الرفاعي حطّم العود امتثالاً لرغبة والدهِ       لقاء صحفي مع الفنان خليل الرفاعي سنة 1971       العدد (4180) الاربعاء 25/04/2018 (نوال السعداوي)       في شقة نوال السعداوي    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :28
من الضيوف : 28
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 20333314
عدد الزيارات اليوم : 3465
أكثر عدد زيارات كان : 33537
في تاريخ : 15 /03 /2017
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


طه سالم.. مسافرٌ زاده الخيالُ

علي حسين
رحل طه سالم عن  عالمنا بعد أن قضى فيه 88 سنة مليئة بالمنجزات والإبداع وهو يتحصن ضدَّ  الأوهام، مولعٌ بالحقيقة، العارفون به يقولون إنه يولد مرةً بعد مرة، وفي  كل مرة يكون طه سالم نفسه تقريباً، مسايرأ للوضع العام أو مناهضاً له،  فالأهمية إذن لم تعد في القول وإنّما في كيفية القول، أي أن المسرحية عليها  أن تنتقل من المضمون إلى الشكل. قلت لطه سالم ذات يوم وقد جمعتني به جلسات  طويلة:


 ما الذي يميّزك ككاتب مسرحي عن الآخرين؟، قال وهو يبتسم: أنا اختلف بالشكل، فكل المضامين واحدة، لكن الكاتب الجيد هو من يبتكر الشكل المسرحي الجديد والمثير والمختلف عن السائد.

كان طه سالم مأخوذاً بأهمية البحث عن أشكال مسرحية جديدة، باعتبار أن الكتابة للمسرح هي سعي جمالي لاكتشاف التجربة الإنسانية بحساسية فنية وجمالية تليق بها، ولمنح النص فرصة أن يقول شكلاً جديداً.
في تجربة طه سالم كما أرى نقلات عدة، ففي أعماله الأولى مثل "فوانيس" و"طنطل" و"قرندل»، نجد الاهتمام بالشكل المسرحي يرافق الاهتمام بمضمون النص، حيث يصبح المسرح أداة لتغيير العالم من منظور الكاتب. كان هذا حتى منتصف السبعينيات، لكنه ابتداءً من"تراب وورد جهنمي"في أوائل الثمانينيات، راح يخرج من تحت جلده شخصاً بعد آخر كلهم باسم طه سالم، لكنهم لا يشبهون بعضهم بعضاً، وفي هذه التحولات اختفى الكاتب الدعائي. كان طه سالم يتحول من المباشرة إلى التجريب في الرؤية والكشف، من الظاهر إلى الباطن، من المسرحية الواقعية إلى المسرحية التجريبية، وحتى النص ذو الفصل الواحد الذي يظهر في أشكال عدة، تخفّت من هيمنة الخطاب وتجعل الشكل دالاً واحداً من دوال المسرحية. في تحوّله الثالث، انفتح طه سالم على التجارب الحديثة في المسرح، ليحاول الاقتراب من كتابة نص مسرحي تكون الكلمة فيه جزءاً لا يتجزأ من الشكل المسرحي. وكما فعل مع إبراهيم جلال في"فوانيس»، حيث التقت مخيلتان في إبهاء نص واحد. تجربة طه في هذه المرحلة تجربة جمالية وجودية تستكشف حياة الكائن الظاهرة والباطنة، وهي تختزل كشوفه في الشكل وتكثفها بإيجاز مبدع.
إن الحشد من الكتاب عبر هذه السنوات الطويلة والذين يختفون وراء اسم واحد هو"طه سالم"يكشف لنا أن كل مسرحية من مسرحياته هي علاقة مختلفة بالعالم والناس، يخبرني متألماً:"لا أحد اهتم بالتجديد في المسرح مثلي، سعيت إلى محاكاة الجديد في المسرح العالمي وأيضاً إلى استلهام الحكاية الشعبية وتوظيفها في إطار مسرحي حديث اطرح من خلالها أفكار العصر». المسرح سلطة، هكذا أعتقد ويؤمن طه سالم، إذ تتماهى سلطة المسرح مع سلطة الواقع، ويصبح على الفنان أن يعبّر عن ذاته المتمردة بكسر الشكل وإعادة بنائه مرة بعد مرة، ليأخذ في كل مرة شكل الحياة وشكل العالم في تحوّلاته. والإبداع عند طه سالم، ثقافة مختلفة وفكر آخر وبحث في فضاءات جديدة لكتابة تفارق السائد والمسيطر، هكذا يربط طه سالم المسرح بالفكر النقدي، مفكّكاً الخطابات المسرحية التقليدية، مقدماً لنا نحن المتلقين، أفعالاً مسرحية تُحاكي الواقع، لكنها تصنع من الخيال أجنحة يطوف بها المتفرج إلى عوالم جديدة. يغيب طه سالم ونصرُّ، نحن محبيه، إلى النظر إليه وهو يخطو بثقة في عالم من الشخوص والحكايات التي أكدت لنا خلال سنوات حياته المليئة بالإبداع، أن صاحب"فوانيس"كان طوال حياته أشبه بالمسافر الذي زادهُ الخيال.. والكلمة والجمال وصدق المعنى والهدف.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية