العدد (4328) الاربعاء 12/12/2018 (بول ريكور)       بول ريكور من اليتم إلى الأسر.. سيرة موجزة للفلسفة       حياة بول ريكور: يتمٌ.. وأسرٌ.. وتأويل..       بول ريكور ورحلة البحث عن المعنى عبر التأويل       درب بول ريكور "العابرة للاستعارات والمعاني"... من نقد البنيوية إلى التأويل       بول ريكور ورواية التاريخ       العدد (4325) الخميس 06/12/2018 (إالهام المدفعي)       المدفعي روحية الموروث الغنائي العراقي بأنغام معاصرة       الهام المدفعي.. نموذجا       عن المدفعي: مالي شغل بالغناء…أتحدث عن بغداد    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :22
من الضيوف : 22
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 23255084
عدد الزيارات اليوم : 937
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


الروائي الأفغاني خالد حسيني:لاأجري بحوثاً مسبقة لأعمالي،كلّ ما أفعله هو أنّني أكتب ما سبق أن تمثّلته

  ترجمة وتقديم: لطفية الدليمي
خالد  حسيني: روائي وطبيب أفغاني الأصل يحمل الجنسية الأميركية ويقيم حالياً في  الولايات المتحدة. ولد حسيني في العاصمة الأفغانية كابول عام 1965 لأب مسلم  معتدل يعمل دبلوماسياً في وزارة العلاقات الخارجية الأفغانية وأم تعمل  مدرّسة للغة الفارسية في مدرسة ثانوية للبنات، وانتقلت عائلته عام 1970 إلى  إيران ثم عادت إلى أفغانستان عام 1973.


وفي عام 1976 انتقلت العائلة إلى باريس بعد حصول والده على وظيفة دبلوماسية في السفارة الأفغانية هناك ولم يكن بمستطاع العائلة العودة إلى أفغانستان بعد انفجار ثورة نيسان 1978 وصعود حزب الشعب الديمقراطي للسلطة، وبعد وقت قصير من الغزو السوفييتي لأفغانستان، طلبت عائلة حسيني اللجوء السياسي الى اميركا وحصلت عليه واستقرّت في مدينة سان خوسيه- بولاية كاليفورنيا - وفيها أكمل حسيني دراسته الثانوية ثم حصل بعدها على شهادة البكالوريوس في البيولوجيا عام 1988 تمهيداً لدراسة الطب الذي حصل على شهادته عام 1993 من جامعة كاليفورنيا في سان دييغو. مارس حسيني الطب على مدى عشر سنوات ونصف السنة، حتى نشر روايته الأولى (عدّاء الطيارة الورقية) عام 2003 حيث قرّر بعدها - في إثر النجاح الهائل لروايته – أن ينصرف عن مهنة الطب و يتفرغ تماماً للكتابة. نشر حسيني بعد روايته الأولى روايتين لاقتا ذات الانتشار: (ألف شمس ساطعة) عام 2007، و (وردّدت الجبال الصدى) عام 2013.
لم يعد حسيني إلى أفغانستان حتى عام 2003 وقد بلغ الثامنة والثلاثين ويعلّق على ذلك أنه"شعر كما لو كان سائحاً في وطنه الأم"، كما قال في حوار معه لاحقاً"إنه شعر بذلك الذنب الذي يجتاح الناجين بعد موت معارفهم لأنه استطاع مغادرة أفغانستان قبل الغزو السوفييتي وما تلاه من حروب مدمّرة لاحقة".
يقول حسيني في وصف أوضاع أفغانستان عندما كان صبياً:"لم أشعر يوماً أن أختي ريا Raya قد عانت من تمييز ما بسبب كونها انثى، وإن العاصمة ذاتها كانت حاضرة نامية متدفّقة بسمات كوسموبوليتية فاتنة".
تتّسم أعمال حسيني بأنّها أفغانية خالصة تتناول حيوات شخصيات أفغانية بالبحث والتدقيق في جزئيات محدّدة: ففي روايته الأولى"عداء الطيارة الورقية"يتناول الصداقة بين صبيّين من كابول تتعقّد العلاقة بينهما وتنقلب علاقة إشكالية خطيرة، وفي روايته الثانية"ألف شمس ساطعة"يتناول حياة إمرأتين أفغانيّتين مع عاشقيهما في مواجهة ثلاثين سنة من الرضوخ في ظل حكومات مضطربة، وفي روايته الثالثة"وردّدت الجبال الصدى"ثمة حكايات عديدة متداخلة في عمل واحد: إخوة ينفصلون عن بعضهم مبكّراً ثم تكون لكلً منهم قصة ومسار مختلفان عن الاخر.

- في روايتك الأخيرة (وردّدت الجبال الصدى) ترصد الكثير من تفاصيل المجتمع الافغاني كما فعلت في روايتيك الأوليّتين. كيف يمكنك التعامل مع التأريخ الأفغاني الذي لم تختبره على الصعيد الشخصي؟
•قدمت إلى الولايات المتحدة عام 1980 رغم أنني غادرت أفغانستان عام 1976 حيث مكثت مع عائلتي لأربع سنوات في باريس. المادة التي أكتب عنها تغطّي فترة الحرب الاهلية الأفغانية خلال التسعينات التي أعقبت الغزو السوفييتي وصعود حركة طالبان، وما كتبته يعتمد بالأساس على المقالات القصيرة والحكايات التي سمعتها من الأفغان المنفيين الذين غادروا أفغانستان أو من خلال معلوماتي التي استقيتها من زياراتي لأفغانستان بعد عام 2003 حيث توفّرت لي فرصة الجلوس والاستماع المباشر إلى حكايات الناس الذين حكوا لي ما الذي فعلته الميليشيات المسلّحة بالحياة في كابول بعد صعود كفّة طالبان، وكيف كانت أجواء الحياة في حقبة الاحتلال السوفييتي في الثمانينات وقد استخدمت هذه الحكايات كأساس لتوفير ما أراه خلفيةً مقنعة لرواياتي.

- كيف تقارب حكاياتك: هل تفعل مثلما يفعل الصحافي أم أنّك تسجّل ملخّصات وملاحظات لتبني في ضوئها رواياتك؟
•كلّا. لم ألجأ أبداً إلى البحث المسبّق، وكلّ ما أفعله هو انّني أكتب ما سبق لي أن تمثّلته في روحي. ذهبت عام 2003 - كمثال لما أقول – إلى أفغانستان بدافعي الذاتي المحض وأردت أن أتعرف الى ماجرى في العقود السابقة وبخاصة في جانب البعد الإنساني للحكاية التي كنت أنوي كتابتها آنذاك، وقد ظل الكثير ممّا سمعت من الحكايات في ذاكرتي ومنذ ذلك الحين و أنا كثير التردد إلى أفغانستان عن طريق عملي الرسمي مع وكالة الأمم المتحدة للاجئين، وفي جميع زياراتي تهيّأت لي فرص ثمينة للإنصات لحكايات صارت لاحقاً بمثابة العمود الفقري لرواياتي.

- عندما تشاهد - كل مرة تزور فيها أفغانستان هذا القدر الكبير من المعاناة، هل تشعر بالذنب لأنّك غادرت البلاد مبكراً؟
• لاشك في هذا، وأرى أنني كنت الشخص الأكثر حظاً القادم من البلاد الأقل حظاً في العالم وأحسب أن لديَّ ذات التجربة التي لدى إحدى شخصيات رواياتي: الطبيب وإبن عمّه اللذان يعودان إلى كابول ويتملّكهما شعور عصي على الوصف عندما تقترب الطائرة من كابول وهي ذات المدينة التي ولدت و تعلّمت فيها المشي وبواكير القراءة. بعد أن عدت الى أفغانستان عام 2003 كنت أمشي في الشوارع وأرى الناس وأتحدث معهم بلغتهم، ولكن هذا لا يمنع من أنني كنت أرى نفسي بينهم لا منتمياً outsider :  كان بإمكاني الشعور بهذا وكان الأفغان يكادون أن يشمّوا ما أشعر به بشكل مباشر، فقد كانوا يرون فيَّ كمن كسب مسابقة اليانصيب الجيني بسبب أنني ولدت في عائلة لأبوين مثقّفين قيّض لهما أن يغادرا البلاد في الوقت المناسب قبل أن تجثم عليها كوارث الاحتلال والحروب المدمّرة. هناك إحساس ما بالذنب، فربما لم يكن المرء يستحق المستقبل الجيد الذي حظي به و هذا هو الأساس والدافع في كل ما كتبت عنه.

- ربّما كان هذا هو السبب وراء اختيارك الكتابة عن موضوعات أفغانية خالصة. هل ترى في هذا نوعاً من ردّ الدين لبلدك؟
•كم كان بودّي أن أعطيك جواباً نزيهاً ودقيقاً. كان في إمكاني أن أقول لك : نعم، ولكن هذا لن يكون جواباً صادقا أبداً. أنا أكتب لأنني لا أستطيع مقاومة الرغبة في الكتابة: فقد أكون مفتوناً بحكاية أو شخصية أو حالة و ليس بوسعي أن اتركها، تمرّ وبعدها أبدأ التساؤل ما الذي سيحدث وكيف ستتطوّر الأحداث؟ وما الكشوفات التي تحققها هذه الأعمال بخصوص حياة الناس، وهذه هي بالضبط عناصر عدّتي الكتابية. يمكن للكتب أن تكون نوافذنا على العالم وأن تخدم للتقريب بين البشر رغم أنني عندما أكتب لا أفكر أبداً أن أمد جسراً على الفجوة بين العالم الغربي الذي أعيش فيه و البلاد التي قدمت منها، كما انني لا أريد أن أكون معلّماً لأحد، ولكن يحصل في العادة أن تكون هذه الأمور نواتج عرضية  byproductsلفعل الكتابة.

- يبدو أنك تبذل قدراً مفرطاً من الجهد عند كتابة أعمالك. كم من الوقت تمكث في"جحر الأرنب"عندما تنطلق في كتابة عمل ما؟
•يحصل أحياناً انني أقضي ستة أسابيع لأكتب 75 صفحة، ثم أكتشف بعدها أنها لا تصلح، فألقي بها في سلة المهملات، ثم أعود إلى نقطة البدء من جديد بعد أن أكون قد عرفت ما هو الخطأ في المحاولة الأولى، ثم أختار مسلكاً مغايراً عن الأول وأمضي في عملي.

- واحدة من أهم ميزات أعمالك هي الجرعة المفرطة من الهزّة العاطفية التي تنشأ عنها. هل تعاني ألماً ما عند كتابة أعمالك؟
•ما لم يختبر الكاتب ذات الألم الذي تعانيه شخصياته الروائية فلن يوجد  قارئ ليختبر هذا الألم عند قراءة الرواية، وأعتقد في هذا بكل صدق : فإذا لم يهتز كاتب ما وجدانياً بمواقف شخصياته فلن يهتز قارئ ما لما يحصل لهم. إذا قال لك قارئ ما لرواياتي بأنه اهتز وجدانياً لأسبوع فاعلم أنني عانيت مثلما عانى مضاعفاً مرات عديدة، لأنني في الغالب أمضي سنتين أو ثلاثاً في كتابة أي عمل من أعمالي، وكل شخصية فيها تعيش معي يوماً بيوم وتستحيل جزءاً من حياتي، ومازلت أذكر التجربة المرّة التي عانيتها عندما مات (باباBaba) في روايتي الأولى"عدّاء الطيارة الورقية".

- لو أنك مكثت في أفغانستان ولم تغادرها، هل كان بوسعك أن تنجز الأعمال التي أنجزت؟ ما الذي علّمتك الحياة في الولايات المتحدة في ما يخص الحياة في أفغانستان؟
•وجهة نظري في هذه الموضوعة هي وجهة نظر أي أفغاني منفيّ: لو أنني مكثت في أفغانستان وكانت لديّ موهبة ما في الكتابة لكتبت أعمالاً بالتأكيد، ولكنها كانت ستكون مختلفة عمّا كتبت حتماً. وجهة نظري اليوم هي وجهة نظر الماكثين في الشتات Diaspora من الذين ابتعدوا عن بلدانهم ولكنهم كانوا على الدوام موسومين بتأثيرات بلدانهم ولو على البعد وهذا ليس شيئاً خاصاً بي، فالكثير من الكتّاب كانت لديهم تجربة الكتابة عن بلدانهم من بُعد رغم أنهم غادروها ومكثوا في المنفى أكثر بكثير ممّا فعلت ولعلّهم لم يعودوا لبلدانهم أبداّ منذ أن غادروها.

- كيف أمكنك توظيف السرد الأنثوي بكفاءة مميّزة في رواياتك رغم أنك نشأت وسط مجتمع ذي نزعة هيمنة ذكورية قاسية؟
•راودني هذا السؤال كثيراً عندما شرعت في كتابة روايتي الثانية"ألف شمس ساطعة"و قرّرت منذ البدء أنه لن يكون ملائماً أن اتخيّل كيف يكون الأمر لو كنت امرأة بل الأفضل هو أن أفهم ذاتي وهو الأمر الذي سيساعدني في فهم جوهر الشخصية التي كنت أنوي الكتابة عنها: ما الذي تخافه هذه الشخصية بصرف النظر عن خلفيّتها الجندرية؟ ما الذي تريد تحقيقه؟ ما رغبتها العظمى في هذه الحياة؟. عندما أفهم كل شخصية: ماهيّتها، احتياجاتها الأساسية، مخاوفها، شغفها.. أتمكن من عرضها  بطريقة أكثر صدقاً ومقبولية رجلاً كانت أم امرأة.

- روايتك الأولى"عدّاء الطيارة الورقية"هي النافذة الأولى التي أطلّ منها الأميركيون على الحياة الأفغانية وتأريخ أفغانستان الحديث. ما الذي ترى فيه خطأً فادحاً في التصور لدى الأفغان في ما يخص الأميركان اليوم؟
•أعتقد أن من أهم الأخطاء الشائعة هي أن الأفغان ينظرون إلى الوجود الأميركي على أساس أنه احتلال، فهذا هو عكس الواقع تماماً، بل على العكس، أعتقد أن الكثير من الأفغان ينظرون بتعاطف كبير إلى وجود القوات الأميركية وقوات حلف الناتو ويرون فيهما قوة موازنة برغم بعض السلوكيات الخاطئة أحياناً نتيجة عمليات القصف الناجمة عن الغارات الليلية من جهة والافتقار إلى الحساسية الثقافية الملائمة للأوضاع الاجتماعية السائدة في المجتمع الافغاني من جهة ثانية، ولكن مع كل هذه الأخطاء يبقى ثمة فارق كبير بين طريقة تعامل الأفغان مع الاميركان وبين طريقة تعاملهم مع السوفييت من قبل، إذ ليس من مجال لعقد أية مقارنة. يقال أحياناً في الصحافة، إنّ أفغانستان قابعة في جبّ الظلمات الذي يمتد إلى القرن الثاني عشر، ولكن هذا يتناقض تماماً مع ما رأيته: أرى في أفغانستان اليوم أمة ناشئة تضم 55% من السكان الذين هم دون سن الخامسة والعشرين، وأرى التقنيات فيها - وبخاصة في ميدان الاتصالات البعيدة والتقنيات المعلوماتية - تتصاعد على نحو انفجاري، إذ يوجد ثمة 12 مليون هاتف خليوي، وأرى أجيالاً تتواصل مع العالم الحديث عبر التعليم والتكنولوجيا، وأرى صحافة حرّة أيضاً، ولا يتفق ما لمسته مع المشاهد السائدة عن بقاع نائية في كابول تنتشر فيها منازل بائسة غارقة وسط الطين وتتمشى فيها نساء ملفّعات بالبرقع.

-  أخبرنا شيئاً عن طريقتك في الكتابة؟
•عندما أنشغل في كتابة مخطوطة ما،  أوصل أطفالي أولاً إلى المدرسة في الثامنة صباحاً وأعود لممارسة بعض الرياضة ثم أجلس إلى طاولة الكتابة عند التاسعة والنصف صباحاً. أكتب في العادة على جهاز الكومبيوتر في مكتبي الصغير، وأواصل الكتابة حتى الثانية بعد الظهر، حيث يتوجّب عليّ الذهاب لجلب أطفالي من المدرسة وحينها أصير أباً بوقت كامل وحينها لا أعود أفكر بكتابة أي شيء.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية