العدد(4233) الاثنين 16/07/2018       الذكرى الستون لثورة 14 تموز 1958.. كيف انسحب العراق من حلف بغداد؟       ثورة 14 تموز 1958..من أحداث الثورة في أحاديث الراحل حسين جميل       كيف صدر دستور الجمهورية العراقية الأول؟       محمد حديد: محمد حديد: هذا رأيي في حكومة ثورة 14 تموز 1958       أوّل إنجازات ثورة 14 تموز 1958 قانون الإصلاح الزراعي.. كيف صدر؟ وكيف تأسّست أولى الجمعيات الفلاحيّة       من ذكريات ثورة 14 تموز 1958       الشاعر الجواهري وقيام ثورة 1958       العدد (4231) الخميس 12/07/2018 (نوري مصطفى بهجت..رحيل آخر رواد الفن العراقي)       نوري مصطفى بهجت متعــة الرســــم    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :21
من الضيوف : 21
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 21300892
عدد الزيارات اليوم : 1140
أكثر عدد زيارات كان : 33537
في تاريخ : 15 /03 /2017
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


"مهنة العيش" لتشيزاري بافيزي: قبل لحظات الفراغ القاتل

إبراهيم العريس
في السابع  والعشرين من آب (أغسطس) 1950، وفي غرفة بفندق يدعى «اوتيل روما» في مدينة  تورينو الإيطالية، انتحر الكاتب الإيطالي تشيزاري بافيزي بابتلاع عشرين حبة  منوّم». بالنسبة الى كثير من الذين عرفوا بافيزي في ذلك الحين وتابعوا قصة  حياته ثم حكاية انتحاره، كانت الصورة المعبـّرة عن ذلك الانتحار موجودة في  الفقرة الختامية لواحدة من اجمل رواياته «بين النساء».


 وهي رواية كان قد كتبها قبل عامين من انتحاره. وتقول الفقرة:"عند منتصف الليل عرفت بقية الحكاية. فقد مرت مومينا بالفندق على دراجتها النارية تخبرني أن روزيتا موجودة الآن في غرفتها ممدّدة فوق سريرها. بل لا تبدو عليها، حتى، سمات الموتى. كل ما في الأمر أن شفتيها منتفختان بعض الشيء، كأنهما تعبران عن اشمئزاز ما. لكن الغريب في الأمر تلك الفكرة التي كانت قد راودت روزيتا بأن تستأجر محترفاً للرسم، تنقل إليه كنبة كبيرة... ولا شيء غير كنبة كبيرة. ثم تموت، هكذا، ممدّدة فوق الكنبة... امام النافذة المطلّة على سوبرغا. غير أن قطة من القطط غدرت بها يومها، إذ كانت معها في الغرفة. إذ في صبيحة اليوم التالي لانتحارها راحت القطة تموء وتطرق على الباب من الداخل بمخالبها، حتى فتحوه لها".

"إن كثيراً، إذاً، رأوا في هذا النص نوعاً من التنبؤ بالنهاية التي اختارها بافيزي نفسه لحياته إنما بعد حين. غير أن قراءة متأنية لـ «الكتاب الأخير"الذي وضعه بافيزي، تقول لنا إن سر انتحاره موجود في هذا الكتاب، لا في تلك الرواية. فهذا الكتاب، وعنوانه «مهنة العيش»، تنتهي آخر صفحاته بالفقرة الآتية: «إن الأمر الذي كنت في سرّي أخافه دائماً أكثر من أيّ أمر آخر، يحصل دائماً. وأكتب: هيه انت... كن رحيماً... ثم ماذا؟ يكفي المرء شيء من الشجاعة. إذ كلما بدا الألم محدداً وواضحاً، حدث لغريزة الحياة أن هزمت... وهبطت فكرة الانتحار من شاهق. حين كنت أفكر في الأمر، كان يبدو لي غاية في السهولة. ومع هذا ثمة نساء شابات بائسات فعلنها... والحقيقة أن المرء لكي يقوم بهذا، يحتاج الى تواضع، لا الى كبرياء. وهذا كله يثير قرفي في نهاية الأمر. إذاً لتتوقف الكلمات. ولتكن هناك حركة واحدة. لن اكتب بعد الآن شيئاً".
هذه العبارات خطّها قلم تشيزاري بافيزي في الصفحة الأخيرة لـ «مهنة العيش» قبل تسعة أيام من انتحاره. وهو بالفعل لم يكتب حرفاً من بعدها. وأما هذا الكتاب، وعنوانه «مهنة العيش»، فإنه صدر، طبعاً، بعد موته، ليفسر كل شيء: حياة بافيزي، انتحاره، نصوصه، نضالاته السياسية وخيباته المريرة، أحلامه، وعلاقاته. ذلك أن هذا الكتاب هو كتاب يومياته الذي كان قد شرع في تدوينها، بصورة يومية، منذ العام 1935، أي قبل 15 عاماً من رحيله المبكر، هو الذي انتحر وكان بعد في الثانية والأربعين من عمره. والغريب في الأمر أن العام الذي بدأ بافيزي بتدوين يومياته، كان هو العام الذي نشر فيه أول اعماله، وهو عبارة عن مجموعة شعرية عنوانها «العمل الشاق»... وفيما كان بافيزي يوم اصدار هذه المجموعة يتوقع أن يطرق أحد على باب بيته ليقول له كم إنه معجبٌ بالمجموعة... طرق الباب حقاً، ولكن بأيدي رجال الشرطة الفاشيين الذين أتوا ليعتقلوه واضعينه في الإقامة الجبرية.
إذاً، وسط هذين الحدثين، صدور الكتاب الأول والوضع القسري في الإقامة الجبرية، بدأت حياة بافيزي الشاقة، كما بدأ تعرّف الحلقات الضيّقة، ثم حلقات اوسع من القرّاء على عمله الأدبي، الذي تواصل خمسة عشر عاماً أخرى، حفلت بالشعر والقصة والرواية، ناهيك بالترجمات التي حققها الرجل لأعمال بعض كبار الكتاب الأنغلو - ساكسونيين. خلال تلك الفترة كانت حياة بافيزي، عملاً صاخباً لا يهدأ. وهو - مثل كل الأدباء الإيطاليين من ابناء جيله - طعّم ذلك العمل، بانتماء سياسي، غاضب وناقد في معظم الأحيان، الى الحزب الشيوعي الإيطالي، الذي كان في تلك الأوقات المبكرة يضم معظم المثقفين الإيطاليين. وإذا كان أدب بافيزي كله، عبّر في شكل جيّد عن تلك الحياة التي عاشها، فإن قلة فقط من قارئي رواياته وأشعاره، كان يمكنها أن تخمّن أن نهايته ستكون على النحو الذي كانته. وذلك بالتحديد، لأن أحداً لم يكن قد قيّض له، أن يقرأ «مهنة العيش». أما من قرأها بعد انتحار الرجل فإنه فهم كل شيء. ذلك أن تلك المذكرات اليومية إنما كانت عبارة عن صفحات حافلة بالمرارة والخيبة. وحسبنا للتيقن من هذا، أن نفتح اية صفحة وفي شكل عشوائي لنجد عبارات مثل:"هذه هي المرة الأولى التي ارسم فيها جردة لسنة من حياتي لم تنتهِ بعد. إذاً، انا في مهنتي ملك... يمكنني أن افعل ما أشاء. وأنا بالفعل، فعلت ما أشاء خلال عشرة أعوام. ولعل هذا الاستنتاج من شأنه ان يرضيني اذا ما قارنته بضروب التردد التي كانت تجتاحني في الماضي. ومع هذا، فإنني في حياتي اكثر يأساً وأكثر ضياعاً مما كنت في اية لحظة من الماضي. أشعر الآن بأن ليس لديّ، فوق هذه الأرض، ما قد أرغب في فعله أو الحصول عليه، سوى ذلك الشيء الذي تمكنت خمسة عشر عاماً من الفشل أن تبعده بعيداً منّي. إذاً، هاكم هنا جردة حساب هذه السنة التي لم تنته بعد... والتي اعرف انني لن انهيها ابداً".
هنا علينا أن ندرك أيضاً، أن خيبات بافيزي السياسية، وهي إطار خلافاته العميقة مع حزبه الشيوعي، زادت من كآبتهِ كآبة. وهي تطغى على بعض اكثر صفحات يومياته مرارة. ناهيك عن أن سنوات الحرب العالمية الثانية، تبدّت بالنسبة إليه سنوات لا تنتهي. وهو لئن كان توجه في عام 1943، الى الريف لكي يعيش حياة جديدة، كما نفهم من «مهنة العيش»، كانت كل تأملاته الريفية مفعمة بالكآبة. صحيح انه ما أن انتهت الحرب حتى راح يتنقل بين المدن... من أجل العثور على بعض العزاء و"الاختلاط بالناس في الشوارع وفي الباصات"كما يقول، عاداً أن «العمل والمدن والحزب» قد تكون معاً طريقاً الى الخلاص، «لكن الخلاص لم يأتِ ابداً» كذلك لم يأته - وكما يخبرنا في صفحات أخرى - من طريق شغفه بالدراسات الإتنولوجية التي انصرف إليها. ومن هنا راحت ضروب الكآبة تتراكم في اليوميات، صفحة بعد صفحة: سكون الريف ووحشته، كآبة الضواحي، بؤس عالم العمال والفلاحين، تفاهة بورجوازيي المدن. إن هذا كلّه لم يورثه في نهاية الأمر سوى الوحشة والكآبة. طبعاً، يعرف قرّاء بافيزي، من الذين قرأوا خلال تلك السنوات كتاباته المتنوعة من «الأرض والموت» (وهي قصيدة ستشكّل جزءاً من مجموعته التالية «سيأتي الموت وينال عينيك») الى «حوارات مع لوتو» و «الرفيق"الى «الصيف الجميل"و «قبل صياح الديك» ثم «السجن» و «الشيطان عند التلال»، يعرف هؤلاء القرّاء أن معظم صفحات هذه الأعمال متشحٌ بالسواد والحزن وبالأسئلة القلقة حول مغزى حياة «لا مغزى لها». لكن هؤلاء القراء، وفي شكل ملتوٍ، كانوا يدركون أن مجرد الكتابة على مثل هذه الغزارة، هو بحث عن أمل. اما الذين قرأوا «مهنة العيش» لاحقاً فإنهم ادركوا أن تشيزاري بافيزي، كان قد كفّ عن توقع أي أمل منذ زمن بعيد، وأنه إذا كان شغل حياته بالكتابة طوال سنوات وسنوات، فما هذا إلاّ لأنه كان يدبّر موته.
ولد تشيزاري بافيزي العام 1908، لأسرة موسرة في بلدة بمقاطعة بيامونتي الشمالية في ايطاليا. ويبدو أن قسوة أمه أثّرت فيه طوال حياته. إذ إنها أودعته وحدة قاسية كانت هي ما، وجهه نحو القراءة ثم الكتابة. وهو تأثر باكراً في الأميركيين مثل والت ويتمان وملفيل. وحين تخرج من الجامعة عمل في تدريس الأدب الإيطالي واللغة اللاتينية، ليبدأ الكتابة والنشر والترجمة، اواسط سنوات الثلاثين، جاعلاً منها مشاغله الاساسية طوال العقد ونصف العقد اللذين بقيا له من حياته، ومن «مهنة العيش» التي تقاعد منها أخيراً بالانتحار.

عن صحيفة الحياة اللندنية



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية