العدد(4277) الاثنين 24/09/2018       26 أيلول 1932..افتتاح ثانوية كلية بغداد.. أول المدارس الأهلية وأرقاها       مجلس الإعمار وجزيرة أمّ الخنازير.. ذكريات المهندس (رايت) في بغداد       سوق السراي (الوراقين) في ثلاثينيات القرن الماضي       من ذكريات بدايات الكهرباء في بغداد       مع حقي الشبلي ومسرح ثانوية الكرخ في الخمسينيات       من نوادر القضاء العراقي عالم دين كبير يدافع عن صحافي ماركسي سنة 1946       الرصافي يكتب أناشيد مدارس فلسطين سنة 1920       العدد (4275) الاربعاء 19/09/2018 (جورج جرداق)       الفتى المشاغب يهرب مجدداً    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :19
من الضيوف : 19
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 22265982
عدد الزيارات اليوم : 1658
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


طبيعة مدينة بغداد أواخر العهد العثـمــانــي

 د. كمال رشيد خماس العكيلي
مركز إحياء التراث العلمي العربي / جامعة بغداد
تقع  مدينة بغداد في الإقليم الرابع، وهو الإقليم الأوسط الذي يعتدل فيهِ  الهواء في جميع الأزمان والفصول، ومعدل سقوط الأمطار فيها”ست بوصات”وتهطل  في العادة خلال”26”يوماً، تقع بين شهري تشرين الثاني وآيار، ومناخها  انتقالي بين مناخ البحر الأبيض المتوسط والمناخ الصحراوي الحار، والحرارة  متفاوتة درجاتها تفاوتاً كبيراً بين الصيف والشتاء.


إن موقع المدينة على نهر دجلة، وقربها عن نهر الفرات في الوقت نفسه، فتُسمّى خصر الرافدين حيثُ يقترب كلا النهرين من بعضهما إلى نحو (32)كم، مما يجعل عبورهما سهلاً(3). وهذا قد يفسّر إمكانية الاستفادة من مياه النهرين معاً عند الضرورة. 
وهنالك جملة من اللغات يتحدث بها الناس، هي العربية ونظراً لوجود بعض الجاليات غير العربية، فقد شاعت في لغة السكان، مفردات تركيّة وفارسيّة.
وقد تأثر الرحّالة الأجانب بالحرية النادرة التي يتمتع بها غير المسلمين، والتسامح السائد بينهم،(6). فطبقة الموظفين لم تخل من الأتراك، بينما التجّار كانوا أوّلاً من العرب، وهنالك بعض الكرد والهنود والفرس.
وفي ما يخص طبائع السكان، فقد أشار إليها كثير من الرحّالة الأجانب الذين زاروا المدينة في القرون الماضية. فهذا (روسو) وهو المقيم الفرنسي في بغداد للفترة 1759ـ 1801م، قد وضع كتاباً عن بغداد سماهُ (وصف باشوية بغداد) يصف سكان بغداد بأنهم أبعد مايكونون عن العبيد الأخساء، فإنهم فخورون يتصفون بالجسارة، أما عن صفاتهم الاجتماعية، فإنهم دائماً مؤدبون عُقلاء كُرماء محسنون إلى الأجانب.
فيما يذهب السائح الفرنسي أوليفيه، إلى أن سكان بغداد أكثر حُلماً في طباعهم من سائر سكان المدن الأخرى، فتعصبهم الديني لايخلو من تسامح.
ولو دققنا في المناظر القائمة داخل المدينة في القرن التاسع عشر، لوجدناها لاتثير الاهتمام بالشكل الذي يتوقعهُ المرء من الشهرة التي نعمت بها بغداد كعاصمة لامبراطورية لها غناها وأهميتها، ذلك أن مساحات واسعة من الأرض ضمن الأسوار، لاتوجد فيها أبنية ولاسيَّما الجانب الشمالي الشرقي منها.
          
   1
وهنالك سورٌ حول الجانب الشرقي لبغداد مُشيّد كلهُ بالآجر، يُمثّل أحد المعالم المهمة في المدينة، ولأنهُ على جانب كبير من الأهمية. ولهُ أربعة أبواب هي: ـ
1ـ باب السلطان : ويُعرف حالياً بباب المعظم
2ـ باب الظفرية : ويُعرف حالياً بالباب الوسطاني                                       
3ـ باب الحلبة : ويسمّى بباب الطلسم
4ـ باب البصلية : ويُعرف حالياً بالباب الشرقي
ويُحيط بهذا السور كلهُ خندق لا ماء فيهِ، ذو عُمق ظاهر ولايوجد في هذا الخندق أيّ بناء. في القرن التاسع عشر كان العراق مُقسّماً إلى ثلاث ولايات، هي بغداد والموصل والبصرة، وكانت تشكيلات ولاية بغداد الإدارية في العهد العثماني عبارة عن الوالي، ويساعدهُ مجلس يجري تعيينهُ وعزلهُ من قبل السلطان العثماني في الأستانة، والذي كان عليهِ أن يتعهد بدفع مبلغ مُعين لخزينة السلطان في كل عام، ذلك المبلغ الذي يُمثل ضرائب ولايتهِ. وكان هؤلاء الولاة (الباشوات) يؤلفون مجموعة متنافرة يختلف أفرادها اختلافاً بيّناً في سوياتهم ومداركهم وفي عاداتهم وأحوالهم، بحيث نستطيع أن نجمع مجموعة طريفة من أحوالهم الشاذة وأطوارهم الغريبة.
وبسبب استبداد هؤلاء الولاة، فقد أصيبت بغداد بأنواع المصائب والأهوال، الذين لم يكن ديدنهم غير جمع الأموال وفرض الضرائب، ومما زاد في المصائب تفشي الاضطراب في الدولة العثمانية من جهة، وعدم وجود قانون خاص بالبلاد يسير عليهِ الولاة من جهة أخرى، مما أدّى إلى أن تُحكم البلاد بما يشتهيه الولاةُ دون خشية من رقيب أو رادع، وهكذا كانت بغداد في حالة سيئة لاتستقر على قاعدة واحدة بل تتغير بتغيّر الولاة. (والسراي) أو قصر الباشا، يتألف من بناية واسعة وليست كبيرة تقع في الحي الشمالي الغربي من المدينة قرب نهر دجلة، وتضم في داخلها معظم الدوائر العامّة، وهي بناية عصرية نسبياً، وفي المدينة عددٌ من القنصليات الأجنبية لكل من إنكلترا وفرنسا وروسيا والنمسا وإيران،  ويذكر أن أقدم قنصلية أجنبية في بغداد هي الفرنسية، حيثُ تأسّست عام 1796 م تلتها البريطانية عام 1798م.
وعن مكانة القنصل البريطاني في بغداد وقوة تأثيره في أمور الولاية، يشير (فريدريك روزن) قنصل ألمانيا في بغداد عام 1898م في مذكراتهِ بقولهِ”إن القنصل العام أو المقيم البريطاني الكرنل لوخ، يتمتع بمكانة تفوق كثيراً مكانة القناصل الآخرين". بل أكثر من ذلك، إن قنصلاً بريطانياً يُمكن إعتبارهِ أقوى رجل في بغداد، والذي لهُ أكثر النفوذ في الولاية بعد الوالي ويُعتبر رأيه في قصر الوالي (الباشا) من الأهمية والتأثير أقوى حتّى من رأي ديوانهِ.

   2  
ومن الملاحظ إن بغداد شهدت صروفاً عدّة من أحداث الزمان وعانت الويلات والنكبات عبر تأريخها، فقد قضى الطاعون والغرق والمجاعة بأبشع أشكالها على الكثير من السكان، وقوّض أسوار هذه المدينة وعمرانها. إضافةً إلى الحرائق التي كانت تحدث كثيراً.                                       وغمرها الفيضان الخطر عدّة مرات. فقد اعتاد نهر دجلة أن يطغي بحيث تصبح بغداد شبه جزيرة تحيط بها مياه الفيضان، وبذلك تنتشر الأوبئة وتكثر الحشرات ويسوء المناخ. لذا فليس بغريب أن يبقى بعد ذلك كلّهِ من المدينة الأصلية إلاّ القليل، وإنما الغريب أن يبقى منها شيءٌ.
وإلى جانب هذه الكوارث الطبيعية، لم تكن المدينة تتمتع بالهدوء والطمأنينة، فقد كانت السرقات وحالات القتل دائمة الحدوث فيها، حيثُ المجرمين وقطاع الطرق يلقون الرعب في قلوب سكانها، والغريب إن الجُناة بصورة عامّة، لاتطلهم يد العدالة. لذلك نرى قنصل فرنسا في بغداد عام 1890م في إحدى رسائلهِ يقول”إن طاعوناً من السرقات والاغتيالات قد تفشّى،  ففي كل ليلة تقريباً، يسطو اللصوص على بعض المنازل ويجردونها من متاعها، وكذلك تغتال قطعان من الشُقاة بعض الأفراد". ويضيف”أن التسيّب في بغداد قد بلغ الأوج، فالسرقات متصلة ولم يصدر أيّ حكم جدّي في أيّ من هذه الجرائم، فإن الحُكام يبيعون أحكامَ تخليص المجرمين للمجرمين!". وبالتالي يصف قنصل فرنسا الإقامة في بغداد”بأنها تزداد صعوبة ومشقة من جراء المناخ وانتشار الأوبئة". 
وبشأن التعليم الذي لم يكن أحسن حالاً من المرافق الأخرى، إذا لم يكن أسوأ منها في العهد العثماني، لذا تفشّت الأميّة بشكل كبير، ففي نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، كانت نسبة المتعلمين في العراق لاتزيد على (5ر0%). 
إزاء هذا الوضع، اقتصر التعليم بصورة عامّة في مدينة بغداد على الكتاتيب، ويرى (هنري فوستر) بأن مدارس الملالي أي (الكتاتيب) لاتدرّس شيئاً أكثر من القرآن، والحقيقة إن الكتاتيب كانت تعلّم اللغة العربية والخط العربي ومبادئ الحساب إلى جانب تعليم القرآن الكريم وتلاوتهِ، ويبدو إن التعليم في الكتاتيب، كان كمنزلة المدارس الأبتدائية في عصرنا... خاصةً وأن الثقافة العامّة هي ثقافة كتابية محضة. وبسبب صدود الإدارة العثمانية في نشر الثقافة والعلم وإقامة المدارس، وتخلّف القائمين على إدارة المعارف وشؤونها في بغداد، لذلك نرى الشاعر معروف الرصافي في عام 1909م يتهجم بقصيدة على مدير معارف بغداد ويُدعى (حسن رفيق بك) يقول فيها: ـ  
 معارف بغداد قد جاءها                    
 مدير من الطيش في مسرح
 حمار ولكنهُ ناطــــق                        
 صبي ولكنـــــهُ ملتح
 فيا أيها العلم عنها إرتحل                     
 ويا أيها الجهل فيه أسلح 

    3
بينما كان التعليم الغربي منتشراً بين الأقليات الدينية كاليهود والمسيحيين. يُمثّل مستوىً عالياً من التعليم، تساندها في ذلك بعثات التبشير التي كانت تخدمها. وكانت تمثلهُ المدرسة  اليهودية الفرنسية المعروفة باسم رابطة (الأليانس) التي أسّست في عام 1864م.
وقد أحاطت الأسوار بالضفتين في أكثر عصورها نظراً لوجود ضرورة الدفاع، وقد أحاطت الخنادق بالأسوار لغرض الدفاع أولاً، وبزل المياه الجوفية من المدينة ثانياً. ولم تكن هناك ضرورة للشوارع المتميّزة المستقيمة، وبالتالي قلما نجد شارعاً مستقيماً تقريباً في بغداد.
ويروي محمود صبحي الدفتري، أن المدينة كانت عبارة عن مجموعة أزقة ودرابين ضيّقة تجتمع في أحياء مختلفة، بحيث يكون كل حي وحدة مستقلة تضم في الغالب المسجد والحمّام والسوق والمقهى والمختار، فضلاً عن وجود أصناف مختلفة من أهل الحرف، تستيقظ فجر كل يوم على أصوات المؤذنين الذين يدعون أهل بغداد إلى الصلاة، أو على أصوات الباعة المتجولين، فتدبُ الحياة مع الفجر، وينصرف الناس إلى أعمالهم، فكانت الأزقة على ضيقها تعجّ بهذه الأصناف وتزدحم بهم. وهذه الأزقة الضيّقة الملتوية، فإنها تشكّل الممر الوحيد لمرور الحمير أو الحمّالين الذين يحملون الأحمال على ظهورهم.
ولعلَّ ضيق الطرق والتوائها يعطي المدينة صفة دفاعية وذلك لعدم الأمن، فيساعد على صد الغارات وحصر الأعداء في أوقات الأزمات، كما إن من شأن الطرق الضيّقة أن تحمي السكان من أشعة الشمس المحرقة التي يتصف بها مناخ بغداد خلال أشهر الصيف، وكذلك البرد في الشتاء، إضافة إلى عدم وجود تنظيم في البلديات.
وعن أحوال المدينة وضيق طرقها وأسواقها نرى (وليم بيري فوك) وهو أوّل سائح أميركي يزور العراق عام 1874م يقول”رفضتُ ركوب فرس عُرضت عليّ لأن الشوارع الضيّقة والأسواق يسير فيها الماشي براحة أكثر، وأن كان الركوب يزيد في وجاهته، وسرتُ على قدمي مواصلاً إلى السراي أو القصر". وبصورة عامّة كانت المحال في بغداد حلزونية الشكل أو ذات امتداد تنتهي أو تتصل، باستثناء محلة”خان لاوند”التي تقع في جانب الرصافة قرب محلة الفضل، شُيّدت على هيئة بلوكات مستقيمة بلا تعرجات أو زوايا، أنشأها الشيخ عبد الوهاب النائب، والظاهر إن الذي أشرف على طرازها وتخطيطها مهندسون وليسوا معماريين.  وكانت محال بغداد موحّدة ويترأس كل محلة وجيهٌ من أعيان وأعلام المدينة، فمحلة الفضل مثلاً، يترأسها الشيخ عبد الوهاب النائب، ومحلة الميدان محمد فاضل الداغستاني، ومحلة الحيدر خانة الشيخ داود النقشبندي، فيما محلة قنبرعلي آل جميل، ومحلة القُشل آل كبة وآل النقيب على محلة باب الشيخ، ومحلة رأس القرية آل الباججي في حين جانب الكرخ من بغداد يترأسهُ آل السويدي.

   4
وفي مجال الخدمات العامّة، فعلى الرغم من وقوع بغداد على نهر دجلة وانتشار الآبار في معظم البيوت، اعتمد السكان على تأمين حاجياتهم من الماء، بكونهِ المادة الأساسية التي لايمكن الاستغناء عنها، على السُقاة الذين كانوا ينقلون الماء من الشرايع المنتشرة على ضفتي النهر، بواسطة القرب الجلدية، أما على ظهورهم أو على ظهور الحيوانات.    في حين اقتصر استخدامهم لمياه الآبار في غسل الآواني والحاجيات الأخرى، حيثُ كانت الآبار منتشرةً بشكل كبير في بيوت بغداد. فقد قدّرها الرحالة التركي (أوليا جلبي) عند زيارتهِ للمدينة في متصف القرن السابع عشر الميلادي بـ (6) آلاف بئر.
ولقد أعتاد كثير من الموسرين إقامة (سقا خانة ـ أو سبيل خانة) إحياءً لذكرى عزيز راحل، منها سبيل خانة النقيب في محلة السنك، وسبيل خانة المنطكة بين الكاظمية وسوق الجديد بالكرخ. وبخصوص الإنارة لطرقات المحلات، كانت تتألف في أحسن الأحوال من استعمال فوانيس قليلة توقد بالزيت.
لم تكن بغداد إلاّ مدينة صغيرة على جانبي نهر دجلة، فكان الناس ينتقلون فيها مشياً على الأقدام أو على ظهور الخيل، وبالتالي كانت الحيوانات هي وسيلة النقل البرية السائدة. فكان معظم الموسرين من المشاهير والأغنياء ورجال العلم في بغداد، يعتنون بتربية الخيول لركوبها في تنقلاتهم وقضاء الأعمال، ومنهم من يركب الحمير (البيضاء الحساوية) مثل شاعر العراق جميل صدقي الزهاوي، والثري اليهودي المعروف مير ألياس. وكان يتم العبور بين جانبي بغداد بواسطة الزوارق ـ يسمّيها أهل بغداد البلام ـ والقفف.
إضافةً إلى وجود الجسور العائمة، الأول قديم جداً في وسط بغداد ـ محل جسر الشهداء حالياً ـ بينما الثاني يقع بالقرب من بلدة الأعظمية وهما مصنوعان من الخشب والقير وسلاسل الحديد، والعبور عليها يخضع لرسم المرور وهذا يعطي (باللزمة) كل سنة عن طريق المزايدة. ومن وسائل النقل المحلية، الأكلاك المصنوعة من أعمدة خشبية وجلود لنقل مختلف الحمولات وبخاصة المود الغذائية من الموصل إلى بغداد، حيثُ ترسو هذه الأكلاك في شريعة النواب بجانب الكرخ أو في شريعة الأعظمية. وكان السفر بين بغداد والبصرة وبقية المدن القائمة على ضفتي نهر دجلة، يجري بواسطة بواخر شركات نهرية تجارية أجنبية هما شركة (أسطيفان لنج) وشركة (بلوكي وشركاه) وكلتا الشركتين هما بريطانيتان ومقرهما مدينة (لندن) وكذلك البضائع الواردة من الهند والصادرة إلى خارج العراق.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية