العدد (4214) الخميس 14/06/2018 (خديجة الحديثي)       خديجة الحديثي واعادة تقديم سيبويه       أحمد مطلوب في كتابه رفيقة عمري.. ردّ الجميل إلى حواء       الدكتورة خديجة الحديثي ومصطلح المدارس النحوية       من آراء الدكتورة الحديثي النحوية       خديجة الحديثي.. والانتصار على التهجّي النحوي       الأستاذة الدكتورة خديجة الحديثي عالمة النحو في العراق       الدكتورة خديجة الحديثي.. الجانب الآخر       العدد (4213) الاربعاء 13/06/2018 (جَيْ دي سالنجر)       زيارة لنيويورك والبحث عن الحارس في حقل الشوفان    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :14
من الضيوف : 14
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 20911998
عدد الزيارات اليوم : 6130
أكثر عدد زيارات كان : 33537
في تاريخ : 15 /03 /2017
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


في ذكرى دخول الإنكليز إلى بغداد في 11 آذار 1917 .. هكذا بدأ الاحتلال البريطاني..

محمد إبراهيم محمد
بعد  الاحتلال البريطاني لجنوب العراق 1914 ــ 1917، بدأت الاستعدادات العسكرية  البريطانية لاحتلال مدينة بغداد، واستؤنفت العمليات الحربية في جبهة العراق  بقيادة الجنرال (سير ستانلي مود) وبدأ الزحف البريطاني باتجاه بغداد، ففي  هذه المرحلة كان العثمانيون الأتراك يتراجعون بسرعة أمام القوات  البريطانية، وكان من الصعب أن يصمدوا للدفاع عن بغداد مع استعداداتهم وضعف  جنودهم،


وإن القائد (خليل باشا) الذي كان واثقاً من نفسه ومن استطاعته إيقاف البريطانيين في الكوت، أصبح يفكّر في ترك بغداد، ولكن القائد (أنور باشا) رفض الموافقة على الانسحاب من بغداد، وأمره بالصمود والدفاع عنها مهما كلّف الأمر. والمعروف أن الضبّاط والجنود العثمانيين مشهورون بعنادهم وبثباتهم، في 1917 أن يعبروا نهر ديالى ولكنَّ الضفة الثانية كانت عامرةً بالبيوت والبساتين، وكان خير عون للأتراك على التحصين فيها، ولما جرب البريطانيون عبور النهر، أصلاهم الأتراك ناراً حامية وكبّدوهم خسائر فادحة جداً، ولكنَّ البريطانيين تمكّنوا أخيراً من عبور نهر ديالى، بقوات كبيرة بعد أن وصلتهم التعزيزات، فانسحب الأتراك العثمانيون أمامهم بشكل منظّم.
وتصف المصادر الأجنبية الهجوم البريطاني الذي انتهى باحتلال بغداد (بأن الجنرال مود) هاجم مواقع الترك بالغرب من الامام محمد بجوار الكوت في (9 /كانون الثاني / 1917) حتى استولى عليها في شباط، وفي 23 اجتازت القوات البريطانية نهر الفرات وعسّكرتْ على ضفّة دجلة اليمنى، وصبّت نارها على الضفّة اليسرى، ثم نصبت جسراً على دجلة في (دورة شمران) فعبرتهُ في 24 شباط، وعندئد انسحب الأتراك العثمانيون الى (العزيزية) في الخامس والعشرين من الشهر المذكور، واستولى البريطانيون على مراكبهم النهرية (بصرة / وسلمان باك وطوغان) وواصلوا الانسحاب الى سلمان باك في 28 شباط، بعد أن تكبّدوا خسائر كبيرة، وأدرك خليل باشا وبعد فوات الأوان، الخطأ العظيم الذي ارتكبه في تقاعسهِ عن مطاردة البريطانيين وبقائه في مركزه وثقته بقوّته، وشعر بالندم الشديد على ما فرّط منه من الإهمال.
وتقول المصادر البريطانية، إن البريطانيين أخذوا يتقدّمون في الضفّة اليمنى دون مقاومة في شهر آذار سنة 1917، وإن حدثت بعض المناوشات، فإنها لم تكن من الخطورة بحيث يذكرها التأريخ وأكثرها وقعت قرب (تل أسود) على مقربة من (أم الطبول) بينما كانت خيّالة البريطانيين تهاجم الجناح الأيمن العثماني. وفي اليوم العاشر من شهر آذار 1917 تطوّرت الحالة تطوراً جديداً، وكانت الفرقة 28 البريطانية، قد عبرت ديالى من دون مقاومة تُذكر، وأخذت عندئذ القوات البريطانية تُهاجم مواقع الأتراك العثمانيين الأخيرة في (تل محمد) وفي الوقت نفسه اندفعت قبالة البريطانيين، واصبحت على مسافة خمسة أميال من بغداد فقط، وأخذت تهدّد سكة حديد بغداد – سامراء. ومن المؤكد أن هذه الأمور جميعها قد أجبرت (خليل باشا) على التفكير في مغادرة بغداد وعدم المقاومة فيها وفي أطرافها.
في مساء (10 – 11/ آذار سنة 1917) اضطر الأتراك العثمانيون الى إخلاء بغداد من دون مقاومة، وترك آخر شرطي وآخر جندي تركي بغداد حوالي الساعة الثانية من صباح يوم الأحد (11/ آذار/ 1917)، حيث غادر القائد العثماني (خليل باشا) بغداد من محطة قطار الكاظمية قاصداً سامراء، وهو يندبُ خطة الإقليم بعد أن عقد مجلساً حربياً مع القادة الميدانيين في مخفر شرطة (جسر الخر) الذي يقع حالياً في ساحة النسور ببغداد. وظلت المناقشة حادّة جارية بين ضباط الأركان وخليل باشا الى منتصف الليل، حتّى اقتنع (خليل باشا) بوجهة نظر خيّالة مسافرة الى اسطنبول، وتسلّم الجواب بالموافقة وأخذ الجيش التركي بالانسحاب، وكان الى مدينة سامراء بطريق القطار الذي كان الألمان قد أمّنوا القسم الواقع بين بغداد وسامراء، كما استفاد الترك من طريق (دجلة) النهري استفادةً تامةً، ونسف الأتراك ليلة مغادرتهم بغداد العتاد المخزون في (باب الطلسم) وهو أحد أبواب سور بغداد القديم، وتعتبر ساعة الانفجار بالنسبة الى أهالي بغداد ساعة رهيبة، حيث اهتزت بغداد من أقصاها الى أدناها، كما قام الأتراك بتخريب محطة اللاسلكي الألماني في الوشاش والذي يقع حالياً في (متنزه الزوراء)، واستصحبوا معهم السجّلات الرسمية بما في ذلك السجّلات العقارية، وقضى أهل بغداد تلك الليلة بين انفلات القنابل وأزيز الرصاص وهبوب العواصف الترابية المزعجة، حيث في تلك الليلة اجتاحت بغداد عاصفة هوجاء لم تشهد قبلها مثيلاً، منذ أن بناها المنصور حتّى أنها اقتلعت منارتي جامع الأرصفية من حوضيها.
 بعد إخلاء بغداد من قبل الأتراك يوم العاشر من آذار سنة 1917 وأعياهم الدفاع عنها وعَلمَ الجيش البريطاني بعد منتصف الليل بانسحاب الجيش التركي من بغداد حوالي الساعة السادسة صباحاً من يوم الأحد المصادف (11/ آذار/ 1917)، تقدّمت دورية من فوج الحرس الأسود البريطاني وبإمرة الملازم (هوستن) واحتلت محطة غربي بغداد، والتي كانت قبل إزالتها قائمة بجوار جامع (محمود بنية) الحالي في نفس الوقت، كانت السرية الأولى من فوج (بوش) الخامس تعتبر أول قطعة عسكرية بريطانية دخلت بغداد بقيادة النقيب (هاروش) بعد أن عبرت نهر دجلة، حيث رفعت العلم البريطاني في أعلى السراي أو (القشلة) القائمة حتى الآن في جانب الرصافة، ثم نقل الى برج الساعة المطل على دجلة داخل السراي، حيث ذهب أهالي بغداد الى القشلة، ليشهدوا مراسيم إنزال العلم التركي ورفع العلم البريطاني، حيث كان ذلك المشهد مؤثرا،ً فأخذ البغداديون والبغداديات يجهشون بالبكاء والنحيب المكبوت، لأنهم شاهدوا إنزال علم دولة مسلمة مدحورة ورفع علم دولة مسيحية منصورة، ولما دخل البريطانيون بغداد يوم الأحد المصادف 11/ آذار / 1917، ساد الخوف الجميع، وضاعت الوسيلة التي يوزن بها الشعور العام إزاء هذا الدخول، فكثر المراؤون وانتشر المنافقون وانقسم الناس بحكم الوضع والزمن الى قسمين، كان أحدهما يميل الى الترك ويروّج الشائعات بضرب عودتهم، وكان القسم الآخر يحلم بقيادة دولة عربية تجمع شمل العرب وتوحّد صفوفهم وتجعلهم أمناء بعد خوفهم واعزاء بعد ذلتهم، وما إن حلّت الساعة التاسعة صباحاً من اليوم المذكور، حتّى دخلت الفرقة (13) الإنكليزية وعسّكرتْ بشمالي بغداد على مسافة ميلين قرب (صليخ) على ضفة دجلة اليسرى، وعسكرت الفرقة (7) بجوار الكاظمية، وفي اليوم ذاته، دخل ظهراً الجنرال (مود) القائد العام للجيش البريطاني في بغداد على ظهر باخرة إنكليزية، وقد سار بها في نهر دجلة ومعه هيئة رافقته الى المقيمية البريطانية سابقاً، في السنك واتخذها مقراً لقيادته، واستقبل جمع غفير من اليهود والنصارى وبعض المسلمين من أهل بغداد الجيش البريطاني، فاحتل الإنكليز دار الحكومة والمباني الأميرية. وبدأ موظفو الاستخبارات البريطانية يتحرون عن دور الضبّاط المستخدمين في الجيش التركي، فيصادرون أموالهم باسم الغنائم ويلقون القبض على من يعنيهم في بغداد.
وكان الجنرال (مود) من الضبّاط البارزين، وقد تخرج من كلية الأركان في (كابيرلي) وشغل مناصب الركن المهمة في مصر وفي حرب (البوير) في جنوب أفريقيا، وفي بدء الحرب في سنة 1914 شغل منصب رئاسة ركن فيلق، ثم قيادة الفرقة (13) في العراق، وفي إثر هذا الانتصار تمّت ترقية الجنرال (مود) الى رتبة فريق أول، وقد تلقى برقيات التأييد من الحلفاء ومن الملك جورج الخامس ومن شريف مكّة وغيرهم من الحلفاء، ونصب فيها تمثالاً له في جانب الكرخ، وقد بقي مدة من الزمن حتى قامت جماهير بغداد بتحطيمه صباح ثورة 14 / تموز/ 1958. وبعد اكمال احتلال بغداد، أذاع مقر قيادة الجنرال (مود) بياناً رسمياً سياسياً الى أهل بغداد، وكان يبلغ عن طريق كل مختار، وقد أذيع يوم 19/ آذار/ سنة 1917 وجاء فيه (أن جيوشنا لم تدخل مدنكم وأراضيكم بصفة قاهرين أو أعداء بل بصفة محررين) ولقد عانت بغداد طيلة فترة الأربع سنوات (1914 – 1918) ما عانت من أهوال ونكبات لم تشهد مثلها منذ أن اجتاحها (هولاكو) سنة 1258م، حيث يذكرها التأريخ من تدمير وهلاك.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية