العدد(4277) الاثنين 24/09/2018       26 أيلول 1932..افتتاح ثانوية كلية بغداد.. أول المدارس الأهلية وأرقاها       مجلس الإعمار وجزيرة أمّ الخنازير.. ذكريات المهندس (رايت) في بغداد       سوق السراي (الوراقين) في ثلاثينيات القرن الماضي       من ذكريات بدايات الكهرباء في بغداد       مع حقي الشبلي ومسرح ثانوية الكرخ في الخمسينيات       من نوادر القضاء العراقي عالم دين كبير يدافع عن صحافي ماركسي سنة 1946       الرصافي يكتب أناشيد مدارس فلسطين سنة 1920       العدد (4275) الاربعاء 19/09/2018 (جورج جرداق)       الفتى المشاغب يهرب مجدداً    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :22
من الضيوف : 22
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 22266361
عدد الزيارات اليوم : 2037
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


حميد المطبعي فارس (الكلمة)

باسم عبد الحميد حمودي
وضعت  أمامي وأنا أشرع في الكتابة عن أبي بسام حميد المطبعي، كدساً من الأعداد  المتوفرة لدي من مجلة (الكلمة)، مجلته وموسى كريدي، ومجلة المثقفين  العراقيين والعرب منذ عام 1967 حتى يوم إغلاقها عام 1974.


ساعتها أحسست بهبوب نسمات من الحرية الفكرية وبهمة الشباب تتجدد، فها هي (الكلمة) تتجوهر أمامي مجدداً وقد ركناها لسنوات دون أن نعود إليها إلا لبحث أو لاستشهاد. ما صنعه حميد المطبعي في (الكلمة) أكثر من الكثير في جو الأدب العراقي والعربي، فقد كانت مجلة رائدة في انتفاضتها على أطر النشر التقليدية آنذاك، وفي قدرتها على جمع أدباء التجديد العراقيين والعرب على صفحاتها في جو سياسي وثقافي مدلهم ليس للأمل بالنهوض السياسي والفكري من كوة واحدة.
صدرت (الكلمة) كحلقات ثقافية مطلع عام 1967، واحتفى بها الأدباء الشبّان، وكان التوزيع باليد أو بالبريد، وما يجمعه صاحب الكلمة يكاد لايسد مصروفاتها، وقد ظلت هكذا حتى انتعش وضعها لفترة بعد انقلاب 1968 ثم حاربتها وزارة الإعلام لعدم سيرها على مسطرة الدولة الفكرية، فقرر حميد المطبعي (صاحبها) وموسى كريدي (رئيس تحريرها) إغلاقها عام 1974 وكان الله يحب المحسنين.. إذ لم يكن في طاقة حميد - موسى الاستمرار في اصدارها بعد منع الاعلانات عنها واشارات الغضب الواردة من هذا المسؤول أو ذاك! بذلك اختتم حميد المطبعي رحلة حياة (الكلمة) التي لم تكن مجلة ثقافية عادية، بل كانت مجلة جمعت في حينها كل رموز الوعي السياسي والثقافي على تناقضاتهم واحترابهم، وقد قلت عنها ايامها أنها كانت تشكّل نموذجاً للجبهة الوطنية ثقافياً بعد ما كان السياسيون يحتربون، وقد فتك القوي فيهم بالضعيف دون أن يأخذ الحق له، جاءت (الكلمة) لتساوي وتجمع، وتشد من أزر الجميع ليكونوا وقد أحس الجميع بضرورة الكلمة، مجلةً ونهجاً نجح في تطوير النشاط الإبداعي واحترام التجارب الجديدة في القصة الحديثة وفي البحث عن المواهب الشعرية والتبشير بقصيدة النثر اتجاهاً شعرياً يطوق قصيدة التفعيلة السيابيّة دون أن يبتعد عن الاحتفاء برموزها الذين ساندوا تجربة الكلمة، أمثال البياتي وشاذل طاقة وسعدي يوسف وبلند الحيدري وسواهم.
كان التوزيع عن طريق جمع الاشتراكات السنوية مباشرة أمراً اكثر من مهم، وكان بدل الاشتراك ديناراً واحداً ومن شاء أن يزيد فليفعل،  وخلال وجودي في مدينة الدغارة لثماني سنوات (1965-1973) كان الطريق الى النجف الأشرف لاحباً، فأما أن أرحل في دورة الخميس الى المدينة المقدسة لألتقي محمود البستاني وموسى كريدي وعبد الإله الصائغ وموفق خضر وعبد الأمير معلة وحميد المطبعي وحميد فرج الله وسواهم في مقهى مختار، أو يذهب إليه أحد المدرسين مثل الأستاذ محمد رضا محمد أمين أو ناصر الحمداني أو الشهيد جميل أمانة أو الشهيد عدنان حسين (والد الشاعر فارس عدنان) ليعطوا الاشتراكات التي نجمعها من تجّار ومثقفي الدغارة لحميد أو لموسى دعماً للمجلة الرائدة وحباً في استمرارها.
ينشد حميد المطبعي في قصيدته (تأسيس) المنشورة في العدد الرابع 1973 و(الكلمة) على وشك الغياب فيقول :
 أيها الذين تديرون رؤوسكم الى الوراء، ضعوا الضماد فوق أنوفكم، منكم تواسد ماكنة الضحك. تعلمني الشوارع. المناشير. ونصطف في أكاديمية القراءة. في الإذاعة. وفي حدائق الأمة تشخر أرواحنا: السنابك السنابك، وأهجموا، بلغوا القبائل بأسماء الثوار. تقاسموا الانذار. الجامعات تنتهي. براميل الحنطة تفوه بالأسواق.. آتية هي المواثيق. آتية هي النساء أطلق فضائي واحترس)
بعد هذا المفتتح التجريبي يبني قصيدته على متضادات فكرية بلغة ساخرة ينطلق في ملاحظات موحشة مستفزة نختار منها الملاحظة الثامنة حيث ينشد :
(مرة في أرتيريا رأيت النساء يصبغن وجوه أطفالهن من ثمر السدر. والشيوخ يبيعون السيوف لبعض جمالهم. ومرة دعت بعض العشائر الى عسكرة اللغة أذن بلا أحصنة، رأيت الوطن العربي، ثكنات، ورئيس عشير، وأمعات.(
وفي ختام هذه القصيدة يضع المطبعي مقطعاً يشير الى أنه ينبغي أن يقرأ بترتيل ديني فيقول :
ماء. ويقف الطير المذبوح في جسدي. هل أسلمتم. اسكنوا الحرم المبتلى. وأبنوا له مشارف من رؤوس أطفالكم ودعوا الطبول ترعى المواكب. ثكنات. ثكنات. انشروا فوق أرحامكم من طعم الفرات جدائل من ورق التين..)، هكذا تمضي القصيدة مرتلة متشابكة الجذور والانين والصور محاولة أن تستنهض من تناقضات الصور متاهة شعرية جديدة.
جمعت (الكلمة) أبرز وجوه الأدب والفكر في العراق والعالم العربي، وشارك المترجمون المخضرمون (مثل جميل حمودي وشفيق مقار وخليل الخوري وسواهم، والشباب من أمثال زهير الجزائري وميعاد القصاب وصادق باخان وغيرهم) في ترجمة النصوص، فيما كانت (الكلمة) ميدان قصص جديدة ومسرحيات لعبد الملك نوري وفؤاد التكرلي ونزار عباس وموفق خضر وجمعة اللامي وعشرات غيرهم، وكان الشعر سيد (الكلمة) ممثلاً بقصائد البياتي وسعدي يوسف والكمالي والحيدري (كما أسلفنا) وممدوح عدوان وخليل الخوري ونزار قباني وياسين طه الحافظ وحميد سعيد وسركون بولص وعشرات غيرهم من رجال الموجة الجديدة.
لم يقتصر نشاط حميد المطبعي على الكلمة كمجلة ومشروع ثقافي تقدمي، بل أسس لمجموعة كتب مسلسلة عن حيوات المفكرين والكتاب العراقيين الذين حاورهم أمثال: عبد المجيد لطفي وجواد علي وعبد الرحمن التكريتي ومهدي المخزومي وبهنام أبو الصوف ومسعود محمد وكمال مظهر، وكان معظم هؤلاء في ملتقى الروّاد الذي دعا إليه وأسسه في التسعينيات من أحلام المطبعي التي تحققت لفترة ثم عفى عليها زمان السياسة والأذى. وكان اصدار المطبعي لـ(موسوعة أعلام العراق في القرن العشرين) تجربة شاقة وناجحة في البحث والتبويب والملاحقة والتدقيق حتى استوت التجربة على أحلى ما يكون لتؤرخ لفكر وتجارب عبر العصور الحديثة.
وبعد فحميد المطبعي شجرة خيّرة نبيلة تساقط منها رطب المعرفة والدأب الثقافي المثمر للخير، وينبغي علينا ألا نرميها بحجر بل إن نرعاها ونمنحها الحب والشكر على ماقدمت للفكر العراقي ولأهله.حميد المطبعي أقبّل يديك العاريتين ووجنتيك الذابلتين وأرجو لك الصحة والحياة الطيبة وأنت لم تزل تعطي أيّها الصديق العزيز.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية