العدد (4214) الخميس 14/06/2018 (خديجة الحديثي)       خديجة الحديثي واعادة تقديم سيبويه       أحمد مطلوب في كتابه رفيقة عمري.. ردّ الجميل إلى حواء       الدكتورة خديجة الحديثي ومصطلح المدارس النحوية       من آراء الدكتورة الحديثي النحوية       خديجة الحديثي.. والانتصار على التهجّي النحوي       الأستاذة الدكتورة خديجة الحديثي عالمة النحو في العراق       الدكتورة خديجة الحديثي.. الجانب الآخر       العدد (4213) الاربعاء 13/06/2018 (جَيْ دي سالنجر)       زيارة لنيويورك والبحث عن الحارس في حقل الشوفان    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :15
من الضيوف : 15
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 20911969
عدد الزيارات اليوم : 6101
أكثر عدد زيارات كان : 33537
في تاريخ : 15 /03 /2017
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


المطبعي.. تهكمٌ سقراطي وجدلٌ هيراقليطي ماركسي

طه جزاع
يكاد حميد المطبعي  أن يكون شبيهاً بسقراط في كل شيء، في هيأته كما رسمتها المدونات التأريخية  الاغريقية، وفي أسلوب حياته وتقشفه وسخريته وتهكمه وتوليده للأجوبة من  أسئلة جدلية لا نهاية لها وصولاً الى الحقائق المغروزة في النفوس، فقد كان  سقراط مؤمناً (بأن المعرفة تذكر) وإن وجود النفس سابق على وجودها الدنيوي،  إنها في عالم علوي عقلي الهي تعلم كل شيء،


 وعندما أهبطت الى العالم الأرضي المادي الدنيوي نسيت كل شيء، وما عملية التعلم إلاّ عملية تذكير لهذه النفس بما كانت تعلمه في عالمها العلوي، وهذا التذكير هو عملية توليد، فمثلما تنتزع القابلة المولود من رحم أمه، كذلك تفعل الأسئلة الحوارية الجدلية، إنها تنتزع الحقائق من أرحام النفوس!

هذا هو ما يفعله المطبعي تماماً، مع فروق بسيطة لا تكاد تذكر أملتها ضرورات الحياة المعاصرة، فليس من المعقول أن يتمشى المطبعي في الأسواق كما كان يفعل سقراط في أسواق أثينا، يجادل هذا الرجل البسيط المعترف بجهله لكي يساعده في توليد الأجوبة التي تدلّه على الحقيقة، ويتهكم من ذاك الرجل المتعالم الذي يتباهى بأنه عالم وهو جاهل لا يعلم شيئاً، وربما فعلها المطبعي في بعض الأسواق ودواوين الوزارات ومضايف شيوخ العشائر ومكاتب الصحف في حقبة من حياته، غير أن الكلام والجدل والحوار لابد أن يكون مطبوعاً كما يقتضيه عصر الطباعة، فكانت مجلة (الكلمة) النجفية التي صدرت بإمكانات المطبعي المتواضعة، ولفتت انتباه الأدباء والكتّاب الى اسلوبها المجدّد الجريء، وكان يمكن أن يكون شأن (الكلمة) في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، شبيها بشأن مجلة (الآداب) البيروتية لسهيل أدريس لو توفرت لها الأسباب، لكن كان من الصعوبة بمكان أن يستمر المطبعي في كلمته بلا مؤسسة تديمها، ومن دون دعم مالي ولا نشر ولا توزيع على مستوى العراق والبلدان العربية، فضلاً عن التقلبات السياسية والموجات الفكرية وصراعات الأجيال الأدبية التي كان يموج بها المجتمع العراقي والتي تركت صداها في النجف وبغداد على السواء، فلم تصمد الكلمة، ولم يقدر لها أن تستمر في حقب سياسية كان فيها لكل (كلمة) حساب وكتاب.
غير أن حميد المطبعي الذي نشأ بفطرته على الجدل الهيراقليطي، وأدرك منذ أن كان فتيّاً أن المرء لا يمكن أن يعبر النهر مرتين، وأن كل شيء في الكون في تغيّر وجريان وصيرورة مستمرة، لم يرضه أن يكون في حدود هذا الجدل البدائي العائم، فالتجأ الى الجدل الماركسي، لكنه سرعان ما انقلب على ماركس محوراً هذا الجدل من صياغاته المادية البحت، الى جدل فيه من الروح والمثالية والخيال الشيء الكثير، ولم يفكر في تكرار تجربة مجلة (الكلمة) بعد أن وجد في الصحافة الوسيلة التي ترضي نوازع نفسه في الكتابة والبحث عن الجذور، وفي الرحلات الجغرافية والفكرية، متنقلاً بين جبال العراق وسهوله، باحثاً عن فرق الدراويش والمتصوفة، متقصياً أصول العلماء وجذور الأعراق والعادات والتقاليد ليصوغها في نوع مبتكر من أدب الرحلات والأسفار والمشاهدات على نهج (ابن بطوطة) لكن على الطريقة الصحفية العراقية المطبعية في القص والتقصّي والتشويق والإثارة الصحفية!
المطبعي اليوم مريض معتكف في صومعته اعتكاف الزهّاد المعتكفين في كهوفهم وصومعاتهم، يوهمنا دوماً أنه يعيش وفق مبدأ الحكمة الهندية الشهيرة (لا أرى، لا اسمع، لا أتكلم) غير أنه في حقيقة أمره، يرى أكثر مما يراه المبصرون الحاذقون، ويسمع أكثر مما يسمع السامعون الجوالون، ويتكلم أكثر مما يتكلم المتكلمون.
هو لا يكل ولا يمل ولا يتوقف عن اختراع شكل جديد للكتابة مع إطلالة كل يوم جديد، يسنده خزين هائل من الأرشيف الصوري والأضابير الورقية التي تعد بمثابة سجل النفوس لكل علم من أعلام العراق على امتداد قرن من الزمان، ويلهمه عقل حيوي منظم ينافس الكومبيوتر في ذاكرته ودقته وسرعته، مع إن أصابعه لم تلامس يوماً لوحة المفاتيح، ولم تتعلم يوماً كيف تمسك بفأرة الحاسوب، أدهشني فكتبت عنه قبل أكثر من عشرين عاماً، بأن زمناً طويلاً سيمضي قبل أن تعثر الصحافة العراقية على صحفي وموثّق وأديب، منظـــــــــم ودقيق، مواظب وحريص، غزير الإنتاج مثله، لقد قدم للصحافة العراقية الكثير من الابتكارات الثقـــــــافية والصحفية المميزة، واستطاع في جهد متواصل أن يبعث الروح في فن الاستطلاعات الصحفية التي بلغت ذروتها على يديه، وأصابها الشحوب والهزال والرتابة بعده، كما عمل على بعث النور في الزوايا المظلمة، والأركان المنسية، بتقديمه آلاف المفكرين والعلماء والسياسيين والمثقفين والأدباء والفنانين والأطباء والمهندسين والزعماء القبليين، الذين لا يعرف الجيل الجديد شيئاً عنهم، ولعل ما يثير الدهشة في حرصه ودقته المتناهية، انه حين كان قادراً على التنقل بسهولة بين مقار الصحف التي كان يكتب لها، فإنه كان يتابع موضوعاته واستطلاعاته وحواراته الطويلة في مرحلة التصميم الورقي قبل عصر الكومبيوتر، وإنه كان حين يكتب، فإنه يرسم موضوعاته رسماً، ويستخدم الألوان في وضع العناوين، ويضع الملاحــــظات التفصيلية للمصمّمين والمنفذين، ويحرص على تزويدها بالصور مع شروحاتها التفصيلية.
ولكي يضفي على شخصيته بعداً أسطورياً، فإن العصا نادراً ما كانت تفارقه منذ سنوات الثمانينيات، وحين يُسأل عنها يقول إنه يتوكأ عليها، ويهش بها على غنمه، وله فيها مآرب أخرى، والله وحده يعلم ما هي مآرب حميد المطبعي!
هذا الرجل الواقف على تل الزمان يراقب مرور التاريخ بعين المستطلع المستبطن البصير، فيه شطحات المتصوفة، ومزاجات الفلاسفة، وعمق المحللين النفسانيين، وهوس الباراسايكولوجيين، وأحكام المؤرخين، وفيه مزيج من العمق والبساطة، والشك واليقين، والضعف والقوة، والكآبة والانشراح، وكان آخر ابتكاراته الصحفية كتابة سلسلة من أحكام وتقويمات عن كتاب وأدباء العراق، يختصرهم بشراً ونتاجاً ومسيرةً وتاريخاً وإبداعاً بتقويم قد لا يزيد على ثلاث كلمات.
وهو منذ أن بدأ بمشروع (الكلمة) النجفية، مروراً باستطلاعاته المثيرة عن مدن الشمال وقراه وجباله والتي اضطرته أحياناً الى أن يستخدم البغال للتنقل في بعض أسفارها، ووصولاً إلى البحث عن جذور عدد من المفكرين والعلماء والفلاسفة والمثقفين، وانتهاءً بكتابة موسوعة أعلام العراق، ثم إلى أحكامه وتقويماته التي يختزلهم فيها اختزال العالم الخبير، لم يتخل يوماً عن بساطته وتواضعه ومرحه وسخريته، لقد خالط آلاف البشر في رحلاته الاستكشافية التأملية، جلس مع رجال دين وسياسيين وعسكريين لامعين، وشيوخ عشائر، وشعراء ومثقفين كبار، ومع ناس بسطاء فقراء معدمين، حاورهم وجادلهم بمنهج سقراط ومخادعة السفسطائيين، بحثاً عن الحقيقة، ليكتشف في نهاية الأمر، أنه يركض خلف وهم وسراب، فبينه وبين الحقيقة ألف حاجب وألف حجاب.
ولعلي لا أنسى يوماً شتوياً مر قبل اربعة عشر عاماً، حين زارني المطبعي في بيتي برفقة الزميل الدكتور احمد عبد المجيد، وكنت في حالة نقاهة بعد وعكة صحية طويلة ألمّت بي، فاحتفيت بهما وسررت بزيارتهما الكريمة، وكان من ضمن الصور التي التقطها لنا الزميل الراحل مجيد الخالدي صورة اظهر فيها وأنا اقطّع تفاحة في صحن يضم أنواعاً من الفاكهة المتوفرة آنذاك، ولم يدع المطبعي هذه الزيارة تمر من دون توثيق، فنشر الصورة في جريدة (الرأي) التي كان يرأس تحريرها الزميل رباح آل جعفر تحت عنوان (حديث الصورة) وبأحد أسمائه المستعارة (سليم شريف) ومما كتبه بخط يديه تحت تلك الصورة التي لا امتلك أصلها للأسف الشديد: الجلسة انبساطية كما تبدو في الصورة، وأصحاب القلم ينبسطون في جلساتهم دائماً، ووفقاً لحركة أفكارهم في الحياة، وقد شاء الدكتور طه جزاع أن ينبسط أكثر فأكثر، فحرك السكين وغرسها في تفاحة جميلة ليطعم بها صديقيه حميد المطبعي وأحمد عبد المجيد، وفي لحظة اغفاءة فرح تحركت الكاميرا بين أصابع شيخ مصوري (الزوراء) مجيد الخالدي، لتوثّق ايقاع القلوب، وما أرحبها..! ما أرحب قلبك أيها المطبعي، وما أقسى قلوب محبيك!



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية