العدد(4292) الاثنين 15/10/2018       في مثل هذا اليوم من عام 1923 صدور اول مجلة نسوية في العراق       الوالي ناظم باشا وبلدية بغداد       50 عاما على وفاة توفيق السويدي.. حياة سياسية عاصفة.. ومحاكمة طريفة.. ودار جميلة       طرائف وحقائق..محمد مهدي البصير في باريس       من تاريخ بواكير العلاقات العراقية الفرنسيةد. علي عبد الواحد صائغ       من ذكريات زكي مبارك في بغداد       كيف تأسست فرقة الانشاد العراقية سنة 1948؟       العدد (4290) الخميس 11/10/2018 (إسماعيل فهد إسماعيل 1940 - 2018)       (حبل) إسماعيل فهد إسماعيل الذي انقطع    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :26
من الضيوف : 26
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 22524626
عدد الزيارات اليوم : 2446
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


فكرة العدالة

 تصوّروا أن هناك ثلاثة أطفال  اختلفوا حول أحقيّة كل منهم ب«قيثارة» لعزف الموسيقى. كل من هؤلاء الأطفال  الثلاثة يقدّم حججه. «آنّا» تؤكد أن هذه القيثارة تعود إليها ذلك أنها  الوحيدة بين الثلاثة التي تعرف العزف عليها. أما بوب فقد اعتبر أنها تعود  إليه بسبب فقره إلى درجة أنه لا يمتلك أية لعبة. «كارلا» قالت من جهتها  أنها قد أمضت شهورا من أجل صناعتها.


فكيف يمكن البت لمن تعود هذه القيثارة من بين هؤلاء الأطفال الثلاثة، الذين يقدّم كل واحد منهم حججا مشروعة بدرجة متساوية إلى حد كبير عن وجهة نظر العدالة؟.

الاقتصادي الشهير عالميا «امارتيا سن» الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد وعام 1988، يقدّم كتابا كاملا يقارب عدد صفحاته ال500 صفحة يفنّد فيه «نظريات العدالة» السائدة اليوم. وكيف يمكن لأنصار مختلف هذه النظريات الدفاع عن «حجج الأطفال"الثلاثة من حيث أحقيّة ملكية «القيثارة». وذلك تبعا للقيم التي تتبنّاها كل نظرية.
البعض سيدافعون عن ملكيّة «آنّا» العازفة لها باسم قيمة «التفتّح الإنساني» بينما سوف يدافع آخرون عن حجة «بوب» الفقير، باسم قيمة «إنهاء الفقر في العالم» وستحظى «كارلا»، التي صنعت الناي، بدعم الآخرين باسم قيمة «حق تمتع الإنسان بثمرة عمله».
من خلال هذا يطرح «امارتيا سن» مشكلة العدالة من حيث انه لا توجد اليوم أية مؤسسة أو وسيلة لحل مثل هذا الخلاف بطريقة يقبلها الجميع على أنها عادلة. ذلك أن سلّم الأولويات يتباين في مفهوم البشر للعدالة على أساس الفائدة أو التأكيد على المساواة أو المنافسة الحرّة. وهذه المفاهيم كلها يقدّم المؤلف مرجعيات لها في أفكار فلاسفة من أمثال هوبس وروسو ولوك وكانط وغيرهم.
وبسبب تباين نظريات العدالة وعدم قبولها من جميع البشر يقوم امارتيا سن، كاقتصادي وفيلسوف، باستبعاد كل هذه النظريات التي تريد تحديد القواعد والمبادئ لمؤسسات عادلة في عالم مثالي، وبالتالي لا يمكن تطبيقها واقعيا في حياة البشر. بالمقابل يؤكّد على قبوله بإرث أفكار عصر التنوير التي تقوم على المقارنة بين مختلف الأوضاع الاجتماعية بغية محاربة المظالم الواقعية.

ويرى أن الديمقراطية، باعتبارها تقوم على مبدأ «الحكم من خلال النقاش والمشاركة يمكنها أن تساعد في الاختيار بين مختلف مفاهيم العدالة «تبعا لأولويات اللحظة وقدرات كل فرد».
وتتمثل الفكرة الأساسية التي يخرج فيها امارتيا سن، من نقاشه الفكري والاقتصادي لأفكار الفلاسفة والمفكرين في القول بضرورة التوجه نحو «عدالة حقيقية شاملة عالمية» تقوم على أساس محاربة التفاوت الكبير في تقاسم السلطة، والتفاوت الكبير على مستوى الدخل.
هذه الرؤية التي يقدمها امارتيا سن تجد شرحها في الكتاب عبر أربعة أقسام تحمل العناوين التالية: «مطالب العدالة» و«صيغ ومحاكمات عقلانية"ثم «مكوّنات العدالة» وأخيرا «النقاشات العامة والديمقراطية». وتحمل فصول هذه الأقسام الأربعة عناوين لها دلالتها على مضمون التحليل مثل «العقل والموضوعية» و«المؤسسات والأشخاص"و«العقلانية والآخرون» و«الكفاءة والثروات"و«السعادة والرفاهية"و«ممارسة الديمقراطية»، الخ.
ويقدم امارتيا سن الكثير من آرائه عبر نقاشه لأفكار صديقه «جون رولس»، الذي يهديه هذا الكتاب، ويستفيض في محاولة الإجابة على سؤال: هل العدالة، أو هل ينبغي أن تكون، غاية النشاطات الإنسانية؟.
إنه يؤكد في الإجابة على أن للعدالة دورا مركزيا في حياة البشر. فهي تعبئ من جهة المشاعر والعواطف من خلال وجود مواقف «عفوية» حيال ما يرونه عادلا أو ظالما، وبنفس الوقت يمكن إخضاع «العدالة» للتقييم والتحليل والمحاكمة المنطقية.
ولمفهوم العدالة أيضا أهمية خاصة فيما يتعلق بالدولة وبالمؤسسات القائمة وبسلوك البشر. من الهام الإشارة في هذا السياق أن «امارتيا سن» يقارن بين نمطين من النظريات، نمط يهتم ب«السلوك الإنساني» وآخر يركّز اهتمامه على «المؤسسات"التي تحكم سلوك البشر.
إن أحد الخطوط الناظمة لتحليلات المؤلف يتمثل في التمييز بين «فكرة العدالة» وبين «تطبيقها». هذا مع تأكيده بنفس الوقت على «ترابطهما» الوثيق. ذلك أن «أشكال سلوكنا تجد جذورها دائما في فكرة». لكن هذا لا يمنع واقع أن «مشكلتنا» في الحياة الحقيقية ليست صياغة تعريفات، أو على الأقل ليس مجرد صياغة تعريفات، ولكن محاربة المظالم الحقيقية.

لذلك يحدد المؤلف «الهدف» بعدم البحث عن «نظرية مضادة» لما هو سائد من نظريات، ولكن بالأحرى اقتراح نوع من منظومة التفكير والمحاكمة القائمة إلى حد كبير على «الرؤية المقارنة».
يقول المؤلف انه «ليس هناك حاجة لتعريف المجتمع العادل من أجل فهم أن العبودية ظالمة».
وفي المحصلة يؤكد امارتيا سن أنه من المستحيل تقريبا إعطاء تعريف كوني «يونيفرسال"للعدالة يمكنه أن يحلّ جميع الخلافات ويقدم إجابات على جميع الأسئلة. وفي عودة إلى قصة الأطفال الثلاثة التي رواها في بداية الكتاب، يرى أن حل المشكلة لا ينبغي أخذ الظروف الخاصة في الاعتبار فحسب، ولكن طرح الأسئلة عبر المقارنة بين الأوضاع.
قد لا تكون دائما هناك إجابات شافية للمشاكل المطروحة على العالم، إذ من الصعب معرفة إذا كان ينبغي تقديم مبالغ مالية أكبر لدارفور أو للصومال، كما يقول، لكن المؤكد أن الأوضاع فيهما ظالمة.
وخلاصة قوله ان العدالة الشاملة لا تعد بعالم عادل تماما. المهم هو تبنّيها كنهج، وليس كنظرية، أمام واقع ينبغي الانطلاق منه لتحديد النهج المطلوب.
الحرية الحقيقية
خيار الفرد يطالب امارتيا سن في هذا الكتاب عدالة تقوّي بالوقت نفسه قدرة الأفراد في اختيار الحياة التي يتطلعون إليها، ومساعدتهم على امتلاك الوسائل الضرورية من أجل تحقيق ذلك. ذلك أنه يمثل، برأيه، السبيل الحقيقي نحو بلوغ «الحرية الحقيقية»، وليس المثالية والضياع في الأوهام.

المؤلف في سطور
امارتيا سن، هو الحائز بجائزة نوبل للاقتصاد عام 1988. يعمل الآن أستاذا للاقتصاد والفلسفة وفي جامعة هارفارد الأميركية. وكان قد شغل منصب مدير «معهد ترينتي» الشهير التابع لجامعة كمبردج خلال سنوات 1998-2004. من بين مؤلفاته العديدة: «الأخلاق والاقتصاد"و«الاقتصاد علم أخلاقي» و«العقلانية والحرية في الاقتصاد"و«الهوية والعنف»، الخ.

الكتاب: فكرة العدالة
تأليف: امارتيا سن
الناشر: بلكناب برس ـ نيويورك 2009

عن جريدة البيان



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية