العدد (4256) الخميس 16/08/2018 (زينـب .. 20 عاماً على الرحيل)       زيــــنــــب..!       «ماما زينب».. عقدان على الرحيل وما زالت"فنانة الشعب" تُحاكينا!       زينب فنانة مناضلة غيّرت نظرة المجتمع للفنان       في ذكرى (فنانة الشعب)       هل يعرف الجيل الجديد من هي زيـنـب ؟       زينب في الرمادي       العدد (4255) الاربعاء 15/08/2018 (ف. س نايبول 1932 - 2018)       (نصف حياة) نايبول نموذج للرواية ما بعد الكولونيالية       نايبول يرحل مخلفاً حياةً مثيرةً للجدل    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :9
من الضيوف : 9
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 21650103
عدد الزيارات اليوم : 1770
أكثر عدد زيارات كان : 33537
في تاريخ : 15 /03 /2017
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


قراءة في كتاب "كيف نفكر" للفيلسوف جون ديوي

تقديم:ماريا بوبوفا
ترجمة: رعد طالب
منذ  عقود وقبل أن يضع الاسطورة كارل ساغان عُدته لكشف الزيف وطُرق التفكير  النقدي، كان هناك الفيلسوف العظيم وعالم النفس والمصلح في قضايا التعليم  جون ديوي قد كتب أطروحة رائعة حول هذا الموضوع. فموضوع التفكير النقدي يهم  الجميع ونحتاجه بشكل عاجل، في عصرنا عصر الاحكام المفاجئة والآراء الفورية.


 في تحفته الصادرة عام 1910"كيف نفكّر""يقوم ديوي بدراسة مفصلة للتفكير، حيث يرى ديوي أن التفكير سمة الانسان الاساسية وهذا أمر بديهي مفروغ منه، ولكن يلزمنا الكثير من التدريب على إتقان فن التفكير، وكيف يمكن توجيه الفضول الطبيعي لدينا بطريقة منتجة عندما نواجه فيض من المعلومات.

يبدأ ديوي من تأسيس الفكر المثمر، فالعقل الخلاّق المبدع هو: العقل المفكر الذي لا ينطوي على مجرد تسلسل للافكار، بل هو ترتيب يساهم فيه كل جيل في تعزيزه بالنتائج السليمة. إنه يُشبّه الامر بتيار او قطار او سلسلة يعتمد بعض اجزاء الفكر على بعضه الآخر.
من جانب آخر يُلاحظ ديوي السمات الفكرية"للإيمان المسبق"ويُعرّفها:
"المعرفة الحقيقية او المفترضة التي تتجاوز ما هو موجود مباشرة والتي تتسم بقبول او رفض شيء معقول ومُحتمل أو غير محتمل، وأن عملية القبول أو الرفض تتم دون النظر الى الإتجاهات الفكرية المُعاكسة والتي هي واحدة من أكثر العيوب الجوهرية للبشرية.
إن ميلنا الى بناء معتقداتنا على أساس عدم كفاية المعرفة والفهم ثم التمسك بها بصورة عمياء ورفض جميع الأدلة المعاكسة، والتأثّر بالصور النمطية والأحكام المسبقة هي من منتجات هذا التفكير الإيماني-العقائدي. إن هذا الفكر لا يقدم انعكاساً حقيقياً للمعرفة بل يقوم على اختصارات معرفية تعوق عملية التفكير غالباً، بل تعوق عمليات التفكير الخاصة بكل فرد. إن مثل هذه الأفكار تكبر دون وعي ودون فكر تحقيقي للوصول الى المعرفة الحقيقية.
إن المعرفة الملتقطة من مصادر غامضة لا يمكن التحقق من صحتها، في حالة قبولها دون تحقيق تُصبح جزءاً من الأثاث العقلي لدينا، تدخل في التقاليد والتعليم والمحاكاة، وتصبح سلطة حاكمة علينا بشكل من الاشكال، وبالأخص إن كانت عاطفة قوية هي المسؤولة عنها. إن هذه الافكار المسبقة والاحكام المسبقة ستكون مسؤولة عن محو الأدلة حتى لو وجدت امام اعيننا.
للتفكير الصحيح، يدعونا ديوي الى النظر في أصل معتقداتنا بل وكيفية تأثيرها في أفعالنا وتصرفاتنا، والتي تؤثر بالفعل دون شك. إن التفكير في أفضل معانيه، هو ما يترتب عليه الكثير من العواقب والمعتقدات، فالتفكير بأن الارض مسطحة وأن هذا الامر حقيقة وليست خيالا، هذا الاستنتاج، سيقود المرء الى الاعتقاد بأفكار خاطئة عن الاجرام السماوية الاخرى وحدود الكرة الارضية وإمكانية التنقل على الارض إنه سيبني تصوره وفقاً لهذه الاشياء وذلك المعتقد.

إن عملية التفكير التأملي هي أقوى ترياق لدينا للمعتقدات الخاطئة. إن التفكير التأملي هو ببساطة إحتضان اللايقين وتسخير قوة"اللاعلم"للوصول للمعرفة الحقيقية، فالتفكير تبعاً لذلك هي العملية التي تقوم على إستخدام المعطيات الراهنة للوصول الى حقائق اخرى بناءاً على الأدلة الجديدة، او بإختصار نلّخص الطريقة للوصول الى حقيقة جديدة بِ:
1-حالة من الحيرة والتردد والشك.
2-عملية البحث او التحقيق الموجه لمزيد من تسليط الضوء الذي يعمل على تأكيد او إبطال الفكرة او الاعتقاد المقترح.
يُجادل ديوي، أن التخبط في التفكير قد يساعدنا في إيجاد أنفسنا وأنه قد يشعل شرارة التفكير لدينا ويجعلنا ساعين لطلب العلم. إنه نوع من الارق النفسي القادم من الغموض ومحاولة فكّ هذا الغموض. إن هذا الامر هو ما يسميه الشاعر جون كيتس ب"القدرة السلبية"وهي تلك القدرة التي تترسب حول جهودنا لحل المشكلة والقلق الناتج عنها. في اجواء الحيرة تلك، يصبح فن التفكير النقدي حاسماً، أن تتحمل مسؤولية الشك الكبير الذي يعتريك.
إن واحدة من اهم مزايا التفكير النقدي أن تبقى في حالة الشك وعدم التأكد وأن لا تُرحّب كيفما كان في أية معلومة جديدة، وأن لا تضع هدفاً مسبقاً للافكار التي تُريد الوصول اليها. في حالة قبول الاقتراحات دفعة واحدة دون تمحيص وبالحد الادنى من التفكير، يُفقدنا ذلك مزايا عديدة، فهو يُفقدنا البحث عن أدلة أضافية على البيانات الجديدة ويُفقدنا أية اقتراحات لتطوير الفكرة أو رفضها.
فأسهل طريقة تبعث الارتياح النفسي هي قبول الاقتراحات التي تبدو معقولة دون إعمال التفكير النقدي التأملّي، فالتفكير التأملي هو أكثر ازعاجاً لأنها تنطوي على محاولات التغلب على الجمود وعدم قبول الاقتراحات مباشرة دون إحاطتها بسيل من التساؤلات والتشكيك، بل أنها قد تنطوي على نوع من الاضطراب العقلي، فالتفكير التأملي هو تعليق إصدار الحكم للمزيد من الاستفسار والذي ربما يكون مؤلماً بعض الشيء، الحفاظ على تلك الحالة من الشك والاستمرار في التحقيق المنهجي طويل الامد، ولكن رغم تلك الاضطرابات فإن ذلك هو من اساسيات التفكير.
يقول ديوي: إن الاشخاص الاكثر ذكاءاً هم أولئك الاكثر مهارة في ترشيد معتقداتهم وسلوكياتهم الخاطئة الناتجة عن تلك المعتقدات. فالذكاء الطبيعي ليس عائقاً امام انتشار الخطأ، فالعقول غير المدربة على التفكير النقدي والتي لا تمتلك خبرة فكرية كبيرة تؤدي الى تراكم المعتقدات الخاطئة، والاخطاء ستدعم بعضها بعضاً بشكل متبادل وسيصبح نسيجاً من الخطأ ونمطاً ثابتا من سوء الفهم.
يرى ديوي أن أعظم هدية نمتلكها هو أن نتخيّل أشياء لم نراها او نواجهها حتى الان، بل نبني تصورنا عن ذلك الشيء الغائب او المستقبلي بناءاً على معرفتنا في الوقت الحاضر وذلك ما يهبنا"الإبصار المنهجي"والذي يجعلنا نبني على أساس الغائب والمستقبل، هذا الخيال قد يكون من أخطر المزالق وقد يكون أعظم امكانية في تعلّم فن التفكير النقدي التأملي فهو سلاح ذو حديّن.
تتعرض عملية التواصل بين الغائب والحاضر الى مجموعة من الاخطاء الغريبة، فهي عرضة للتأثّر بعدد من الاسباب اللامرئية واللامدروسة، كالتجارب السابقة والعقائد الثابتة، والتحريك من مصلحة ذاتية، وإثارة العواطف والكسل العقلي المحض، ويجمع ذلك بيئة اجتماعية غارقة في التقاليد المتحيزة والتي تتحرك بتوقعات كاذبة، وهلم جرا.
ممارسة الفكر هي بالمعنى الحرفي لكلمة ممارسة الاستدلال، أن تزدحم الأدلة، والايمانات وأشياء أخرى في بالنا حول موضوع معين، إنه ينطوي على ممارسة القفزات، قفزة قفزة، ليتم تجاوز المعارف المؤكدة لدينا الى شيء ما يُبنى عليه. في خلال ذلك، يجب الانتباه الى الظروف التي تحدث فيها تلك القفزات نحو المجهول، فهناك خطرٌ من الخطوات الخاطئة التي لا تُرسيك على فكرة صحيحة. لذلك يجب الاهتمام بالسياق الذي حدثت فيه الفكرة والظروف التي تمنحها المصداقية، يقول ديوي: أن الانتباه الى هذا الامر هي وظيفة التفكير النقدي. إن الشيء الذي يخرج من اختبار ومحاكمة التفكير النقدي، بلا ذرائع او ممارسة الخداع، هو الذي يحمل أوراق إعتماده معه، وتتم الموافقة عليه لانه عندذاك تم اثباته..
لذلك يجب التمييز بين المعتقدات والافكار التي ترتكز على دليل اختبار وبين تلك التي لا تمتلك ذلك، إن الموافقة على فكرة ما يتطلب معرفة وخبرة كبيرتين تختبر تلك الفكرة قبل الايمان بها.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية