العدد (4119) الاربعاء 24/01/2018 (هرمان ملفل)       لماذا نقرأ موبي ديك       موبي ديك: محنة الكاتب وسحر الرواية       موبي ديك... حين يتحول طلب الثأر عمى للبصر والبصيرة..       هرمان ملفيل: كن أمينًا لأحلام شبابك       هرمان ملفيل.. وذكرى متجددة لمن عاش النسيان حكاية أمريكى أسس شِعر البحر فى الرواية       هيرمان ملفيل... ثلاث نظريات حول رائعته موبي ديك       "موبي ديك" لهستون: حين اقتبست السينما الرواية المستحيلة       كيـف أَلْهَمَ العِلْمُ روايـةَ «موبي- ديك»       هيرمان ميلفل.. شكسبير أمريكا البائس    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :39
من الضيوف : 39
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 19320437
عدد الزيارات اليوم : 10135
أكثر عدد زيارات كان : 33537
في تاريخ : 15 /03 /2017
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


"أندريه مالرو" مصر

رفيق الصبان
كنت أعرفه قبل أن  أراه أعرفه من خلال ما كان يقوم به كوزير للثقافة وما يقدمه لنا كباحث  وعالم ومؤرخ وفنان.. وأخيرا تسللت من بين سطور مذكراته لأستشف من خلالها  الإنسان الكبير والروح الهفهافة الباحثة عن الجمال والهارموني في كل ما  تراه وتلمسه وتبحث عنه. كنت أتابع بذهول ما فعله لمصر وللثقافة العربية  وكيف بني جسورا من ذهب وياقوت تربط بين حضارة عربية إسلامية عريقة وبين  معالم حضارة أوروبية مازالت مشاعلها تضيء أرجاء الدنيا..


 إنه واحد من هؤلاء الفرسان الكبار الذين بدءا من رفاعة الطهطاوي ووصولا إلى طه حسين وتوفيق الحكيم عرف كيف يمسك بالخيوط السحرية التي تجمع بين دفقات عمر الخيام الفارسية وبين أصداء "ليليات"شوبان المليئة بالشجن.. وبين الرسومات الإسلامية المغرقة في تجريبيتها المبكرة وبين أعمال شاجال ودوفي المنمنمة والعابقة بالسحر الأسطوري.

تاريخ الفن
كتبه الفريدة من نوعها عن الفن التشكيلي في أرجاء العالم الأربعة انطلاقا من الفنون اليابانية والصينية القديمة والمتصلة بتراث آسيوي روحي قديم مازالت حبات اللؤلؤ المنثورة تناثر بين خيوطه الفضية المبهرة.
كل كتاب من هذه السلسلة الفريدة في نوعها وفي قيمتها وفي مكانتها من تاريخ الفن التي كانت تحمل اسم "العين ترى والأذن تسمع" تحفة فنية في شكلها وتكوينها ومضمونها وإبداعها.

ولم يكتف "عكاشة" بهذا العمل الخارق الذي يضعه لوحده في مصاف كبار الباحثين والعلماء والفنانين في عصره.. قيمة ومضمونا وأسلوبا وطريقة بل تابع جهده الثقافي بترجمة رائعة لأدب جبران وخصوصا كتابه الأثير "النبي" كما اتبعه بدراسات متعمقة لبعض الموسيقيين الذين أحبهم حتي الثمالة كفاجنر الذي ربما كان ثروت عكاشة من قلائل المثقفين العرب الذين تغلغلوا إلي أعماق عالمه وعرف كيف يعبر عن همومه وإرهاصاته ورؤاه المستقبلية في الموسيقي والتاريخ.

كتب متناثرة كزهور عباد الشمس في أرض قاحلة.. تري فيها منبعا للجمال الدائم والوحي الذي لا ينقطع.
ولم يكتف "ثروت عكاشة" بكل هذا الذي فعله في دنيا الأدب والكتب والتراث بل راح يسجل خواطر في كتاب للمذكرات ضخم ومثير.. حافل بكل ما مر علي مصر في تاريخها الحديث من خلال رجل خاض غمار ثورة غيرت مصير بلده ثورة سياسية كان له باع كبير بها وثورة ثقافية كان يترأس حركتها ويقود زمامها.
منذ أن وضعت الثورة أحمالها أدار ثروت عكاشة ظهره للسياسة ليتصرف كليا للأدب والثقافة سفيرا لبلده في بلدان كفرنسا وإيطاليا عرف كيف يغرف من كنوزها ويشرب من "خمرها" الثقافية حتي الثمالة واستطاع أن يكون خلال رحلته الدبلوماسية هذه صداقات نادرة مع رجال نادرين عرف كيف يتحدث عنهم في يومياته بأسلوبه الحاذق وبنظرته العميقة النفاذة.
ومن خلال هذه اليوميات النادرة في أدبنا العربي الذاتي ملأ "ثروت عكاشة" صفحاته باستشهادات من كتّاب ترجم لهم وأتاح لقراء العربية لأول مرة قراءة مقاطع كبيرة من أعمال لهم سحرته هو شخصيا وأراد لها بحق أن تسحر قرّاءه كأنطوان دي سانت أكسبري وسواه.
وعندما حطت به الرحال أخيرا ليكون وزيرا للثقافة يملك الصلاحيات كلها حقق لنفسه لمصره التي أحبها حتي النخاع.. ما لم يحققه رجل من قبله الذي سيشكل بعد ذلك مثالا من الصعب الوصول إليه أو تقليده مهما كانت مواهب هذا الرجل الذي سيحتل الكرسي الذي احتله.
أنشأ أكاديمية الفنون بكل فروعها أرسل طلابا موهوبين للتخصص في مجالات فنية لم تكن لتعرفها مصر مثله.. كالباليه وقيادة الأوركسترا السيمفوني والعرائس.. فتح الأبواب وأتاح الفرص أمام التجريب المسرحي وتقديم النصوص العالمية تعاقد مع كبار المخرجين الأوروبيين من روس وفرنسيين ويونانيين وإيطاليين للمجيء إلي مصر وإخراج مسرحيات عالمية لها إشعاع ثقافي لا يغيب.

عالمية مشتهاة
وأعطي الفرص لفنانينا بالتألق والوصول إلي عالمية مشتهاة من خلال أعمال لا نصدق حين نذكر أسماءها الآن أنها كانت محلقة في زمن ما علي خشبات مسارحنا المصرية.
اشتري الأورج الذهبي الكبير.. الوحيد من نسختين فقط متواجدين في العالم كله جعل إحداهما ملكا للموسيقي المصرية وبني له مسرحا خاصا أطلق عليه اسم "سيد درويش".
نجح في استقدام كبار الفرق المسرحية والأوبرالية الغربية لتقديم عروضها علي خشبة المسرح المصري ولتكوين جيل جديد من الفنانين يعتمد علي الرؤية والتأثر وليس علي السماع أو قراءة الأبحاث.

غزل الخيوط السحرية التي تجمع بين حضارة الشرق العريقة وحضارة الغرب المتوثبة وجلس ينظر حصد ثمارها.
وتشكلت فرقة الباليه المصرية وفرقة الأوبرا المصرية وفرقة السيمفوني المصرية وفرق الرقص الشعبي وفرق الكورال وفرق تنمية المواهب وفرق العرائس.
ومد يده للأقاليم.. وافتتح قصور الثقافة في كل بقعة من بقاع المحروسة لكي ينعم أفراد الشعب كله بثقافة هم بحاجة إليها وبنور حقيقي ينقذهم من الظلام الذين يعيشون فيه.
وتوج جهوده في وزارة الثقافة بعمل تاريخي ربما كان من أهم الأحداث الثقافية التي مرت علي مصر في القرن العشرين.. استطاع أن يحصل علي تمويل عالمي لإنقاذ معبد أبو سمبل من الغرق.. بعد بناء السد العالي وإنقاذ آثار النوبة التي تغير من معالم التاريخ الفني لمصر.
جهد كان يستحق عليه دون شك جائزة نوبل التي خسرت كثيرا لعدم إهداءها إليه فما من رجل غيره كان يستحقها علي مدار السنوات الخمسين الأخيرة للقرن العشرين.
كل هذا عرفته عن الرجل.. قبل أن أراه وكل هذا جعلني أحرص علي أن ألقاه وأتهيب من هذا اللقاء في الوقت نفسه.
ما الذي يمكنني أن أقول لهذا الرجل الذي حمل علي كتفيه عبء ثقافة بلد حضاري كبير كمصر.. رجل صنع لوحده ما عجز عشرات الرجال عن صنعه.

أندريه مالرو مصر
لقد وصفه بعض محبيه ومتابعي نشاطه بأن "أندريه مالرو"مصر تيمنا بوزير الثقافة الفرنسي والأديب الكبير الذي منحه ديجول نفس الصلاحيات التي منحها عبد الناصر لـ"ثروت عكاشة".. وهذا شرف كبير لعكاشة ولمالرو معا ولكني أرى دون تعصب أن مالرو قد يتفوق علي عكاشة كمؤلف حقيقي فقط ولكنه لا يفوقه كباحث حضاري وكمؤرخ للفن في كل عصوره وكرجل أعطي بلده من عصارة روحه وفكره.. وثقافته وإيمانه ما يعجز رجال مثله عن إعطائها إياه.
كيف لي أن أواجه هذا الرجل.. وكيف لي أن ألقاه.. وهل يمكن لأي منا أن يقف أمام جبل شاهق ويحدثه أو يسمع إليه.
ولكن المعجزة حدثت.. وقبل الرجل أن يلقاني في فيلته الصغيرة في المعادي في موعد حدده لي.. ولم أصدق نفسي أنني قد حصلت عليه.
وفي الموعد المحدد.. وصلت إلي فيلته البيضاء الشامخة وحديقتها المزينة بالتماثيل التي جاءت من أركان الدنيا الأربعة من آسيا البعيدة إلي وادي النيل الفرعوني.. إلي الأمجاد اليونانية.. وفي بيت زينت كل زواياه باللوحات النادرة والتماثيل العاجية.. والإكسسوارات الثمينة القادمة من أحشاء التاريخ، كان يجلس وراء مكتبه المليء بمئات الكتب المكدسة في كل أركان الجدران وعلي صفوف المكتبة الخشبية ذات الألواح الزجاجية الرقيقة.. وخلف المكتب تصطف أربعون لوحة صغيرة للشهنامة الفارسية وأمامه علي مكتبه الأنيق تمثال أثري قديم أهداه له "مالرو"يضعه أمامه كأيقونة.
كان يبتسم واقفا جليلا تفوح المحبة من عينيه ويبدو صوته الأمر الآسر والصادر من أعماق القلب وكأنه غناء ديني حافل بكل المعاني والقيم.
كان بسيطا شديد البساطة في حديثه ذكيا شديد الذكاء في أسئلته واعيا شديد الوعي في كل كلمة يقولها أو يسمعها أو يعلق عليها.
تحدثنا عن جبران وكتاب "النبي" الذي ترجمه بروعة مدهشة وعن يومياته وعن "سان اكسبري " وعن "مالرو".. وعن مسرح النو الذي رأيناه معا دون أن ندري في أحد احتفالات البندقية في الخمسينات وعن الحضارة السنسكريتية وعن فرق الفنون التي أنشأها.

تحدثنا عن "فاجنر" وعن "بوريس جودونوف" لمدسورسكي التي يحبها وعن السينما التي يحرص علي رؤية أعمالها الكبري حدثني عن إعجابه بالنقل السينمائي الذي قام به زيفاريللي لأوبرا لاترافياتا وحدثني عن ماريا كالاس التي عرفها.
وابتدأ سيل من الأحاديث ابتدأ ذات مساء صيفي في ليل المعادي.. وامتد بنا بعد ذلك شهورا طويلة بل وسنوات عدة خيل لي فيها أني وأنا الظمآن أشرب من نبع من ينابيع الجنة لا ينتهي تدفقه.. لكن لكل هذا حكاية أخري ربما يأتي وقت آخر لروايتها.

عن الاهرام



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية