العدد (4295) الخميس 18/10/2018 (شفيق المهدي)       شفيق المهدي في رحيل مباغتْ..       شفيق رسائلي لك.. صعوبة بالتهجي وكتابة الألم       نزهة في مسرح شفيق المهدي..لا يوجد عمل فني بمعزل عن التجربة الوجدانية       مع الدكتور شفيق المهدي في (أزمنة المسرح)       د.شفيق المهدي.. نص سارتر مكان الجحيم       قالوا في رحيل شفيق المهدي       العدد (4294) الاربعاء 17/10/2018 (فيليب روث)       حوارٌ مع الروائي فيليب روث: ما أرغب فيه فعلاً أن أجد فكرة تبقيني مشغولاً حتّى موتي       فيليب روث.. الكفاح بالكتابة    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :35
من الضيوف : 35
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 22597263
عدد الزيارات اليوم : 8690
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


رائـــــد التنويـــــــر الثقــــــــافــي

أسامة الألفي
برحيل المثقف  الموسوعي الكبير د.ثروت عكاشة لم تفقد مصر فقط أبنا مخلصا أحب ترابها ووهب  عمره لخيرها، وإنما أيضا فقدت واحدا من رواد حركة التنوير الثقافي، أعاد  بإخلاص صياغة وجدانها، ورحل وقد ترك بذرة عمله الجاد مثمرة نامية تبث شذاها  في شتي أنحاء عالمها العربي.


ظروف صعبة
جاء توليه مسؤولية الثقافة في ظل ظروف صعبة، تمثلت في صراع محموم تحياه مصر بين المثقفين الطامحين في الحرية، وثوار يوليه المنقلبين علي الحياة الديمقراطية، وهو صراع نقل د.عكاشة إلينا جانبا منه بأمانة وتجرد في كتابه "مذكراتي في السياسة والثقافة"، فلم تكن علاقة الرئيس جمال عبد الناصر بالمثقفين مستقرة بل خضعت لشد وجذب، إذ كان - برغم صدق وطنيته ونزاهته الشخصية وشعبيته الجارفة - لا يقبل أن يعارضه أحد، أو يقول رأيا مخالفا لرأيه، وكانت أبواق مثقفي السلطة تطبل له وتهلل ليلا ونهارا، مخفية عنه الحقائق ومزيدة إياه اقتناعا بصواب آرائه وطروحاته، فيما تواري المثقفون الأصلاء تجنبا للصدام واحتراما لإبداعهم، ليقينهم أن الإبداع لا ينمو في جو من الحرية.
في وسط هذه الأحوال المضطربة، تولي د.عكاشة قيادة المسيرة الثقافية للثورة واضعاً نصب عينيه مقولة الفيلسوف وول ديورانت: "إن الدولة خلقت من أجل الإنسان لا الإنسان من أجل الدولة"، واستطاع بالكفاح والصدق والإخلاص توطيد أركان الوزارة علي معايير علمية، وتأسيس مشروع الثورة الثقافي ووضع البنية التحتية له، وفي الوقت ذاته إيجاد مساحة من الديمقراطية تتيح التعددية الثقافية.
ولتوليه الوزارة قصة رواها في حوار أجرته معه قبل عام الزميلة المبدعة "نعم الباز"، إذ ربطته بقائد الثورة جمال عبد الناصر صداقة وطيدة، وفي بيته سمع ناصر أول سيمفونية في حياته، وبذكائه الفطري وعلمه بأهمية الثقافة في حياة الشعوب ودورها في الارتقاء بها ومعرفته تحلي د.ثروت بثقافة راقية أتاحتها له أصوله الأرستقراطية، والنجاح الذي حققته مجلة "التحرير" إبان فترة رئاسته تحريرها، فاجأه ذات يوم في عام 1958م باختياره وزيرا للثقافة، موضحا أن مهمته تمهيد المناخ اللازم لإعادة صياغة الوجدان المصري، ولم يمهله ناصر يومين للتفكير كما طلب وإنما أصدر القرار عن اقتناع أنه أصلح من يتولى قيادة مسيرة ثقافة مصر ما بعد الثورة.

رؤية مخلصة
انطلق د.عكاشة في عمله من رؤية مخلصة مثلت منهاجا للطريق الذي اختطته، رؤية تجسدت في قوله: "إن الثقافة عمل وعلم معا، ثم موقف واضح من هذا العلم وهذا العمل، فليس يكفي أن يحصل المرء قدرا من الخبرات والمعرفة، لكي يسمي مثقفا، وإنما المثقف هو من يتخير من خبراته ومعارفه وسيلة لتطهير نفسه، فيجعلها أسلوبا للحياة ينتهجه".
وكان توليه مسئولية الوزارة بمثابة نقلة كبري لمسيرة الثقافة المصرية، حيث بدأ بمعونة مثقفين أصلاء في رسم خريطة ثقافية فيها من الأصالة الحفاظ علي التراث والموروث، ومن الحداثة التعرف علي الفنون العالمية الرفيعة التي تحتاجها مصر للتواصل مع البشرية، وكان أول ما فعله وضع خطة لتأسيس البنية التحتية للثقافة، بحيث تتجاوز القاهرة والإسكندرية لتشمل جميع الأقاليم والمدن التي حرمت زمنا طويلا من الإشعاع الثقافي، كما أدخل فنونا تعبيرية لم تعرفها مصر، واستقدم الخبراء لها، وأرسل البعثات إلي مختلف بلدان العالم المتقدم، موجدا بذلك جيلا مسلحا بالموهبة والثقافة معا، وتكريما للثقافة والفنون قرر منح تفرغ لكل فنان أو أديب لديه عمل إبداعي في حاجة لتفرغه، ولا ننسي دوره البارز والمهم في تحفيز شعوب العالم وحكوماته للإسهام في إنقاذ آثار النوبة ومعبد أبي سمبل ومعبد فيلة عند إنشاء السد العالي.
على المستوي الوطني لا ننسي أنه وخالد محيي الدين ويوسف صديق، كانوا من أنصار التحول الديمقراطي للثورة، والذي عارضه باقي الثوار، كما كان له دوره الوطني إبان العدوان الثلاثي 1956م، فمن باريس، حيث كان يعمل ملحقا عسكريا استطاع أن يمد الحكومة المصرية بخطة العدوان مما قلل من الخسائر، كذلك فإنه لم يكتف بوضع البنية الأساسية للثقافة المصرية، لكنه أيضا حمي الثقافة وكثيرا من المثقفين ومن بينهم أديب نوبل نجيب محفوظ من دسائس مرتزقة السلطة، ولنا أن نقارن بين مواقفه النبيلة إلي جانب المثقفين، وموقف كاتب صحفي كان يترأس مؤسسة صحيفة كبري، قام في وقت الستينات بفصل 39 كاتبا مرموقا من بينهم عميد الأدب د.طه حسين، وتوزع المفصولون ما بين إحالة للمعاش أو النقل للمجمعات الاستهلاكية وشركات الأحذية!
علامة بارزة
ولا جدال أن د.عكاشة كان علامة بارزة في تاريخ الثقافة المصرية، إذ حقق عديدا من الإنجازات التي نزهو بها اليوم ونستفيد منها، إلا أن الحديث عن الإنجازات لا ينسينا دوره كمثقف ونتاجه الفكري وهو نتاج ثري، بل قد نذهب للقول إن دوره الأبرز والأكثر استمرارية،  "ليس دوره كوزير وإنما كمثقف يكتب ويترجم منذ الأربعينات، وحتى أيامه الأخيرة"، فهو واحد من رواد حركة التنوير الثقافي في عالمنا العربي، أثرى المكتبة العربية بمؤلفاته التي بلغت 25 مؤلفا، أهمها مشروعه الثقافي الذي صدر في سلسلة مجلدات كبيرة، حول تاريخ الفن بعنوان "العين تسمع والأذن ترى"، وتناول فيها الفن المصري منذ القدم وصولا إلي تاريخ الفنون في العالم أجمع، فضلا عن كتبه خارج سلسلة تاريخ الفن، ومنها: المعجم الموسوعي للمصطلحات الثقافية: إنجليزي - فرنسي - عربي، مذكراتي في السياسة والثقافة، مصر في عيون الغرباء من الرحالة والفنانين والأدباء "1800- 1900م"، مسخ الكائنات، ترجمة عن الشاعر اللاتيني أوفيد، فن الهوى، ترجمة عن الشاعر اللاتيني أوفيد، وترجماته لمؤلفات جبران خليل جبران: النبي، حديقة النبي، عيسي ابن الإنسان، رمل وزبد، وأرباب الأرض، الأمر الذي استحق معه أن يتوج بالعديد من الجوائز والتكريمات من مصر وفرنسا واليونسكو والإمارات، إلا أن التكريم الأكبر له تمثل في التقدير الكبير الذي كان يقابل به من المثقفين، حيثما حل.

المحارب الثقافي
واختتم باقتباس جزء من كلمة سجلها المفكر صبحي الحديدي في تقريره عام 2004م لهيئة جائزة سلطان بن علي العويس للإنجاز العلمي والثقافي إذ كتب "الدكتور ثروت عكاشة محارب ثقافي قديم، وأستاذ كبير، إنه رائد في النقد الفني وتاريخ الفنون، وفي تحقيق وترجمة أمهات الكتب، ومع التقدير الكبير لشخصه ولإنجازاته الثقافية، ورغم أن ممارسة النقد الفني تدخل في صلب عملية نقد الإبداع الإنساني، فإنني أجد أن مكان الدكتور ثروت عكاشة الطبيعي ليس الجائزة المخصصة للدراسات الأدبية والنقد، إنه بالأحرى، جدير بالترشيح لجائزة الإنجاز الثقافي والعلمي عن كامل أعماله وإسهاماته والخدمات الجليلة التي قدمها للحياة الثقافية العربية". رحم الله د.عكاشة وأثابه خيرا عما قدمه من خير لبلاده وأمته العربية وأعان تلاميذه ومحبيه علي مواصلة استكمال مشروعه التنويري الثقافي.
جريدة الاخبار المصرية



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية