العدد(4233) الاثنين 16/07/2018       الذكرى الستون لثورة 14 تموز 1958.. كيف انسحب العراق من حلف بغداد؟       ثورة 14 تموز 1958..من أحداث الثورة في أحاديث الراحل حسين جميل       كيف صدر دستور الجمهورية العراقية الأول؟       محمد حديد: محمد حديد: هذا رأيي في حكومة ثورة 14 تموز 1958       أوّل إنجازات ثورة 14 تموز 1958 قانون الإصلاح الزراعي.. كيف صدر؟ وكيف تأسّست أولى الجمعيات الفلاحيّة       من ذكريات ثورة 14 تموز 1958       الشاعر الجواهري وقيام ثورة 1958       العدد (4231) الخميس 12/07/2018 (نوري مصطفى بهجت..رحيل آخر رواد الفن العراقي)       نوري مصطفى بهجت متعــة الرســــم    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :23
من الضيوف : 23
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 21300575
عدد الزيارات اليوم : 823
أكثر عدد زيارات كان : 33537
في تاريخ : 15 /03 /2017
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


من مذكراته في وزارة الثقافة..ثروت عكاشة يرصد ملامح سياسته الثقافية

عبد الناصر قال لى : مهمتك هى  تمهيد المناخ الثقافى لإعادة صياغة الوجدان المصرى.. وتذكر أن بناء المصانع  سهل.. ولكن بناء الإنسان صعب جدا!
لم يكد يحل مساء الثامن من أكتوبر  1958 حتى كنت في رفقة زوجتي نشغل مقعدين في الصفوف الأولي من دار الأوبرا  بروما كي لا تفوتنا لفتة أو همسة تبدو من المغني الموهوب بوريس كريستوف  الذي كان يقدم أوبرا دوريس جودفون.


وظلت الألحان تتردد في وجداننا بعد انتهاء العرض حتى امتدت يدي إلي مفتاح جهاز الراديو لأستمع كالعادة إلى نشرة أخبار الحادية عشرة من إذاعة القاهرة، فإذا بالخبر الأول الذي يحمل مفاجأة مذهلة فقد كانت القاهرة تذيع قرار تشكيل حكومة جديدة تضم بين أعضائها اسمي وزيرا للثقافة والإرشاد القومي بدلا من المنصب الذي كنت أشغله آنذاك وهو سفير مصر في روما.
انمحت صورة الحفل من فكري وخمدت ومضاته فجأة، وشملني قلق غامر، وشرد ذهني إلي ما ينتظرني من عمل في القاهرة. وبرغم إيماني بأهمية العمل الثقافي إلا أن منصب الوزير ذاته لا مفر من أن يدخلني في غمرة المشتغلين بالسياسة وهم في كل بلاد العالم وليس في مصر وحدها رجال ذوو استعداد طبيعي وطباع خاصة تمليها عليهم حرفة السياسة وأنا على طبع مغاير. فحين انتميت إلى الضباط الأحرار كنت أحمل بين جوانحي شعورا عاما لتحرير الوطن والشعب دون تفكير فى أن أزج بنفسي في غمرة السياسة..
لهذا وبعد نجاح الثورة تنازلت طواعية عن مكانى الذى عرضه علىَّ جمال عبد الناصر فى مجلس قيادة الثورة لزميل فاضل، مبتعدا بنفسى عن تيارات السياسة واضعا نصب عينى أن أقدم لوطنى ما تسمح به إمكاناتى. وكان ظمئى إلى المعرفة يجعل الكتاب أقرب رفيق لى، وكان ولعى بالموسيقى يشدنى إلى مواطن النغم، وهكذا كانت هواياتى الفنية تستحوذ على أوقات فراغى كلها وتثير فى نفسى ضيقا وتبرما بجلسات الدردشة، وتصبغ خطواتى وتنقلاتى بطابع العجلة التى تترك فى نفوس البعض شعورا بأن فى نفسى تباعدا أو تعاليا، وإن لم تكن تلك حقيقة مشاعرى، بل هى مجرد الرغبة الملحة فى مطالعة كتاب جديد أو سماع لحن شجى.
مر فى ذهنى العديد من الخواطر والذكريات وأنا أتجول فى غرفتى غدوا ورواحا بعد أن أرقنى نبأ تعيينى وزيرا فاستعصى على النوم بقدر ما غاب الهدوء عن وجدانى، وأخذت أقارن بين رضائى يوم فوجئت بتعيينى سفيرا لمصر فى روما منذ ما ينيف عن سنة وبين البلبلة التى اعترتنى لتعيينى وزيرا، ولم يكن الأمر عندى هو مقارنة بين السفارة والوزارة، فالسفير رغم مباهج عمله فى عراقة عواصم أوروبية كروما لا يعدو أن يكون موظفا محدود الاختصاصات ضيق الدائرة التى يتحرك فيها أو التى يمتد إليها نفوذه، فى حين يملك الوزير صلاحيات كبرى ويستطيع التأثير فى مجال ينفسح ليشمل الوطن كله، غير أن الأمر كما أتصور كان مناخ العمل هنا وهناك، فلقد كنت أحس وأنا سفير أنى بين مجموعة يسودها التواؤم والتوافق، كلنا نعمل لهدف معين محدد، وكما أنا فارغ له هم الآخرون فارغون معى له، بينما الأمر سيكون فى الوزارة كما كنت أتخيل على العكس من هذا، إذ ثمة أمور عامة يقتضيها منصب الوزير ستشغلنى عن التفرغ لأمور الوزارة. ولقد فكرت فى هذا مليا إذ أن بعض هذه الأمور قد لا يتفق وميولى، وهذا مما كنت أراه من ضم الحقل السياسى لشلل وتجمعات همها ألا يزاحمها فى سلطانها أحد، وكثيرا ما تنشأ معها المكائد والوشايات، وكان هذا مبعثا آخر لقلقى، إذ لابد لى من حذر واسع كى أدفع عن نفسى ما قد يحاك لى.

لقاء مع عبد الناصر
وكان أن انتهيت إلى أنه لابد لى من أن أعود إلى مصر قبل مرور أربع وعشرين ساعة ومقابلة الرئيس راجيا إعفائى من شغل منصب الوزير، والحق أن جمال عبد الناصر أدرك منذ مصافحتى له كل ما أضمره وكأنما كان يقرأ أعماقى، وأخذ يفيض فى السؤال عن أسرتى وصحتهم وأحوالهم ليؤجل بضع لحظات بدء مناقشة يعرف أنها ستكون طويلة وشاقة، حتى إذا انتقلنا إلى جوهر الحديث وصارحته باضطرارى إلى الاعتذار عن قبول منصب الوزير الذى لم أستشر فى أمر إسناده إلىّ، لا تقاعسا عن عمل جاد بل تحاشيا لوقوع صدام محتمل بينى وبين الشلل والتجمعات المتسلطة، استمع عبد الناصر إلى حديثى مصغيا كل الإصغاء مقدرا مشاعرى وأحاسيسى، ثم أخذ فى إقناعى وهو يقول : إن منصبك الآن فى وضع يعلو وضع بعض من لا تطمئن نفسك إليهم، كما أنك ستشغل مكانا بعيدا عن المكان الذى يعملون فيه، فوزارتك تقع فى مبنى مستقل بقصر عابدين، فى الوقت نفسه الذى ستكثر فيه لقاءاتنا معا بل وبشكل منتظم، كما أن هذا المنصب لن يغير شيئا من أنك تستطيع فى أى لحظة أن تجد بابى مفتوحا لك أو أن تتصل برقم تليفونى المباشر.
وحين ذكرت له ثانية عزوفى عن المناصب التى تشوبها صراعات على السلطة والنفوذ وما يتبعها من مضيعة للوقت والجهد وأنى أنفر من الخوض فى غمارها لأنها تستنفد طاقات مهدرة، أجابنى قائلا : أصارحك بأنى لم أدعُك لشغل وظيفة شرفية، بل إننى أعرف أنك ستحمل عبئا لا يجرؤ على التصدى لحمله إلا قلة من الذين حملوا فى قلوبهم وهج الثورة حتى أشعلوها، وأنت تعرف أن مصر الآن كالحقل البكر، وعلينا أن نعزق تربتها ونقلبها ونسويها ونغرس فيها بذورا جديدة لتنبت لنا أجيالا تؤمن بحقها فى الحياة والحرية والمساواة،"فهذا هو الغناء، وهذا هو العمل الجاد"على نحو ما ذكر فرجيل فى إلياذته، وإننى اليوم أدعوك أن تقبل على هذا العناء وذاك العمل الجاد، وأن تشمر عن ساعد الجد وتشاركنى فى عزق الأرض القاحلة وإخصابها، إن مهمتك هى تمهيد المناخ اللازم لإعادة صياغة الوجدان المصرى، وأعترف أن هذه أشق المهام وأصعبها، وأن بناء آلاف المصانع أمر يهون إلى جانب الإسهام فى بناء الإنسان نفسه، ولو أن سفيرا يستطيع أن يؤدى ثلاثين فى المائة فقط مما قمت به أنت فى روما فحسبى هذا. إن لك دورا تخدم به الوطن فى الداخل أهم من دورك فى الخارج، وأحب أن أبوح لك بأن على بابى هذا نحو عشرين متطلعا إلى منصبك هذا.
فعجلت بقولى : إذن فلتمنحه لأحدهم فإنى غير راغب فيه، فضلا عن أننى لا آمن من تلك السهام الطائشة التى سوف توجه إلىّ من ذوى الأغراض، فسائلنى بهدوئه العميق : ومن منا الذى يعمل آمنا من السهام المعادية؟ أولا تذكر أننا خرجنا ليلة 23 يوليو 1952 نحمل أرواحنا على أكفنا، وكل منا يضع فى احتمالاته ألا يعود إلى أسرته سالما، إن عظم المسئولية جدير بأن يثير فى نفسك ما عهدته فيك من إقدام، ثم ما الذى ستفعله فى وزارة الثقافة غير تحقيق أحلامك التى طالما كنت ترويها على مسامعى قبل الثورة وبعدها.

ذكريات ما قبل الثورة
وأخذ الرئيس يذكرنى بأننى لم أغادر القاهرة فى مهمة سياسية خاصة إلا وأعود بحديث مقتضب عن المهمة تاركا التفاصيل للتقرير المكتوب، بينما كنت أطلب فى الحديث عن النهضة الفنية فى الخارج وعما شاهدت من عروض مسرحية وموسيقية وأوبرالية ومن معارض فنية تشكيلية وعن أحدث الإنشاءات الثقافية، وعن أمنيتى فى أن تتحقق مثل هذه النهضة فى مصر، وهنا صارحنى الرئيس بقوله : لا أخفى عليك أن كل حديث كان يدور حول تنمية الثقافة والفنون كان يجعل صورتك تتراءى فى خيالى، وأذكر حديثنا قبل الثورة عن انحصار المتعة الثقافية خاصة الفنون الراقية فى رقعة ضيقة لا تنفسح إلا للأثرياء، وكيف ينبغى أن تصبح الثقافة فى متناول الجماهير العريضة وأن تخرج من أسوار القاهرة والإسكندرية لتبلغ القرى والنجوع، فمن بين أبناء هذه القرى الغائرة فى أعماق الريف بالدلتا والصعيد يمكن أن يبزغ عدد من الفنانين الذين يعكسون فى إبداعهم أصالتهم الحضارية، ويبدو لى أن الأوان قد آن لتحقيق هذا المطمح، وقد كنت أنتظر هذه اللحظة لأسند إليك مهمة وزير الثقافة، ولا تتصور أننى كنت أوفدك فى مهام مؤقتة إلى عواصم أوروبا أو فى مهام طويلة كعملك الدبلوماسى فى باريس وروما دون أن أضع فى اعتبارى ما تتيحه لك هذه الفرص من دراسة الأنشطة الثقافية والفنية فى أهم عواصم الفنون والثقافة فى العالم، وإننى أرى أنه ما زالت أمامك رحلات أخرى فى عواصم أخرى تضيف إلى حصيلتك فى هذا المجال زادا جديدا، لكنك ستقوم بهذه الرحلات بوصفك وزيرا للثقافة، وهو ما سيتيح لك فوائد أعظم وأنت تشيد أبنية الثقافة والفن فى مصر.
وأحسست أن عبد الناصر كاد يضيق علىّ الحصار وأن يمس أوتار قلبى، وأن يوقظ فى نفسى الأحلام والذكريات التى أخذت تلهب خواطرى وتشعل فى وجدانى قلقا عصيا على الخمود.
فقلت له : أرجو أن تمنحنى فرصة أعيد فيها النظر.
فقال لى مبتسما : حسبتك تريد فرصة تجرب فيها حظك فى موقع وزير الثقافة، وعلى كل فليكن لك ما تريد، أخلد إلى عزلتك ليلة أو ليلتين، على أن تتذكر أن قرار رئيس الجمهورية لا يقبل التغيير السريع الذى توده أو الذى كنت توده.

وصافحنى مودعا بعد ساعات أربع من النقاش الذى كان فيه بالغ الصبر، والذى أعترف أننى كنت فيه شديد العناد والتصلب، اتجهت إلى بيت المشير عامر الذى هنأنى بتعيينى وزيرا للثقافة وهو يقول لى : ها أنت الآن فى الموقع المناسب لتكوينك وتحقيق أمنياتك القديمة لصالح الفن والثقافة.
وحين سردت عليه موجز ما حدث بينى وبين الرئيس قال رحمه الله : إن عبد الناصر يعتمد عليك فلا تخيب أمله فيك، ثم إنه أوحى لك بأن تأخذ فرصة فى ممارسة مسئوليات هذا المنصب الجديد، فإذا مضت مدة ووجدت أن هناك عقبات فعلية فى طريق إنجازك لمشروعاتك كان من حقك ساعتها أن تطلب من الرئيس إعفاءك من المنصب الوزارى. وساعتها سيوافق الرئيس دون أن يجد فى ذلك ما يغضبه عليك أو يخيب أمله فيك، أما الآن فلا يجوز.
وقد اعتكفت فى بيتى ليلتين كما أشار علىّ الرئيس، وفى صباح اليوم الثالث تلقيت مكالمة منه يسألنى فيها عن رأيى الذى انتهيت إليه، فأجبته قائلا : أصارحك أننى حتى الآن لم أحس بالراحة لقبول هذا المنصب، فقال ضاحكا : هيا إلى مكتبك على بركة الله لا تهتم براحة النفس هذه فأنا كفيل بتحقيقها لك. ونظرت بعدها إلى رفيق السلاح يوسف السباعى الذى كان يزورنى عندها، ولم أكد أكرر عليه قولة جمال عبد الناصر حتى انفجر ضاحكا وقال لى بمرحه المعهود الذى كان يتسرب إلى قلوب محدثيه : أسرع يا ثروت، فأنت لا تدرك مفهوم كلمة"الراحة"فى لغة أهل الصعيد لأنها تعنى أحيانا"الراحة الأبدية"وما أظنك ترحب بها الآن.
دخلت إلى مكتبى راضيا بما قدر لى وقد انحسم الصراع الذى مزق نفسى أياما ثلاثة، وأخذت أوطد العزم على العمل رغم معرفتى بما قد يجابهنى من عقبات، ورفعت سماعة التليفون لأبلغ الرئيس جمال أنى أحدثه من مكتبى بقصر عابدين، وأحسست بدفقة الحماسة فى صوته وهو يطمئننى قائلا : تأكد أننى سأوليك كل الدعم والرعاية، فإنى واثق أنك سوف تستطيع أن تشكل رباطا وثيقا بين حركة المثقفين وحركة الثورة لتخلق منهما وحدة فعالة، فنحن فى حاجة إلى تعاون كل المفكرين المستنيرين فى إحداث التنمية الاجتماعية المنشودة.
استمهلت الرئيس شهرين أو ثلاثة أقوم خلالها بدراسة مبدئية لأوضاع الوزارة وتفرعاتها حتى أضع تصورى الخاص للانطلاق الثقافى وأحدد الخطة التى يمكن أن تحقق هذا الهدف لأعرضها عليه بعد اكتمالها، فقال لى مشجعا : تلك هى البداية السليمة، فخذ الوقت الكافى للدراسة والتأمل قبل أن تصبح تصوراتك قرارات توضع موضع التنفيذ، وبدأت أغرق نفسى فى العمل ليل نهار، وكأنما مرت يد سحرية على ذاكرتى فمحت منها تخوفاتى السابقة وترددى الذى صرت أندم على أنه حدث لى فى فترة كانت تمثل نقطة تحول بين عملين كليهما له مسئولياته الكبرى.
ما من شك فى أن حكومة الثورة قد اهتمت بالثقافة منذ بداياتها الأولى فأصدرت فى 25 يناير 1956 قانونا بإنشاء المجلس الأعلى للفنون والآداب والعلوم الاجتماعية فى شكل هيئة مستقلة ألحقت بمجلس الوزراء، وأوكلت إليه تنسيق جهود الهيئات الحكومية وغير الحكومية العاملة فى ميادين الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية وربط هذه الجهود بعضها بالبعض وابتكار وسائل تشجيع العاملين فى هذه الميادين والبحث عن الوسائل التى تؤدى إلى تنشئة أجيال من أهل الآداب والفنون يستشعرون الحاجة إلى إبراز الطابع القومى فى الإنتاج الفكرى المصرى بشتى ألوانه ويعملون على التقارب فى الثقافة والذوق الفنى بين المواطنين مما يتيح للأمة أن تسير موحدة فى طريق التقدم محتفظة بشخصيتها وطابعها الحضارى المميز، وقد عهد القانون برياسة المجلس إلى وزير التربية والتعليم، وتطورت تبعية المجلس على مدى الأيام إلى أن صار جزءا من وزارة الثقافة، وبعد ذلك أقامت حكومة الثورة وزارة الإرشاد القومى التى حملت بين مهامها بعض الشئون الثقافية المحدودة لاسيما فى مجال الفنون، وفى عام 1958 نشأت أول وزارة للثقافة بمصر، وكان هذا الإنشاء إيذانا بإقدام الحكومة المنبثقة عن الثورة على بذل جهد واع ومخطط من أجل تنظيم العلاقة بين الدولة وجهود المثقفين واستثمارها فى إثراء منجزاتها المالية والسياسية والاجتماعية بمنجزات ثقافية وفنية.

فتحى رضوان ووزارة الإرشاد
والحق أن وزارة الإرشاد القومى - رغم انحصار وظيفتها الأولى فى الدعوة لمبادئ الثورة والتعريف ببرامجها واتجاهاتها الاجتماعية والسياسية - قد مهدت الطريق حين أضافت إلى مهامها الإعلامية والتوجيهية مهمة ثقافية فنية حملت من أجلها فيما بعد اسم"وزارة الثقافة والإرشاد القومى"فى 22 فبراير 1958، فأنشأت مصلحة الفنون وإدارة للثقافة والنشر ومركزا للفنون الشعبية وبرنامجا إذاعيا على موجة خاصة سُمى"بالبرنامج الثانى"يهدف إلى الارتفاع بذوق الجماهير فى مجالات الأدب والفن والموسيقى الرفيعة، وكانت مدة إرساله ساعتين كل ليلة ثم امتدت إلى ثلاث ساعات، وقد كان للعالم الفنان الدكتور حسين فوزى فضل المشاركة بالجهد الأساسى الواعى فى هذا العمل الطليعى الجليل.
وأود بادئ ذى بدء أن أسجل إيمانى بأن أى إنجازات علمية أو عملية، فكرية أو فنية لا يمكن أن تولد من فراغ وإنما هى حصيلة أفكار وآمال وجهود أجيال من المثقفين على مر السنين، وحين اضطلعت بعبء وزارة الثقافة للمرة الأولى (من نوفمبر 1958 إلى سبتمبر 1962) وجدت الفرصة أمامى مواتية لكى أضيف إلى تلك الجهود الأولى جهودا أخرى واجبة تتم ما فات، ولقد وفقنى الله أن وجدت مناخا مهيأ بفضل اهتمام أهل العلم والفن والثقافة وعلى رأسهم أستاذنا النابه"فتحى رضوان"الذى حققت وزارة الثقافة والإرشاد القومى فى عهده إنجازات فنية عظيمة فيها الجدة، والابتكار، وأرست أسسا للفنون على قاعدة صحيحة بالرغم من قصر المدة التى تولى خلالها مسئوليتها الجديدة.

نواة وزارة الثقافة
وما إن أخذت أمضى فى مهمتى حتى تبين لى من الدراسات الأولى أنه لم يكن ثمة جهاز ثقافى قائم له تقاليده العريقة بحكم امتداد عمره الطويل عبر التاريخ إلا فى مجالين اثنين هما الكتاب والآثار، أعنى دار الكتب ومصلحة الآثار، أما ما عدا ذلك فلم يكن سوى نواتين إحداهما أدبية وأخرى فنية، أما النواة الأدبية فقد غرستها وزارة التربية والتعليم بإنشائها إدارة عامة للثقافة انضمت بعد بهيئاتها المختلفة إلى وزارة الثقافة، وأما النواة الفنية فهى مصلحة الفنون التى أنشأها سلفى"فتحى رضوان"كما قدمت لترعى فنون المسرح والسينما والفنون التشكيلية، واستحدث من هذه المصلحة الوليدة جهازا له من المرونة والقدرة على الانطلاق والتحرر من القيود النمطية المعتادة ما يتيح له الانفساح وسط الحقول الثقافية العريضة على النحو الذى يفى بتطلعات شعبنا وحاجاته.
وكان هذا مما مهد لى أن أمضى فى أداء رسالتى عندما اضطلعت بأعباء الوزارة فوجدت بين يدى هاتين النواتين، وكان علىّ أن أرعاهما الرعاية الحقة وأن أطورهما حتى تصبح ثمارهما يانعة مظلة تعم الوطن المصرى والعربى، هذا العبء الكبير كان يقتضى من الوزارة حينذاك لكى تحققه وتبلغ به المدى جهدا أى جهد، لذلك ارتبطت بالمثقفين لتفيد منهم أولا فى إدارة أعمالها الثقافية، ثم لتربط ما بينها وبينهم حتى تهيئ لهم المجال الخاص لإنتاجهم فترعاه الوزارة وتكفله.
وإذا نظرنا إلى التاريخ الذى أنشئت فيه وزارة الثقافة وهو عام 1958 لعرفنا أنها لم تكن إلا فى طور النشوء، بل لقد عاب هذا الطور فى رأيى ارتباطها بما كان يسمى وزارة الإرشاد القومى التى تحولت فيما بعد إلى وزارة الإعلام سالخة معها دار الإذاعة وهيئة الاستعلامات، أى أن وزارة الثقافة لم تنشأ حاملة مهامها الذاتية إلا قبل تسلمى شئونها بثمانية شهور، وهى فترة ضئيلة لم يكن من الممكن أن تحقق أكثر مما حققته، والذى يعتبر بكل المقاييس إنجازا قيما ملحوظا، لهذا قر فى وعيى أن على هذه الوزارة الوليدة أن تخلق وتنشئ فى شتى المجالات قدر استطاعتها، واضطرت لهذا أن تتحمل عبء الإنشاء والإنتاج معا، وهو أمر تنوء به أى قدرة مهما عظمت إن لم تستعن بالمثقفين أنفسهم لأنهم أصحاب القضية، وكان لزاما عليها أن تجند أكبر عدد منهم وتسلم إليهم قيادات أجهزتها الثقافية، غير أن تلك القيادات كانت تقتضى من هؤلاء المثقفين أعمالا إدارية إلى جانب أعمالهم الثقافية، وهذان العملان معا كانا يستنفدان جهود هؤلاء المثقفين، الأمر الذى لم يترك لهم أحيانا فراغا كافيا يؤدون فيه أعمالهم الثقافية الخاصة، وكانت هذه تضحية منهم لها شأنها ولا معدل للوزارة عنها، فمن أولى بخدمة الثقافة من المثقفين؟
ولحسن الحظ كان جمال عبد الناصر معنيا بمسائل الثقافة، حريصا على دعم المشروعات الثقافية، مؤمنا بأن ازدهار الثقافة يؤدى فى مجال الفكر ما يؤديه التصنيع الثقيل فى قطاع الصناعة، شغوفا بأن يرى للقلم رسالة فى شحذ وجدان الأمة لا تقل عن رسالة المدفع فى حماية حدود الوطن، وفى تعانقهما معا ما يتيح للأمة التطور والارتقاء، ولا ننسى أنه للمرة الأولى فى التاريخ المصرى قد أنشأ وزارة للثقافة وأخرى للبحث العلمى أثناء اضطلاع الوزارة بأعبائها.

وكان واضحا من بداية الأمر أن الهدف الذى ينبغى وضعه نصب أعيننا هو رعاية الوجدان القومى وتغذيته وتنميته، ومع ذلك فقد كان أمامنا طريقان لا مناص من أن نسلكهما معا وفى الوقت نفسه، أولهما قصير والآخر طويل. ويرمى الطريق القصير إلى إمتاع المواطنين بالثمار العاجلة للثقافة التى تتنوع بين مسرحية جيدة وفيلم ممتاز ولوحة أخاذة وكتاب ممتع وبحث لامع إلى غير ذلك من ثمار الثقافة، أما الطريق الطويل فيقصد إلى تنشئة جيل تنضج على يديه هذه الثمار، سواء خارج الوزارة أو داخلها بإنشاء المعاهد الفنية لتربية جيل جديد من الفنانين المبدعين، فمهمة الوزارة هى استكشاف المواهب فى كل حقل ورعايتها وتيسير السبيل أمامها للخلق والإبداع، هذا إضافة إلى اضطلاعها بإقامة المشروعات الثقافية الكبرى التى لا يقوى لها الأفراد، بل إن هذا هو واجب الوزارة الأول.

السياسة الثقافية
وإذا كانت الإنجازات الثقافية لا تنشأ - كما سبق أن ذكرت - من فراغ، فكذلك لا يمكن انبثاق أى سياسة ثقافية من أفكار عشوائية أو نزوات فردية عابرة، بل لابد أن تكون منبثقة من مبادئ راسخة تحدد مسارها وترعاه كما تحدد أهدافها مرحليا واستراتيجيا، والسؤال التقليدى الذى يطرح نفسه دائما عند مناقشة موضوع الثقافة هو ماهية الثقافة أو تعريفها، ولن أثقل على قارئ هذه السطور بالخوض فى هذه التفاصيل لأن الحديث عن الثقافة اليوم تجاوز هذا السؤال التقليدى إلى سؤال آخر هو"السياسة الثقافية"أو الإطار العام للعمل الثقافى، وذلك بعد أن وجد الباحثون والمثقفون أن الوصول إلى تعريف محدد للثقافة ليس أمرا سهلا أو يسيرا أو متفقا عليه تماما، فطرقوا المشكلة بأسلوب أكثر كياسة وذكاء من خلال"السياسة الثقافية"، بل إن منظمة اليونسكو حين دعت إلى مناقشة من هذا القبيل لم تستطع أن تفترض أن هناك شيئا واحدا يمكن أن يسمى"السياسة الثقافية"، لأن هذه السياسة الثقافية تختلف من مكان إلى آخر، وعلى أساس هذا الاختلاف تصبح هناك مناهج أو سياسات ثقافية لا سياسة ثقافية عالمية واحدة يمكن أن توحد أو تعمم أو توضع فى قالب قابل للنقل من مكان إلى مكان والتطبيق فى مواقع متفرقة من الدنيا، فالسياسة الثقافية ليست قالبا تصب فيه الأشياء، ولا هى كيان مادى يمكن أن يقاس بالطول أو العرض أو العمق، وما هى بالمادة تحكمها الأرقام والإحصاءات أو تدل عليها الرسوم البيانية، ومع ذلك كان علينا ونحن نضع تفاصيل الخطة التى تجسد سياستنا الثقافية المتوائمة مع السياسة الاقتصادية والاجتماعية للدولة أن نلجأ إلى الأرقام والوسائل الرياضية، فلم يكن من الممكن تحديد تكاليف المشروعات الثقافية دون استخدام الأرقام مع إيماننا بأن العائد منها لا يمكن تحديده رقميا بل له معايير أخرى لتقييم جدواه، فليس من المنطقى قياس نتائج عرض مسرحية ذات مستوى فنى رفيع بما تحققه من دخل، ذلك أن المفروض ألا يقبل على مشاهدة مثل هذه المسرحية إلا عدد قليل من المثقفين، غير أنه من المؤكد أن هذا العدد القليل سينبض بشجنة فكرية وعاطفية عميقة التأثير إلى حد أنه يمكن أن تسفر مشاهدتها عن تغيير جذرى فى مفهوم من المفهومات الشائعة أو فى عادة من العادات القائمة، وقد توحى إلى من شاهدها من كتاب ونقاد فنانين بإبداع أعمال أخرى أبعد أثرا منها لدى الجماهير وأوسع انتشارا بين صفوفهم، كذلك ثمة صعوبة أساسية فى تحديد المستوى الثقافى سواء على الصعيد القومى أو على الصعيد العالمى، لأن قياس الرقى يقتضى دائما عقد المقارنة بين ما نصل إليه وما يصل إليه سوانا فى مجال الثقافة، وهذه المقارنة تحتاج معيارا ثابتا نقيس به، فنحن إذا أخذنا الميزانيات المرصودة للثقافة معيارا لهذا القياس لاكتشفنا على الفور أنها لا تفى بالغرض كاملا، فعندما نقول على سبيل المقارنة أن السويد وبولندا تخصصان 1% من الميزانية القومية للأعمال الثقافية بينما تخصص فرنسا 43% من ميزانيتها القومية للنشاط الثقافى نكتشف أننا قد ارتكبنا خطأ مركبا، لأن الأرقام على هذا الوجه لا تصلح للمقارنة، فمقارنة أرقام البسط وحدها لا تدل على شئ، فضلا عن أن مفردات رقم البسط لا تضم الأنشطة نفسها فى هذه البلاد كلها، فبينما تشتمل فى فرنسا على جهاز الوثائق القومية مثلا ولا تشتمل عليها فى بولندا، تضم الحرف الفنية فى بولندا ولا تضمها فى فرنسا. كذلك فإن رقم المقام متغير لأن مجمل الميزانية الثقافية فى هذه البلاد ليس واحدا، وعلى هذا النحو نكتشف أننا قد اخترنا معيارا واحدا فى مظهره، ولكنه متغير فى تفصيله بما يؤدى إلى نتائج غير دقيقة.
على أن الشئ المحقق هو أن الاتجاه العالمى قد استقر على أن السياسة الثقافية يجب أن ترتبط بالخطة الشاملة للتنمية، أو بمعنى آخر ينبغى أن ترتبط السياسة الثقافية بالسياسة الاقتصادية للمجتمع وبالتطور العلمى والتكنولوجى فيه.

التكافؤ الوجدانى
وهكذا بدأت وزارة الثقافة خطتها التالية انطلاقا من إيمان عميق بأن دورها لا ينبغى أن يكون قاصرا على تقديم المستوى الرفيع من المتع العقلية للطبقة القادرة على التمتع بها فحسب، بل يجب أن يكون لها دور فعال فى تحقيق أكبر قدر من التكافؤ العقلانى والوجدانى فى آن معا، ولن يتحقق التكافؤ العقلانى إلا بأن يشاع بين فئات المجتمع بقدر الإمكان قسط متقارب من المعارف، كما لن يتحقق التكافؤ الوجدانى إلا بأن يشاع بينهم قدر مشترك من تذوق الفنون واستشفاف أسرارها، وليس معنى ذلك بطبيعة الحال أن نهبط بالثقافة إلى مستوى الجماهير العريضة، وأن نقضى على مظاهر التفوق والإبداع حتى يكون كل شئ فى قدرة المجموعات الواسعة من الناس، فالسياسة الثقافية ينبغى أن تكون من الحذق بحيث تدرك أنها لو فعلت ذلك لما حققت التكافؤ الثقافى بل وقفت فى وجه التطور فيصبح إنسان العصر متخلفا، فإن طبيعة الثقافة من ناحية وديمقراطيتها من ناحية أخرى تقتضيان التطور إلى الأمام، على أن تيسر للجمهور الحصول عليها دون عناء، وتلك مسئولية الدولة، فهى التى تتحمل عبء تطوير الإنتاج الثقافى من ناحية وتيسيره للناس من ناحية أخرى، فتتحقق بذلك الركيزتان اللتان تستند إليهما الثقافة : التقدم المستمر فى غير تراخ، وتحقيق التكافؤ العقلانى والوجدانى فى المجتمع، وهو ما يقتضى من الدولة التفكير فى صيغ جديدة مبسطة تقدم من خلالها هذه المتع القيمة، ويصبح من واجب الفنانين والمثقفين أن يشاركوا الدولة فى الوصول إلى صيغ ملائمة يقدمون بها ثمرات الفكر وزهور الفن على أوسع نطاق وفى أرحب دائرة دون المساس بالمستويات ذات القيم الكبرى فى الإبداع الثقافى إلا دفعا لها إلى مزيد من التفوق والإجادة، على هذا النحو تصبح الثقافة عاملا فعالا ورئيسا فى تكوين السياسة الشاملة للتنمية التى تتوقف إلى حد بعيد على قدرات الناس وتفوقهم ونموهم العقلى والعاطفى، وكلما زادت هذه القدرات زادت قدرة المجتمع على النمو الاقتصادى وكلما زادت درجة نمو المجتمع زادت حاجة أفراده إلى الثقافة.. وحلقة مفرغة تدور حول نفسها فى انتظام مرتب لا يختل، إذن فالسياسة الثقافية ينبغى أن تكون جزءا لا يتجزأ من سياسة التنمية الشاملة تتأثر بها وتؤثر فيها، كما أنها تتأثر بالتطور التكنولوجى للمجتمع وتؤثر فيه، وانطلاقا من هذا المنطلق واستلهاما لروح الثورة حاولنا حصر احتياجات مجتمعنا الثقافية وتبين ما لدينا من إمكانيات مادية وبشرية قادرة على العطاء، وهكذا وبعد دراسة متأنية تجلت لنا احتياجاتنا لاستكمال أجهزتنا الثقافية.
وكما قدمت فإن طبيعة الثقافة أنها كيان معنوى واسع وفسيح، وهى كذلك كيان حساس ودقيق، وطبيعة هذا شأنها قد ترفض الأرقام وتأبى التقيد بالإحصاءات، كذلك أعترف أن حصر احتياجات الفكر العام والوجدان القومى وإرادة الجماعة، بل حصر ذلك جميعه بالنسبة للفرد ليس من الأمور السهلة الهينة، كما أن حصر الإمكانات لا يقل عن ذلك صعوبة، ولهذا فطالما أن هذه هى العناصر الأساسية اللازمة لوضع سياسة ثقافية فسيظل وضع هذه السياسة مشكلة عسيرة الحل إذا أردنا لها تحديدا كاملا سليما، وأعترف أيضا أن أى محاولة فى هذا السبيل لا تعدو كونها محاولة، حسبها أن تحاط بكل الدراسات الممكنة، ففى هذه الساحة النفسية الشاسعة لعل أغنية أو نشيدا يكون له من السحر فى توجيه المجتمع أضعاف ما لأفلام السينما والمسرحيات والكتب والمقالات، ولعل لوحة مصورة واحدة تدخل سجل الخلود لتضيف إلى الذوق العام عنصرا رائدا فى الإحساس بالجمال، من يحكم هذا وكيف يحكمه؟ تلك هى مشكلة الثقافة وصعوبة وضع السياسة الثقافية.

مؤتمرات المثقفين
على أنى لم أدع إيمانى بضرورة التكافؤ الثقافى أن يظل حبيسا فى نفسى فحسب، بل لقد حرصت الحرص كله على أن أشرك غيرى معى فى الرأى، فمنذ اليوم الأول لتسلمى مهام وزارة الثقافة عام 1958 وجدتنى ممتلئا رغبة فى الاتصال بكبار المثقفين فى مصر حتى لا تكون سياسة الوزارة سياسة فوقية، ورأيت فى النهاية وبعد عدد من اللقاءات أن أنسب شكل أستطيع من خلاله التعرف على مشاكل المثقفين وأمانيهم، والصعوبات التى يلاقونها والحلول التى يتصورونها والوضع الأفضل الذى يمكن أن تتشكل عليه وزارة الثقافة وأهم إداراتها وأجهزتها، وكل ما كان يشغل بال المثقفين وكل ما كان يشغل بالى أنا نفسى.. رأيت أن التعرف على هذا كله من أفضل طريق هو حشد أكبر عدد من الفنانين والكتاب والمثقفين وعشاق الثقافة والفنون والعاملين فى مجالات بث الثقافة وتوزيعها ومتابعة أنشطتها فى"مؤتمر عام"لم ألبث أن دعوت إليه فى شهر مارس 1959 بدار الأوبرا، حيث تواصلت جلسات الحوار الجاد طيلة أسبوع كامل فى اجتماعات عامة وأخرى متخصصة فى لجان نوعية محدودة العدد، وكان من نتاج هذا المؤتمر الثقافى العام أن تكشفت لنا الرؤية الثقافية من مختلف الفئات.
وأرى أن هذه اللقاءات قد طمأنتنى إلى صدق حدسى من خلال تجربتى الشخصية فى تذوق ودراسة الأعمال الثقافية والفنية والتى طالت عدة أعوام أمضيتها فى أنحاء أوروبا جائلا أحيانا ومستقرا أحيانا أخرى، إذ كانت هذه التجربة قد رسخت فى نفسى ألوانا من الاتجاهات التى أنارت أمامى السبيل الذى يتعين علىَّ أن أختطه من خلال مسئوليتى بالوزارة، وما من شك فى أن كل مسئول فى مكانه علت به المنزلة أو دنت لابد من أن يكون له طابعه فى مكانه وإلا ما استطاع أن يحقق شيئا له قيمة وتأتى فى مقدمة هذه الاتجاهات النظرة إلى المثقف نظرة إنسانية مردها إلى إيمان بأن الثقافة حافز للبشر على التضامن من أجل الارتقاء بمستوى رفاهيتهم، وبهذا تكون الثقافة أعلى قيمة للمتعلمين وغير المتعلمين على السواء، فعلى حين يسعى المتعلم لحشد ذهنه بالمعلومات يسعى المثقف إلى الارتقاء بذوقه ومداركه بل وإلى تحسين مستوى أدائه حتى فى عمله المتخصص مما يكون له أثر فى إحداث تغيير جوهرى فى المحيط الذى يعيش فيه، ولهذا تتحدد قيمة الثقافة بمدى مساهمتها فى تغيير مجرى الحياة والرد على تحديات العصر ودفع الأحداث فى اتجاه تحقيق أحلام البشرية.

حق الحرية..
وإذا كان الفنان هو تجسيد للحرية والإبداع فإن مهمته الأولى فى الوقت نفسه هى تأكيد حق الإنسان فى الحرية، ومن هنا القول بأن الحرية ليست حق الكتاب والفنانين والمفكرين فحسب بل هى واجبهم أيضا لأنها وظيفتهم فى المجتمع وما أظن وزارة الثقافة قد حادت عن هذا المعنى الذى رسمته لنفسها اللهم إلا فى القليل النادر الذى لا يعد، وذلك تحت ظروف قاهرة.
هكذا أجمع المفكرون على أن الفنان الحقيقى هو الفنان الحر، وأن الدولة إذا سخرت الفنان لأهداف عاجلة فإنها تكون بذلك قد قدمت ثروتها كلها للحاضر معرضة مستقبلها للضياع، وهو ما لم يحدث قط أيام اضطلاعى بمسئولية وزارة الثقافة، فلقد تركت الدولة الشعراء والأدباء والفنانين أحرارا يتحدثون بلغتهم الخاصة على هواهم فى الغالب إلا فيما ندر، علها تعين المجتمع الثورى على رؤية آفاق أبعد، وتسهم فى أن يصدروا عن أنفسهم ما فيها من إبداع وخلق دون ضغط أو توجيه، وتتيح لهم فرصة الاندماج فى مشاكل مجتمعهم والتعرف على جوانب الحياة المختلفة فيه حتى يزداد وعيهم بالتطور الاجتماعى، تاركة لهم بعد ذلك حرية الإبداع والتعبير، فالفنان الحق فى غير حاجة إلى أن نوجه فكره أو نلقنه إحدى العقائد، فهو ينتمى إلى عصره ويعيش فيه بحسه المرهف وبصيرته النافذة، وكلما غاص فى أعماق مجتمعه أحس بالجماعية الإنسانية وانتقلت إلى قلبه نبضات الآخرين.
على أنه فى عصر الشعوب الذى نعيشه الآن لا يمكن أن تزدهر ثقافة قومية لا تعبر عن كل فئات المجتمع الذى تمثله، إذ مضى الوقت الذى كانت طبقة واحدة سائدة تعبر فيه عن المجتمع، وغدا الجميع يشكلون صورة الكيان الثقافى للأمة، فإذا خلت الثقافة من تأثير فئة من الفئات أو من نصيبها فيه، فهى إذن ثقافة ينقصها الشمول، فلا يمكن تصور إمكان قيام نهضة ثقافية قبل محاولة إزالة الحواجز القاسية والفواصل المنيعة بين طبقات المجتمع، وما أكثر الأصوات التى انطلقت تزعم أن حواجز التذوق لن تزول بسهولة لأن العوام من الناس لن يفهموا الباليه على سبيل المثال ولن يستجيبوا لروائع المسرح، وأن أقصى ما يمكننا أن نخدم به الفئات الشعبية هو أن نقدم لها صورا من البهرجة الزائفة تحتوى على البعض اليسير من التثقيف، وهذا رأى لم نأخذ به، ولجأنا إلى التجربة على أرض الواقع فأقمنا عروضا خاصة للعمال قدمنا فيها على مسرح دار الأوبرا عام 1960 فاصل الباليه من أوبرا"الأمير إيجور"لبورودين وأوبريت"الأرملة الطروب"المعرّبة لفرانزليهار، فإذا آثارهما فى نفوسهم لا تقل كثيرا عن آثارهما فى مرتادى الباليه والأوبرا من نخبة المثقفين، كما أن باليه"نافورة باختاشى سراى"لم يستقبل فى القاهرة بمثل الحماس والإكبار الذى استقبله به أهالى أسوان والعاملون فى السد العالى بقصر الثقافة بأسوان فى نهاية عام 1966، وبنفس الحماس استقبلت فرق الرقص المتطورة فى محافظات نائية كمحافظة البحر الأحمر وندوات الأفلام التى أقيمت فى الريف للفلاحين.

الفجوة بين المثقفين وغيرهم
لقد أكدت هذه التجارب وتجارب أخرى أن الفجوة بين المثقفين وغير المثقفين فى مستوى التذوق الفنى ليست على مثل هذا الاتساع الذى يصوره البعض إذا ما تعهدناه صادقين بالرعاية ومحاولة الارتفاع بذوقه، فالمشكلة الحقيقية التى تعترض إزالة الحواجز الثقافية فى المجتمع ليست عجز الشعب عن تذوق الفن الرفيع بقدر ما هى عجز الفن الرفيع عن مس القيم الشعبية وتمثلها والتعبير عنها، ومن ثم كان لا سبيل إلى إزالة الحواجز الثقافية بين فئات الأمة إلا بإتاحة تفاعل صادق مستمر بينها وبين صور الفن الرفيع وهو تفاعل سيستفيد منه الشعب بلا جدال، ولكن الفنانين سيستفيدون أكثر لأنهم فى تصورى سيجدون لدى الشعب مادة لعملهم أغزر من كل ما خطر بخيالهم وقيما أعمق من كل ما حلموا به.
ومعنى ذلك أن تطوير الثقافة الإقليمية لا يقل أهمية عن نقل ثقافة العاصمة إلى الأقاليم، وكان خير ما يمهد لهذا ويؤكده، ويوثقه هو إقامة القصور الثقافية بدءا من عام 1959 وبث قوافلها فى مناحى الريف البعيد، وكانت هذه هى المرة الأولى التى شهدت فيها مصر القصور الثقافية والتى أصبحت بعد شيوعها فى أنحاء الوطن كله مظهرا من المظاهرة الحضارية الواضحة المعالم، بل إنى لأذهب إلى أبعد من ذلك حين أؤكد أنه لا سبيل إلى ارتقاء وجدان السواد الأعظم من الشعب إلا من خلال اجتذابه لمشاهدة الأعمال الفنية الرفيعة المستوى، وإلا فستظل الجماهير على نفس مستواها الحالى طالما حجبنا الفن الراقى عنها، وظللنا نلاحقهم بالأعمال المسفة الغثة التى تشبع نهم الغرائز الدنيا.

الثقافة والمجتمع
وإذا كان ارتباط الثقافة بعصرها لا ينفى احتواءها على قيم خالدة على مدى العصور، فإن ارتباطها بمجتمعها لا ينفى أيضا احتواءها على قيم عالمية وإنسانية شاملة تخاطب الإنسان أنى كان، بل الواقع أنه بقدر ما تتعمق جذور الثقافة فى تربة مجتمعنا وبقدر ما تحمل طابع هذا المجتمع، تتأتى قدرتها على صدق تمثيل الإنسان بصفة عامة، فالتعبير المخلص عن الإنسان فى وطن معين هو تعبير عن الإنسانية جمعاء، ويكفى دليلا على ذلك أن أعمال شكسبير الناطق بلسان الإنجليز والمعبرة عن عواطفهم تعد اليوم من أثمن ما يملك العالم من تراث الشعر والمسرح، وفى تاريخ القصة لم يتمتع بالعالمية حتى الآن أدب كأدب تولستوى ودستوفيسكى وتشيكوف، وقد كانت أعمالهم جميعا روسية ضاربة فى أعماق التربة الروسية، فإن قومية الثقافة النقية الراقية هى فى الواقع طريقها الوحيد الممهد إلى عالميتها، وأقصد بقومية الثقافة النقية أن تكون معبرة عن الخصائص الفريدة للشعب الذى تمخضت عنه، وناقلة أمينة عن تجاربه عبر التاريخ وامتدادا لتراثه القديم، وأن تكون ملامح الشعب منعكسة لا على مضمونها فقط وإنما على أشكالها أيضا وأدواتها ووسائلها فى التعبير. ولا أعنى بذلك أن نحتفظ فى عصرنا بكل ما فى التراث من صور وأدوات للتعبير وأشكال فى الصياغة فهذا ضد طبيعة الأشياء، لأن كل ما فى الحياة من علاقات ونبض ووسائل قد تغير عبر القرون، ولهذا تتغير أدوات التعبير ويتغير الشكل والمضمون، ويصبح التمسك بتقليد التراث موقفا متخلفا فى الأدب والفن بقدر ما يكون إهدار التراث ارتجالا وافتقارا إلى الأصالة، ومن ثم كان علينا إلى جوار استلهام روح الشعب وتراثه وملامح الوطن التى هى المنابع الثرية الزاخرة للفن، الحرص فى الوقت نفسه على الاستفادة من تجارب الآخرين ومن التطور الذى حققوه، فإن عظمة تولستوى ودستوفيسكى تتأتى من أنهما استلهما أصالة الروح الروسية دون أن يتورطا فى النقل عمن سبقهما، واستفادا مع ذلك من تطور الأدب الفرنسى فى زمانهم ومن تراثه العريق، وزمرة الخمس الكبار فى الموسيقى الروسية"كوتشكا بالاكريف وسيزار كويه وبورودين ورمسكى كورساكوف وموسورسكى"لم يقفوا عند حد الألحان الشعبية وإنما استقوا من الروح الأصيلة لوطنهم واستفادوا من التقدم الفنى والعلمى والموسيقى الذى حققه آخرون من شتى دول العالم والمثــّال مختار فى مصر لم ينسخ تماثيل المصريين القدماء وإنما استلهمها وطورها وجاء من بعده فنانون آخرون استمروا فى التطوير والإبداع.
وفى هذا المجال أمامنا نماذج من روادنا فى الثقافة والفنون من الذين حملوا لواءها منذ مطلع القرن التاسع عشر أمثال رفاعة الطهطاوى ومحمد عبده ومصطفى المنفلوطى ولطفى السيد وطه حسين وتوفيق الحكيم ومحمود سعيد ويوسف كامل وراغب عياد بل وطلعت حرب.. وغيرهم كثر جعلوا التراث منطلقا لهم وأفادوا من التقدم الثقافى فى العالم بأسره.
ولن يتسنى لنا أن نقيم ثقافة قومية على الوجه الصحيح إلا إذا أفدنا من كل ثقافات العالم وفنونه ومن تقدمه التكنولوجى والعلمى والإنسانى، فنحن لم نر من قبل قط ظاهرة"عالمية الفن"تتجلى بمثل ما نراه حين نشاهد عبقرية شاعر مسرحى فذ مثل شكسبير الإنجليزى تجتمع معها مواهب موسيقى عملاق مثل فردى الإيطالى ليخلق منها أوبرا مثل"عطيل"يتضافر على العزف لها أوركسترا فرنسى يقوده مايسترو من اليابان، ويعكف على الأدوار الغنائية الرئيسية فيها مغنون من أمريكا وألمانيا وإيطاليا، ويقوم بالأدوار الراقصة"باليرينات"من السويد والدانمارك وراقصون من روسيا، بل ومن مصر.. أجل من مصر ومن خريجى معهد الباليه بأكاديمية الفنون المصرية بالجيزة، ويصمم مناظرها وثيابها فنان من إسبانيا، فتنبض قلوب المشاهدين غربا وشرقا بنفس الشجن والانبهار. إن الإنسانية لم تشهد من قبل أبدا مثل هذه الإمكانيات لتحقيق أحلام لم تكن لتتحقق إلا فى الخيال الذى لا يعشش إلا فى وجدان الطفولة النقية، فالجمال طليق لا يحده مكان ولا يحيط به زمان.
إن الدول لا تغزو المستقبل إلا إذا تجاوزت الإنجازات المادية، وكل غزو عملى فى الحاضر مقضى عليه لأن الحاضر لا مناص من أن يتوقف ذات يوم، والدول الراسخة هى التى تدفع الحاضر إلى المستقبل، والمستقبل لا وجود له إلا فى الثقافة، لأنه إذا أمكن لأمة ما أن تكون عظيمة بذاتها فلن يتسنى لها أن تشمخ بين الدول العظمى - شأنها شأن الناس - إلا إذا تجاوزت قيمتها الذاتية لتجعل منها إسهاما نزيها فى القيم الإنسانية وفى القيم الكلية، والقيم الثقافية هى وحدها القيم الكلية لأن تحديدها معناه تحديد النقطة التى عندها تتخذ المعتقدات والأبحاث والاكتشافات التى يقوم بها الإنسان قيمة عند الجميع كما هى عند الذين أنشأوها، وليس ثم ميدان آخر غير الثقافة توجد فيه مثل هذه القيمة الكلية الشاملة، أعنى المستوى الكلى العالمى، وما أصدق الفنان روبنز حين قال"إنى أعد العالم كله وطنى".

الماضى والحاضر والمستقبل
كذلك لا يعنى تطوير العمل الثقافى فصم الروابط بالماضى، فالإنسان تاريخ متصل وقيم المستقبل هى الثمار الجديدة على نفس الشجرة التى طرحت الثمار القديمة، وإذا انفصل أى عمل ثقافى عن تاريخه فإنه غالبا ما يتحول إلى شكل أجوف براق المظهر خاوى الباطن، لذلك فإن بناء العمل الثقافى على أساس من التراث هو فى الواقع إقامة له على أسس إنسانية عريقة وقيم ثقافية حية ورصينة ولا يمكن أن نتصور عملا فنيا أو أدبيا يتضمن مثل هذه القيم إذا كان منبت الصلة بتراث الماضى وقيمه التى خلفها لنا، ولا يجوز أن نضحى بالتراث القومى بحجة التطور أو نجمد بدعوى الحفاظ على التراث، وإنما نقتحم مجالا يجمع بين التراث والتطور، فلقد أثبتت التجارب الإنسانية المعاصرة أن ثمة منهجا وسطا يجمع بين الاهتمام بالقديم والجديد بصورة لا تناقض فيها ولا اضطراب، ولعل أبرز هذه التجارب ما أقدم عليه اليابانيون خلال المائة عام الأخيرة من تطوير فنونهم كلها مستعينين بالأساليب العلمية الجديدة فى صياغة فنونهم التقليدية دون أن تفقد هذه الفنون ما فيها من طابع قديم، فأبدعوا روائع جديدة ذات طابع متفرد ينطوى على روح اليابان الأصيلة ولا يفتقد الأساليب الحديثة، كما تألقت من بين تجارب دول كثيرة فى أمريكا اللاتينية محاولة المكسيك التى استوحت القديم فى فنونها استيحاء ذكيا رائعا، فطورت الأزياء القديمة والألوان والألحان، وجددت الأساطير والأعياد، فباتت تحيا حياتها المعاصرة بروح تاريخها الحضارى القديم.
وتكشف لنا هذه التجارب عن النهج الذى ينبغى علينا إتباعه فلا نضحى بالتراث القومى بحجة التطور ولا نجمد بدعوى الحفاظ على التراث، وإنما نقتحم مجالا يجمع بين التراث والتطور، فكما نقسم الزمن إلى فصول علينا أن نجعل كل فصل يحيط بالفصول الأخرى جميعا، وأن ندع الحاضر يعانق الماضى بالذكرى ويطوق الغد بالحنين، وقد كان ذلك هو المسار الذى اتخذته حركة النهضة الأوروبية خلال القرن الخامس عشر التى عكفت على دراسة الحضارة اليونانية واستلهامها فأعادت الحياة إلى آلهة الإغريق الوثنيين، ولكنها نزعت عنهم صفة الألوهية، وعلى هذا النهج ما اضطلعت به وزارة الثقافة عند تنفيذها لمشروع"الصوت والضوء"بأهرام الجيزة والقلعة ومعبد الكرنك، فقدمت عروضا لآثارنا المجيدة فى صورة فنية مشرقة تضم فى تركيبها الصورة والرواية التاريخية والأداء الفنى والموسيقى بأسلوب عصرى يضاعف المتعة والمعرفة ويرقق الذوق والشعور بعد أن لم تعد الآثار القديمة مجرد حجارة جافة وصماء خرساء.
كانت تلك الرؤية التى تمخضت عن اللقاءات والمشاورات والندوات والمؤتمرات والتى كان لها صداها فى نفسى هى نبراسى الذى اهتدى به فى الحقل الثقافى، لم أحد عنها طوال تحملى مسئوليتى الوزارية سواء فى مجال الكتاب أو المسرح أو السينما أو الموسيقى أو تشييد قصور الثقافة والانطلاق بقوافلها إلى أقاصى الريف، أو الحفاظ على التراث وإنقاذ معابد النوبة بعد أن أوشك النيل أن يغمرها بمائه ويبتلعها، وكان هذا يسبقه تهيئة الرأى العام العالمى للإسهام فى هذا المشروع إذ لم تكن مصر وحدها تطيق أن تتحمل تكاليفه كلها. وكنت فى هذا الذى رأيته وقمت به ونفذته أحمل عبئا من أعباء الثورة - التى أنا من رجالها - فى الميدان الثقافى الذى اضطلعت به، فما من فضل فيه مرده إلى الثورة التى هيأت لى وجودى فى هذا الموقع وما قد يكون من زلة فمرده إلىّ.

كلمة صدق
وإنى لأترك لمن عاصروا تلك الحقبة الزمنية أن يقولوا كلمة صدق عما وعوه ورأوه ويكون لهم حكمهم فيما إذا كنت قد التزمت بما عاهدت نفسى وغيرى عليه أو حدت عنه، وهل كنت عندما وعدت به من الربط فى مشروعات الوزارة بين النظرة الإنسانية وبين النظرة القومية إلى الثقافة والجمع بين التراث القديم والتطور الحديث، ورفع الحواجز بين طبقات المجتمع بتطوير الثقافة الإقليمية، وإتاحة الفرصة للتفاعل بين طبقة العامة وبين الفن الرفيع المستوى، ثم تضمين الثقافة قيما عالمية وإنسانية خالدة، الأمر الذى كانت له انعكاساته على كل أنشطة الوزارة، وأخيرا إتاحة حرية الإبداع للفنان حرية لا معوق لها، هل كنت عند هذا أم أطرحته جانبا، وهل كان ثمة مجافاة بين النظرية والتطبيق؟

عن كتاب ثروت عكاشة :
 مذكراتى فى السياسة والثقافة



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية