العدد(4233) الاثنين 16/07/2018       الذكرى الستون لثورة 14 تموز 1958.. كيف انسحب العراق من حلف بغداد؟       ثورة 14 تموز 1958..من أحداث الثورة في أحاديث الراحل حسين جميل       كيف صدر دستور الجمهورية العراقية الأول؟       محمد حديد: محمد حديد: هذا رأيي في حكومة ثورة 14 تموز 1958       أوّل إنجازات ثورة 14 تموز 1958 قانون الإصلاح الزراعي.. كيف صدر؟ وكيف تأسّست أولى الجمعيات الفلاحيّة       من ذكريات ثورة 14 تموز 1958       الشاعر الجواهري وقيام ثورة 1958       العدد (4231) الخميس 12/07/2018 (نوري مصطفى بهجت..رحيل آخر رواد الفن العراقي)       نوري مصطفى بهجت متعــة الرســــم    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :23
من الضيوف : 23
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 21300598
عدد الزيارات اليوم : 846
أكثر عدد زيارات كان : 33537
في تاريخ : 15 /03 /2017
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


وداعاً للجسد وخلوداً وبقاء للفكر والثقافة

  د. رانيا يحيى
"ما أجمل  الطبيعة وما أروع أن ينطلق الإنسان في ربوعها يغترف بعينيه من سحرها ويملأ  رئتيه من عبيرها، يناجيها ويسمع همس موسيقاها، يأنس إليها ويستلهمها فتلهم  عينيه جمال الصورة وتزين لسمعه حلاوة النغم، وتهدهد خفقات قلبه بالحب  والأمل وصفاء الوجدان".


كلمات لعملاق الثقافة والفنون المحب للحياة المتفائل دائماً مؤسس الحياة الثقافية المصرية والعربية، الفيلسوف والأديب والفنان المرهف الحس صاحب الرسالة والأمانة التي أداها علي أكمل وجه، صاحب الفضل علي مصر بكل من فيها مثقفيها وفنانيها بل وأيضاً العامة فيها، موجه الحياة الثقافية إلي الأمام، عميد الثقافة العربية والفن الأصيل، أستاذ الاتجاه التنويري في البلاد، صاحب القلم الناقد لجميع أنواع الفنون، الذي عمل علي إرساء القواعد الفنية والثقافية في شتي مناحي الحياة، الذي بذل جهداً وعطاء منقطع النظير ويستحق منا كل الشكر والعرفان والتقدير إنه الدكتور ثروت عكاشة الذي رحل عن عالمنا تاركاً بصمات فكرية وأدبية وثقافية وفنية بعد أن أفني حياته منكباً علي تحقيق رسالته التنويرية في مصر والتي كانت شغله الشاغل منذ صباه حيث عمل بالكثير من المناصب المشرفة التي تزخر بفكره وفلسفته علي مدي ما يزيد عن نصف قرن.

وظائف مرموقة
فقد تخرج في الكلية الحربية عام 1939 وعمل ضابطاً بالقوات المسلحة ثم التحق بكلية أركان حرب من 1945الي 1948، كما حصل علي دبلوم الصحافة من كلية الآداب من جامعة فؤاد الأول عام 1951، وحصل علي دكتوراه الآداب من جامعة السوربون عام 1960، كما تقلد عدة وظائف مرموقة منها رئيس تحرير مجلة "التحرير" عام 1952 والملحق العسكري بالسفارة المصرية في بون وباريس ومدريد في الفترة بين 1953 إلي 1956، ثم سفير مصر في روما من 1957 إلي 1958، ثم وزير الثقافة والإرشاد القومي منذ عام 1958، ورئيس المجلس الأعلى للفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، كما شغل منصب رئيس مجلس إدارة البنك الأهلي المصري عام 1962، ونائباً لرئيس الوزراء ووزير الثقافة عام 1966 وأيضاً مساعد رئيس الجمهورية للشئون الثقافية منذ عام 1970 إلي عام 1972، كما عمل كعضو لمنظمة اليونسكو بباريس في الفترة بين 1962 إلي 1970، ونال الدكتوراه الفخرية في العلوم الإنسانية من الجامعة الأمريكية عام 1995.
وكان إيمانه بدور الثقافة وشغفه بالفنون إلي الحد الذي جعله يقول :"إن الثقافة علم وعمل معاً ثم موقف واضح من هذا العلم وذلك العمل، فليس يكفي أن يحصل المرء قدراً من الخبرات أو المعرفة لكي يسمي مثقفاً، وإنما المثقف هو من يتخير من خبراته ومعارفه وسيلة لتطهير نفسه فيجعلها أسلوباً للحياة ينتهجه، فالثقافة في هذا الصدد ليست رداءاً يرتديه المرء أو ينتفضه عن نفسه، وإنما هي دمه ولحمه معاً بل وتسيل الدماء من أجل الثقافة وحولها".

عرش الثقافة
فهو الأديب العاشق للحياة بكل ما فيها متذوقاً لفنونها وجمالها، متربعاً علي عرش الثقافة المصرية بل والعربية المثقف الواعي الذي سبق أجيال وأجيال بما قدمه للحياة الثقافية في مصر في شتي المجالات الفنية والثقافية، فقد كان وزير الثقافة المثقف المستنير الذي أنشأ وأرسي قواعد التعليم الفني في مصر فلم يكن هناك مؤسسات حكومية تقوم بنشر الفنون، ولذا أنشأ أكاديمية الفنون عام 1959 بمعاهدها الفنية المتخصصة المختلفة وذلك بعد توليه مسئولية وزارة الإرشاد القومي بسنة واحدة ومن خلال تلك المؤسسة وهذا الصرح الثقافي العظيم استطاع الانطلاق بمصر من المحلية إلي العالمية فقد كانت هي إشارة البدء لتعليم الفنون العالمية والانفتاح عليها، وتأهيل الكوادر الفنية المصرية في كثير من المجالات حيث بدأ التعاون مع بعض الدول الأجنبية لاستقدام أساتذة أجانب لتولي عملية الدراسة للطلاب المصريين في أكاديمية الفنون من خلال دراسة أكاديمية متخصصة، والذين أصبحوا يقودون العملية التعليمية والثقافية فيما بعد، ووصولاً بتمثيل مصر في المهرجانات والمسابقات الدولية والعالمية ووضع فنون مصر علي الخريطة العالمية إبان هذا.
ولم يكتف باستقدام الأساتذة من الخارج بل أرسل بعثات خارجية، واستحضر آلات ومعدات للمعاهد، منها آلات موسيقية من أفضل الماركات العالمية والتي كلفت الدولة مبالغ طائلة، ولكن يرجع ذلك لإيمانه بضرورة الفنون في نهضة المجتمعات وتقدمها ولتوفير أفضل السبل للأجيال التي تنتوي الالتحاق بهذه المعاهد للوصول بها للمستوي اللائق؛ ولكن ما يؤسفنا هو انعدام الضمير من البعض حيث تم سلب ونهب بعض تلك الآلات من بعض الأساتذة الذين استعاروا تلك الآلات للدراسة، وذلك نظراً لجودة وارتفاع قيمتها فلم يستردها المعهد مقابل تستيف بعض الأوراق القانونية من خلال ادعاء فقدان الآلة أو تعرضها للأذي مما يسفر عنه تقديم آلات رديئة النوع بخسة الثمن وقد وصلت إلي درجة صندوق خشبي في بعض الآلات الوترية مقابل تلك الآلات القيمة، ولذا من واجبنا تجاه أكاديمية الفنون وتجاه القامة الرفيعة للدكتور ثروت عكاشة وما بذله من عطاء لرقي شأن الفنون أن يتم التحقيق في كل معاهد الأكاديمية بخصوص تلك الآلات والمعدات ومحاسبة الأيادي المقصرة والمتعاونة علي هدر أموال الدولة، كما يشترط علي كل من أتلف آلة موسيقية أو غيرها بإعادة مثيلتها من نفس النوع والقيمة حفاظاً علي الأساس الذي وضعه مؤسس تلك الفنون والعمل علي السير علي نفس النهج وتطوير ما قام به رائد الثقافة في النصف الثاني من القرن العشرين، وإن كان أرسي القواعد الفنية بإنشاء المعاهد واستقدام مجموعة من أفضل الأساتذة والخبراء في مجالاتهم واستحضار تلك الآلات، وكانت هذه البداية فكان ولابد أن يصبح لدينا الآن أسطول من أفضل الآلات بدلاً من الآلات الرديئة التي تحويها مخازن تلك المعاهد وإعلاء شأن الأساتذة والعاملين بأكاديمية الفنون للمستوي اللائق بما كان عليه الوضع في ستينيات القرن الماضي علي يد القامة الشامخة ثروت عكاشة.

الثقافة الجماهيرية
وقد سار علي خطاه كثير من الدول العربية التي انتهجت نهجه في بناء الحياة الثقافية التنويرية، فهو بالفعل خير مثال لمن يتقلد وزارة لنشر الثقافة والوعي وللإرشاد القومي حيث أرشد قومه فعلياً إلي الطريق الصحيح من خلال بث الهيئات الداعمة للاستنارة الفكرية، وتحقيق وعي ثقافي شامل لكل طبقات المجتمع، حيث استطاع تحويل مسار الفنون للشارع المصري بدلاً من اقتصارها علي الطبقة الأرستقراطية المثقفة وذلك من خلال جهاز الثقافة الجماهيرية في جميع أقاليم القطر المصري والتي أنشاها لتحقيق هذا الحلم والأمل الذي كان ساعياً دائماً له، فكان يوليها كامل الرعاية لكي تؤدي دورها الفعال تجاه جموع الشعب في كل مكان حتي للبسطاء منه.
وقد شمل اهتمام المفكر الكبير ثروت عكاشة بكل أنواع الفنون إلي أن استقطب خبراء للموسيقي الشعبية علي مستوي عالمي لجمع ودراسة التراث المصري في جميع أنحاء الجمهورية حفاظاً علي قيمتها من الضياع، وخلال فترة توليه مسئولية وزارة الثقافة عام 1958 إبان حكم الرئيس جمال عبد الناصر ؛ أنشأ كثير من الهيئات التي تعمل علي إثراء الحياة الثقافية والفنية إلي يومنا هذا مثل المجلس الأعلى للثقافة وهو المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب آنذاك، والهيئة العامة للكتاب، ودار الكتب والوثائق القومية والتي كانت تحوي في ذاك الوقت حوالي نصف مليون مجلد من الكتب والمخطوطات القيمة حيث حافظ علي التراث المصري بداخله.
أيضاً أسس فرق دار الأوبرا المختلفة مثل أوركسترا القاهرة السيمفوني وفرق الموسيقي العربية، والسيرك القومي ومسرح العرائس، كما أنشأ قاعة سيد درويش بالأكاديمية لعمل الحفلات بها، وأيضاً وجه اهتمامه للآثار المصرية حيث وضع الأساس لمجموعة متاحف هي من أعظم المتاحف المصرية للآن، كما بدأ تقديم عروض الصوت والضوء وذلك لانتشار الفنون في جميع الأروقة والمحافل الثقافية، كما كان له دور وطني بارز من خلال إقناع المؤسسات الدولية في العمل علي إنقاذ معبدي فيلة وأبو سمبل والآثار المصرية في النوبة حفاظاً عليها من الضياع أثناء بناء السد العالي.

المكتبة الفنية
وقد اهتم بدور النشر حيث أسس المكتبة الثقافية والتي كانت النبتة الأساسية لمشروع مكتبة الأسرة حيث تقدم الكتب بأثمان زهيدة لتصبح في متناول الجميع، كما ألف العديد من الكتب والموسوعات الفنية وأيضاً ما يقرب من 45 كتاباً مترجماً يعكسون اهتمامه وعشقه للثقافة والفنون في شتي أشكالها وصورها من أشهرهم ترجمة للشاعر جبران خليل جبران، وأعمال الروماني أوفيد، كما يعتبر كتابه"مذكراتي في السياسة والثقافة"من أهم الكتب التي تعبر عن مصر فنياً وثقافياً وحضارياً وطبقياً، وأيضاً مجموعة كتب"العين تسمع والأذن تري"بأجزائها المختلفة والتي تعبر عن الفنون في عصورها المختلفة بمثابة موسوعة فنية متكاملة.
فهذا هو الرجل العسكري الذي تولي حقيبة الثقافة وأثراها بالعلم والعمل وأثبت نجاحاً منقطع النظير، فلم يقدم أي وزير مدني ما قدمه ثروت عكاشة بعسكريته وسعة أفقه واستنارته للثقافة المصرية، كما أثبتت التجربة الفعلية مدي نجاح العسكريين في القيادة والالتزام في بعض المؤسسات الثقافية بالدولة حيث تولي الدكتور الراحل ناصر الأنصاري رئاسة الأوبرا إحدى أهم الهيئات الثقافية التنويرية في الشرق الأوسط، وأثبت نجاحاً والتزاماً داخل المؤسسة ككل، كما تولاها الدكتور سمير فرج والذي جاء خلفاً لتوليها لفنان في ظل ديون تفوق ثمانية ملايين من الجنيهات، والذي عني بها خير الرعاية واستطاع بجهده وعطاءه المتواصل وإيمانه بمسئوليته تسديد الدين وتحصيل مكاسب مالية لدار الأوبرا في خلال سنة من توليه ؛وهذا يؤكد نجاح المؤسسة العسكرية في بث الالتزام والانضباط والشعور بالمسئولية والواجب الوطني.... فأياً كانت الانتماءات عسكرية أم مدنية ولكن يبقي التساؤل ماذا قدم كل من تولي وزارة الثقافة خلفاً للدكتور ثروت عكاشة لهذا الوطن؟ فالعبرة ليست بالانتماءات ولكن لإيمان الشخص ذاته بدوره في إثراء الحياة الفكرية والثقافية والتنويرية.
وقد حصل ثروت عكاشة علي العديد من الجوائز والأوسمة وشهادات التقدير ولكننا نسأل المزيد من التكريم لهذا الرجل عرفاناً منا بالجميل الذي يتوق أعناقنا كدارسين وعاملين وراعيين للحياة الثقافية والفنية من بعده، فمن هذا الممبر أناشد السيد وزير الثقافة بوضع تمثال للدكتور ثروت عكاشة في مدخل أكاديمية الفنون التي كان له الفضل في إنشائها وبث روح الثقافة فيها وفينا، فقد حظينا بالتعليم في هذه المؤسسة والتي كم شرفنا بانتمائنا إليها، ولكن لزاماً علينا أن نخلد ذكراه وأن نذكر الأجيال الحالية والقادمة بقيمة عملاق الثقافة والفكر بالوطن العربي، كما أطالب وزارة الثقافة بعمل مسابقة في جميع أنواع الفنون تحت اسم"ثروت عكاشة"يكون مقرها أكاديمية الفنون وتقدم المسابقة علي مسرح قاعة سيد درويش تحت رعاية وزارة الثقافة، كما أطالب أيضاً بوضع بعض أعماله وكتبه ضمن مناهج التعليم بالأكاديمية علي مختلف مراحلها فكم أثرانا من الكتب والموسوعات في شتي أنواع الفنون، وأيضاً تدريس سيرته الذاتية لهؤلاء الشباب لكي ينتسب الحق لأصحابه ونحفز هذه الأجيال بقيمة وروعة ثروت عكاشة الإنسان والفنان ذو الإحساس الفياض كي ربما تجد مصر قيمة ثقافية وفنية في المستقبل نفخر بها كما نفخر بقيمة ثروت عكاشة.
عن جريدة الأهرام



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية