العدد(4233) الاثنين 16/07/2018       الذكرى الستون لثورة 14 تموز 1958.. كيف انسحب العراق من حلف بغداد؟       ثورة 14 تموز 1958..من أحداث الثورة في أحاديث الراحل حسين جميل       كيف صدر دستور الجمهورية العراقية الأول؟       محمد حديد: محمد حديد: هذا رأيي في حكومة ثورة 14 تموز 1958       أوّل إنجازات ثورة 14 تموز 1958 قانون الإصلاح الزراعي.. كيف صدر؟ وكيف تأسّست أولى الجمعيات الفلاحيّة       من ذكريات ثورة 14 تموز 1958       الشاعر الجواهري وقيام ثورة 1958       العدد (4231) الخميس 12/07/2018 (نوري مصطفى بهجت..رحيل آخر رواد الفن العراقي)       نوري مصطفى بهجت متعــة الرســــم    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :22
من الضيوف : 22
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 21300568
عدد الزيارات اليوم : 816
أكثر عدد زيارات كان : 33537
في تاريخ : 15 /03 /2017
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


ذكريات أيما كوكران في بغداد - 2 -

علي أبو الطحين 
ولدت أيما كوكران لأبوين أمريكين في قرية نسطورية في كردستان أيران قرب بحيرة أورميا في سنة 1863، حيث كان والدها القس كوكران J.G. Cochran، مديراً لأحدى المدارس التبشيرية الأمريكية. فتعلمت اللغات التركية والفارسية والسريانية بجانب لغتها الإنكليزية. غادرت أيما الى الولايات المتحدة الأمريكية لدراسة التمريض وعادت الى الشرق في سنة 1885،


 لتساعد اخوها الطبيب جوزيف كوكران في المشفى العائد للبعثة الامريكية. بعد عودتها أصيبت بمرض الملاريا، فنصحت بالذهاب الى مدينة تبريز لنقاء جوها، وهناك تعرفت على القنصل الروسي في تبريز السيد بيير بونافيدين، الذي أصبح زوجها. وقد تم زواجهما في لندن كمنتصف الطريق للعائلتين الروسية والأمريكية. وبعد رجوعهما الى سانت بطرسبورغ، تم تعين بونافيدين قنصلاً عاماً لروسيا في بغداد في سنة 1889، لمجابهة النفوذ البريطاني في العراق من جهة، ولمساعدة المسلمين الروس الذين يزورون العتبات المقدسة في العراق وحل المشاكل التي يتعرضون لها من قبل الحكومة التركية من جهة أخرى. توفى بيير بونافدين في سنة 1919 بعد الثورة الروسية، واستطاعت أيما مع أثنان من أولادها ألكسندر وجوزيف بالهرب الى الولايات المتحدة، وبقي أبنها الكبير جورج الذي قتل في سنة 1920 وهو يحارب الثوار البلاشفة. وضعت أيما كوكران ذكرياتها عندما كان زوجها قنصلا في العراق وإيران في كتاب بعنوان”حياتي في الشرق المسلم”في سنة 1932، ومنها هذه الفصول عن العراق. 


تجارب حديثة

قد يبدو أن لروسيا  اهتمام متواضع في بغداد، ليس سوى ابقاء اسطورة  رغبتها الشائنة لمواجهة بريطانيا في الهند. لكن الاهتمام كان حقيقياً جداً و أساسي.

ولتبيان أهمية التمثيل الروسي في هذه البلاد البعيدة، علينا أن نفكر بالدين الإسلامي. بعد سنين عديدة من الإحتكاك بالسياسة الدولية أدركت الحاجة الى دراسة ديانات العالم، وبدأت أفهم حكمة الحكومة الروسية بالتشديد على هذه الدراسات إضافة الى اللغات والتاريخ،... ألخ. الكثير من الإمتعاض، والحوادث دبلوماسية  وحتى حروب كان ممكن، ومازال ممكناً الآن، تجنبها لو قبل هذا كجزء من التعليم في كل مكان، وبالخصوص للدبلوماسيين، الذين على الغالب يتعرضون للإحتكاك بالتعقيدات الدينية. من الواجبات الأساسية للمسلم الجيد هو الزيارة والدفن في أراضي مقدسة. ولضمان الدخول الى الجنة، يكفي، أذا كانت الزيارة غير ممكنة، بحمل العظام الى الى تلك الأرض المقدسة للدفن.

يكوّن الشيعة الغالبية في بلاد فارس، وفي القوقاس والهند، بينما السنة لهم الغلبة في تركيا والقرم وأسيا الوسطى وغرب الصين وبلاد العرب. مكة والمدينة هما المدينتان الرئيسيتان المقدستان للطائفتين، لكن، يضيف الشيعة مدن في فارس وفي تركيا يحجها الزوار. ففي بلاد فارس هناك مدينة مشهد، وقد دفن فيها الأمام الرضا - وهو المكان الذي أصبح بعدها بيتنا لمدة خمسة سنوات. وفي تركيا أكثر تلك المدن شهرة هي مدينة كربلاء، وتبعد سبعة وخمسين ميلاً جنوب-غربي بغداد، والنجف، بستة وأربعون ميلاً أخرى. الزيارات الى هذه المدن الأخيرة تحظى بتعقيدات عديدة وبالخطر، فهذه المدن في منطقة عداء ديني. وبالرغم من عدم حصول، حسب معرفتي، أية مضايقة مركزة للزوار الشيعة من قبل الحكومة التركية السنية، سوى بعض أفراد من الموظفين المحليين وفي بعض الأحيان من أعتداء جماهيري قد طلب لحمايتهم.

قوافل الزوار، السائرة بأعلامها المرفرفة والمرددة بتلك الأهازيج الدينية المقدسة لها صورة رائعة. فالمسلمون الروس، وكذلك الفرس يصِلّون الى بغداد من الشرق، ويجتازون الحدود في خانقين. تستغرق الرحلة لهؤلاء القادمين من القوقاز خمسة أو ستة شهور. في بعض الأحيان يعود الزوار بذات الطريق ؛ والبعض الأخر يذهب الى مكة والمدينة، ويعودون عن طريق قناة السويس الى الدردنيل والى البحر الأسود. تجلب كل عام عن هذا الطريق حوالي عشرة آلآف من الجثث، وتفرض السلطات التركية في خانقين رسوم كمركية على كل جثة قادمة. ومن الطبيعي أن يؤدي هذا الى تهريب هذه البضائع ذات الرسوم الكمركية العالية، ومن السهولة تبيان كم هو ملّح للحكومة الفارسية والروسية بوجود ممثل لحماية رعاياهم. مختلفة هي القضايا التي واجهت أهتمام القنصلية. على الغالب يعامل الروس بغير إنصاف، وعدم الإنصاف هذا يتفاقم بالعداء الديني. لكن في بعض الأحيان هناك أحداث ذات طبيعة مأساوية ضاحكة يكون مواطنينا في الجانب الخاطئ.

علمنا عن قضية تتعلق بالطبيب الروسي الذي ألتقينا به في سانت بطرسبورغ تلقي بعض الضوء على كراهيته الى الشرق. لقد أرسل هذا الطبيب من قبل الحكومة الروسية لدراسة مسألة الزوار من وجهة نظر الحجز الصحي وليتشاور مع السلطات التركية في خانقين على الوسائل لضمان بعض القيود. جرت العادة، بنقل عظام الموتى للدفن بعد سنين عديدة من الموت، لكن هناك أغواء شديد بتجاهل هذه التعليمات. فأذا أستعد أحدهم لربما الزيارة الوحيدة في حياته، فمن الطبيعي أن يدفعه الأحساس الأبوي بحمل قدر استطاعته عظام المقربين من عائلته، فيأخذ ليس فقط عظام أجداده بل وأبويه وربما أخوته وأطفاله، بغض النظر عن قرب تاريخ موتهم. في بعض الأحيان عندما يقع وقت الزيارة في موسم الحر تتفاقم المشكلة. أتذكر في مناسبة عندما ألتقينا أحد هذه القوافل، كان علينا أن ننقل خيامنا الى مكان أبعد. هذه الحقائق لها أهمية في أنتشار الأوبئة التي تتكرر على أثر قوافل الزوار.

الحكومة التركية وبشكل سليم شعرت بضرورة أخذ الاحتياطات اللازمة. والحكومة الروسية، رغم إدراكها لذلك، وجدت نفسها بين المطرقة والسندان. الامبرطورية الروسية كانت دائماً حذرة في عدم المساس بالأحاسيس الدينية للمسلمين العديدين في الامبراطورية، سواء شيعة أم سنة. حمل العظام للدفن هو أحد الشعائر المقربة للقلب، للشيعة بالخصوص، ويجب الحذر الشديد بالتعامل مع هذه القضية. ومن هنا كانت مهمة الطبيب المذكور. لقد كان بصحبة غلام ثقة من القنصلية الروسية في تبريز، وأكد له بالاعتماد على ولاءه وحكمته. عند وصولهم الى خانقين، طلب الأتراك من الطبيب، ببساطة كإجراء عام، بتفتيش أمتعته. لما له من ضمير حي وافق الطبيب على ذلك، بل وأن يتم ذلك بدون اشرافه. بعد لحظات أرتفعت الأصوات، التي دائماً تصاحب الاختلاف في المواقف في الشرق، وجلبت انتباهه وخرج من خيمته لمعرفة القضية. هناك رأى حقائب السرج مفتوحة ومن مختلف الأماكن الكثير من العظام المخبئة، ليس فقط في الأفرشة والملابس لكن، لشمئزازه، من حقائب ممتلكاته الخاصة بالطحين، والرز،..ألخ. جماجم وعظام بشرية أخرى أمسك بها الأتراك بإنتصار، و"الغلام الثقة”وقف مرتبكاً، ليجيب على الأسئلة المتقاذفة عليه بالدمدمة،”هذا ليس سوى رأس جدي. هذا جزء من أبي!"

لم يكن متوقعاً أن تؤثر الحادثة على موقف الطبيب لجانب حقوق مواطني بلده!

خلال إقامتنا في بغداد احتلت مسألة الزوار أكثر مهمات القنصلية إرهاقاً. وأحد مصادر المشاكل المستمرة كان تهريب الزعفران، وهو مادة في طلب شديد للطبخ الشرقي وفي صنع الحلوى. يحصل على الزعفران بكميات قليلة وغير كافية للسوق وبأسعار باهظة. ولخفة وزنه فأن سعره يقارب وزنه بالذهب. ومحاولات تهريبه عبر الحدود مستمرة وبارعة. من الامثلة التي سببت الكثير من التعقيدات والتي شفتني من حب الزعفران حين أتضح أن المسلمين الروس والفرس يعبئون هذه المادة في تجاويف العظام الطويلة لأجدادهم وإدخالها الى تركيا.

هذا أذن يمثل أحد جوانب العمل في القنصلية ؛ لكن هناك أيضاً التجارة الشرعية والأمور السياسية التي جعلت بغداد في ذلك الوقت مركزاً مهماً، تدعو الى البراعة وحسن التدبير والتفهم التام للتأثيرات السياسية والدينية. بالأضافة الى ذلك كان لزوجي تعاطف حقيقي مع الشرقيين ويعرف جميع اللغات الدارجة في هذه الزاوية المتعددة اللغات من العالم، وبسرعة كسب ثقة وإحترام الترك والمسلمين الروس المقيمون في بغداد وما حولها.

أقتصادياً، بغداد لها الأهمية الدائمة في طريق نقل البضائع بين الشرق والغرب. سياسياً، لها درجات متباينة من الأهمية للقوى الأوربية. أكثرها جدية وواقعية، بالطبع، هي المشاكل التي تواجه روسيا وبريطانيا، بينما لفرنسا ليس أكثر من أهتمامات علمية ودينية. ألمانيا ليس لها ما يرى، لكن أثبت الزمان كمال درايتها السياسية، والأقتصادية، والعسكرية في هذه المنطقة. وللولايات المتحدة الأمريكية قنصلية اقيمت عندما اتضح اهمية الحفريات الآثرية التي قام بها متحف فلادليفيا لعلوم الآثار. ولم يكن هناك وجود لأية قنصلية أوربية أخرى في بغداد.

“لغة السوق”بالطبع كانت العربية، فالسكان في القرى المحيطة ببغداد تتكون في غالبيتها من العرب. جميع ما حولنا وفي المدينة هم من العرب القاطنة، لكن في بعض المواسم قبائل البدو تحضر الأغنام، والصوف، والخيول، والأجبان والقيمر، والشراء بالمقابل من السوق قليل من الأشياء البسيطة المصنعة التي تحتاجها حياتهم البدائية.

لم يكن لتركيا السيطرة التامة على العرب. فالقبائل البدوية القوية خضعت بشكل أو بأخر تحت ظروف مختلفة لكن بدون رغبة لطبيعتهم المفتخرة كعنصر مستقل. حوادث منذ الحرب العالمية أبرزت هذه الحقيقة بأستمرار أمام العالم في طرق ليست على الدوام محسوبة لرفع هيبة أوربا في عيون أبناء الصحراء هؤلاء. أنا أتعاطف مع وجهات نظرهم، فهم بين كثير من الناس الذين شعروا بأنهم لم يعاملوا بصورة عادلة من الحلفاء. وحتى العرب المتحضرة في المدن وحولها كانوا في احتكاك مع الحكم التركي، لكن البدو هم الذين لا يتوقفون من التخطيط والحلم بالحرية.

هذا الإضطراب أثر فينا في طريقة ملفتة للنظر. وجدنا من غير الممكن التجول في الصحراء بدون أثارة الحكومة التركية. كل القناصل الأوربيون لهم الحرية في رحلات طويلة في أي مكان في الصحراء ولأية غاية تعجبهم، المتعة، البحث العلمي، أو للصيد. ونحن، على الضد، لا نتمكن من السير في الصحراء دون أستلام برقية من السفارة في إسطنبول تقول أن وزير الخارجية التركية قلق لمعرفة أين ولماذا ذهب زوجي.

في النهاية وبسبب المراسلات العديدة والبغض بين السفارة والحكومة التركية بعد كل خطوة، طلب السفير من زوجي أن يقلص جميع الرحلات. يبدو أن هناك معتقد شائع بين البدو بأن العرب سيتحررون من الحكم التركي عندما يحضر الموسكوييون ذو البشرة البيضاء والعيون الزرقاء. لهذا كل تحرك لموظف روسي بين العرب ينظر أليه بعدم ثقة عند الأتراك. أنه من القساوة، بسبب تنبؤ ورغبة ممثلينا الذين يعيشون في متعة المناخ في إسطنبول لتجنب مزيد من المراسلات، علينا أن نحرم من متعة عظيمة بالتجوال في الصحراء  في الموسم البارد.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية