العدد (4119) الاربعاء 24/01/2018 (هرمان ملفل)       لماذا نقرأ موبي ديك       موبي ديك: محنة الكاتب وسحر الرواية       موبي ديك... حين يتحول طلب الثأر عمى للبصر والبصيرة..       هرمان ملفيل: كن أمينًا لأحلام شبابك       هرمان ملفيل.. وذكرى متجددة لمن عاش النسيان حكاية أمريكى أسس شِعر البحر فى الرواية       هيرمان ملفيل... ثلاث نظريات حول رائعته موبي ديك       "موبي ديك" لهستون: حين اقتبست السينما الرواية المستحيلة       كيـف أَلْهَمَ العِلْمُ روايـةَ «موبي- ديك»       هيرمان ميلفل.. شكسبير أمريكا البائس    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :19
من الضيوف : 19
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 19320358
عدد الزيارات اليوم : 10056
أكثر عدد زيارات كان : 33537
في تاريخ : 15 /03 /2017
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


بغداد في بداية القرن العشرين

د. جمعة عليوي فرحان الخفاجي
اياد يونس عريبي
   اتسمت حياة العراق الاجتماعية والثقافية، بالجمود والتقوقع تحت ظل هيمنة  عثمانية مركزية دامت أربعة قرون، فقد طفت اثناءها القيم والعادات البدوية  التي سادت المجتمع البغدادي الذي يعد أكبر تجمع (حضري مدني),في العراق، وقد  انعكست هذه القيم على الحياة الاجتماعية البغدادية.


احتلت الطائفة اليهودية موقع الريادة في مجال افتتاح الجمعيات بمختلف توجهاتها، مع وجود بعض الاشارات الى انشطة مسيحية سبقت هذه المدة , حيث وصلت بغداد عام 1844, اول بعثة من المبشرين الموفدين من جمعية لندن , لنشر المسيحية بين اليهود في بغداد , افتتحت هذه الجمعية معهدا في بغداد لتلقين اليهود مبادئ الديانة المسيحية البروتستانتية, كما انشئت مكتبة ومطبعة ومصلى, ولكن بالرغم من العمل المتواصل لمدة تزيد على عشرين عاما فان عدد اليهود الذين تم تحويلهم الى البروتستانتية لم يتجاوز عدد اصابع اليد, برزت جمعية الاتحاد الإسرائيلية الاليانس والتي تأسست في باريس عام 1860، وكان لها فرع اخر في لندن، حيث تم افتتاح اول مدرسة يهودية في العراق عام 1864، والتي استمرت في فتح فروع لها حتى الهجرة الجماعية، وتعد مدرسة الأليانس في بغداد اول مدرسة تفتحها الجمعية على مستوى المشرق العربي، والشرق عامة ولم تسبقها في هذا المجال سوى مدرستي تطوان وتونس في منطقة المغرب العربي، وقد خضعت المدرسة إداريا لإشراف ممثل الاليانس الإقليمي في إسطنبول اذ كانت تتلقى التعليمات والاوامر من قيادة الاليانس عن طريقه ، وكانت مالية هذه المدارس من الجمعية كبداية وفيما بعد تتحملها الطائفة اليهودية بالتدريج.
    ومنذ العهد العثماني وجد في بغداد جمعية اسمها (shamrsmiswal) والتي تأسست عام 1868، وكان هدفها رفع مستوى التعليم، لاسيما بين الفقراء وتنظم المؤسسات الخيرية وحث الأغنياء في الطائفة لمساعدة الفقراء وتزويد الايتام والفقراء بما يحتاجون ومساعدة الغرباء والمسافرين والعمل على رفع مستوى الحياة الدينية ,وقد افتتح عام 1910 مستشفى مير الياهو (مير الياس) للفقراء وقد افتتحه الوالي حسين ناظم باشا بدعوة من حاخام اليهود داود بابو والمؤسس.
        ويمكن القول بان العراق لم يشهد وجودا ذا أهمية للاتجاه الثقافي المتغرب، باستثناء بعض التعبيرات المحدودة الأثر التي مجدت الثقافة والحضارة الغربيتين ودعت للأخذ بهما, كجمعية مساعي التقدم التي انشاها مسيحيون عراقيون عام 1874، ومما يجدر ذكره ان يوسف بن سمعان غنيمة، جد السياسي المعروف يوسف غنيمة كان عضوا فاعلا في جمعية مدرسة الاتفاق الكاثوليكي الشرقي التي تأسست في بغداد عام 1877 وكانت تعد من أرقي مدارس بغداد.
      في عام 1880 تجلت للبروتستانت جمعية في بغداد عرفت باسم "جمعية الكنيسة التبشيرية في بغداد" مارست نشاطا ثقافيا ملحوظا، فقد فتحت مركزا وزعت عن طريقه اعدادا كبيرة من الكتاب المقدس وكتب الادب المسيحي البروتستانتي بأسعار زهيدة، وفتح هؤلاء المرسلون مكتبة في بغداد لبيع الكتب العلمية واللغوية والأدبية والتعليمية.
      أدى نشاط البعثات التبشيرية الى جلب انتباه الفئة المثقفة العراقية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وذلك بحكم واقع افراد هذه البعثات وأسلوب تفكيرهم، الذي تحول فيما بعد الى حلقة وصل مهمة بين الفئة المثقفة العراقية والحضارة الاوربية الحديثة، في حين ذهب البعض الى الزعم بان هذه البعثات لها إثر كبير في تسرب مبادئ الثورة الفرنسية، ولا سيما ان العديد من رجالها اعتنقوا مبادئ الثورة الفرنسية.
       ان اهم ما لفت انتباه الفئة المثقفة بالإرساليات التبشيرية هو ما قام به المبشرون من عمل لا يمكن تجاهله في مجال التعليم، لا سيما وان هذه الارساليات قد انشات اول مدرسة على الطراز الحديث في البلاد، فقد أسس الإباء الكرملين اول مدرسة في بغداد عام 1734، وغدا اسم هذه المدرسة فيما بعد عام 1845 مدرسة القديس يوسف التي استمرت حتى عام 1914.
       في ظل المجتمع المحافظ والمنغلق في ولايات العراق كافة، حاولت الارساليات التبشيرية استغلال أي مناسبة ممكنة لتوطيد الصلات مع السكان المحليين، فكانت تساعد الفقراء عند الازمات والاوبئة والامراض، وسعت كذلك الى المشاركة باحتفالاتهم ودعوتهم بالمقابل الى الاحتفالات والاعياد التي تقيمها تلك الارساليات، كما انشات البعثة الكرملية منتدى ادبيا في بغداد على غرار النوادي التي كانت تعقد في اوربا، وخصصت دارا لذلك وشجعت كل من ينضم اليه، وقد القى فيها الطبيب الفرنسي داميان، الذي عمل في بغداد لمدة 30 سنة، محاضرات في الاكتشافات الحديثة وكذلك في الامراض وطرق علاجها.
    ظهر في بغداد ناد يدعى المحفل الكاثوليكي حيث أنشئ عام 1889، وكان يصدر تقويما يسجل فيه نشاط الأعضاء الادبي والعلمي والاجتماعي لأبناء الطائفة الكاثوليكية في بغداد وقد ازدهر هذا المحفل واستفحل اعضاؤه بعد اعلان الدستور وكثر نشاطه في مختلف النواحي.
      ان الدولة العثمانية اعتبرت شؤون التعليم من جملة الامور المرتبطة بالأديان و المذاهب , فخولتها حق تأسيس المعاهد و الجمعيات الخاصة بها وادارتها كما يروق لها , ويبدو ان ذلك شجع الدول ذات المصلحة , وعن طريق ارسالياتها التبشيرية التركيز على المدارس التبشيرية بعد ان ادركت دور المدرسة و المعلم في هذا المضمار , فكانت فرنسا من انشط الدول حيث انشات العديد من المدارس التابعة للجمعيات , وعلى النهج الفرنسي في بغداد.
        تجلت بوادر التوجه نحو التنظيم في أواخر المرحلة التي نحن بصدد معالجتها هنا، فحسبما يذكر (رزق غنام), انه أسهم في تأسيس جمعية اجتماعية باسم "جمعية اتحاد الشبيبة" قبل قيام ثورة الاتحاديين عام 1908، وكان أعضاؤها يعقدون اجتماعاتهم في بيوت أعضائها بصورة دورية يتداولون فيها موضوعات شتى، منها كيفية نشر الثقافة بين الناس، ويؤكد غنام ان "جمعية اتحاد الشبيبة" أصدرت منشورات دونت بخط اليد وقد تضمنت اراء جديدة ودعوة الى الإصلاح الاجتماعي.
       كان لثورة الاتحاديين عام 1908 صدى واسع في العراق، فقد رحب المثقفون العراقيون بالثورة بحماس ، وبدأوا يشرحون للناس معنى الدستور ويوضحون الأسباب التي قادة الثورة الى احيائه عن طريق الصحف والمجلات. رحب علماء الدين الشيعة بالحركة الدستورية في الدولة العثمانية عام 1908 وكان المجتهدون الشيعة، هم اول من أسس الفرع العربي لحزب الاتحاد والترقي في النجف.
        كانت الحركة المشروطة بداية عهد جديد في التفكير العراقي، فقد غيرت الاتجاه العقلي وفتحت الاذهان على مثل جديدة والفاظ حديثة لم تكن مألوفة لأهل القرن التاسع عشر وما نشأوا عليه من استبداد مطلق، فالحركة المشروطة تتلخص دعوتها في تقييد الحاكم بشروط تحدد سلطانه المطلق.
       فضلا عن ذلك فان للثورة الحجازية تأثير عظيم في توسيع فكرة النهضة العربية، واخذ الكثير من متنوري العراق يبذلون الجهد في داخل البلاد لتوسيع نطاق النهضة العربية في البلاد ولتحقيق الآمال والغايات. كما ان استتباب الامن (1905-1911) مدة حكم ناظم باشا في بغداد أسهم في بلورة الوعي لدى الشرائح الاجتماعية، اذ استتب الامن وقمع الفوضى في جميع الارجاء المجاورة لبغداد، حتى صار اسمه يرهب الاشقياء.
        عرفت بغداد، وعدد من المدن العراقية محافل ومجالس خاصة تصدرت لمعالجة قضايا اجتماعية وسياسية الى جانب أنشطتها الأدبية والعلمية، ومن ذلك (الجمعية العلمية والأدبية) التي تأسست في بغداد عام 1907، لم يكن جدل الأفكار في عراق مطلع القرن العشرين يعبر على نحو واضح عن مصالح طبقات او فئات، قدر ما كان طريقة في الاعراب عن تداول الادبيات العالمية بين المثقفين أنفسهم وجلهم من الطبقة المتوسطة. وما يمكن استشفائه من شخصية الفرد العراقي انه على استعداد , للتطور يتلقى , بسرعة الموجات الفكرية العالمية , بتفهم ومرونة, وهذا الاستعداد فطري تهبه البيئة و المناخ والتربية البيتية والاجتماعية , بوسائل التلقي والتلقين.
       وعلى العموم لم يكن في العراق قبل عام 1908 أي تنظيم سياسي ولكن بعد عام 1908 حاولت حكومة الاتحاديين فسح المجال لتأليف جمعيات ثقافية بشرط ان يتم اخبار سلطات الولاية بذلك وتتم الموافقة الرسمية، وقد كانت بداية التنظيمات الحزبية في العراق على شكل فروع لأحزاب قائمة في العاصمة العثمانية ويعد فرع جمعية الاتحاد والترقي اول تنظيم سياسي بزغ في العراق عام 1908، ويمثل البداية الأولى لتبلور عملية التنظيم الحزبي، وقد افتتحت "جمعية الاتحاد والترقي" اول فرع لها في بغداد عام 1908()،الا ان عضويتها كانت تقتصر في الأساس على الموظفين، وضباط الجيش، وبعض اليهود، ألا انها حظيت بتأييد بعض المثقفين مثل الرصافي والزهاوي.
       تجلت هناك معارضة لحركات الاتحاد والترقي من بعض علماء الدين، عن طريق انخراطهم في لجان وجمعيات معارضة، ومنها لجنة المشورة التي تأسست في بغداد وكان غايتها هي تأييد الدستور، ولكنها كانت تعمل سرا من اجل اقناع الجماهير بالعودة الى الشريعة الإسلامية، ومن أبرز قادتها الشيخ سعيد النقشبندي وعبد الرحمن النقيب (نقيب اشراف بغداد) ، ولكنها بالحقيقة كانت ترمي نحو مقاومة الحركة الدستورية. رافق عمل " جمعية الاتحاد والترقي" السياسي نشاط دعائي هدف الى كسب المواطنين الى صفوفها، اذ اهتمت بالتعليم والاهتمام بتربية الجيل الجديد تربية موحدة عن طريق التعليم .
        ان المثقفين من العراقيين كانوا يناصرون جمعية الاتحاد والترقي وهم كثيرون وحاولوا بكثرتهم ان يجدوا من يؤيدهم من الاتراك، وان يعملوا بنوع من التكاتف والتعاون  للحصول على حقوقهم وإصلاح ادارتهم، ولكن لم تمض مدة حتى صار طلاب الحرية والمساواة من الترك لا يقصدون الا حريتهم وحرية قريتهم ولا يهتمون بحرية الشعوب الأخرى، واتجهوا نحو التعصب العنصري ومارسوا سياسة التتريك.
    بعد اعلان المشروطية حدثت نهضة ثقافية, اذ انتشرت المطبوعات ونبهت الافكار , وجرى انفتاح نحو العالم وخبر العراقيون ما في العالم من احداث ادت الى ما يزيل الغفلة , واعتبر المثقفون يوم اعلان المشروطية يوم الحرية ويوم اطلاق القيود عن الافكار فظهرت الآراء الحرة وزاد الكتاب وكثر القراء.
          لمعت في بغداد عدد لا باس فيه من الجمعيات والنوادي ذات الاتجاه الثقافي ما بعد الثورة الاتحادية فقد ظهر نادي الترقي الجعفري العثماني، حيث تأسس في بغداد عام 1908، وغايته أدبية وعلمية عن طريق فتح المدارس الابتدائية والثانوية لأبناء المذهب الجعفري ومن اهم اعماله فتح مدرسة الترقي الجعفري العثماني، اذ قررت الهيئة المؤسسة للمدرسة رفع عريضة الى والي بغداد يطلبون فيها الاذن بفتح مدرسة باسم (مكتب الترقي الجعفري العثماني)، وانتدبت الهيئة كلا من علي جلبي العينة جي وجعفر ابو التمن لتنفيذ هذا القرار، حيث تقدم كل من جعفر أبو التمن وعلي بازركان، بعريضة الى والي بغداد موقعة من قبل "الشيخ شكر الله " والسيد علي السيد مهدي البغدادي عن الهيئة المؤسسة، للموافقة على تأسيس مدرسة باسم مكتب الترقي الجعفري العثماني، وقد جرت مناقشة بين مقدمي الطلب والوالي حول سبب فتح المدرسة مع وجود مدارس حكومية وعن سبب تسميتها بالجعفرية، وقد طلب الوالي حذف اسم الجعفرية من اسم المدرسة، ولكن جعفر أبا التمن اصر على الاسم وافهم الوالي ان الغاية من التسمية لم تكن النعرة الطائفية ولكن تأسيس المدارس الاهلية فكرة حديثة لا تجذب الناس، فالقصد من الاسم ان يشعر أبناء المذهب الجعفري ان المدرسة منهم واليهم فيقبلوا على ارسال أولادهم اليها، فاقتنع الوالي بما عرضه جعفر أبو التمن ووافق على اجازة المدرسة.
   تغير اسم مدرسة الترقي الجعفري العثماني الى المدرسة الجعفرية فيما بعد لقد كانت المدرسة مجمعا للأدباء والمثقفين وعين العلامة الشيخ شكر الله ، يعاونه علي البزركان لإدارة المدرسة اما الاشراف على المدرسة فقد تشكلت هيئة من اشراف بغداد وهم سلمان أبو التمن وجعفر الملائكة والسيد جعفر السيد هاشم والسيد علي مهدي البغدادي و العلامة السيد عبد الكريم السيد حيدر و عبد المجيد الصفار ومهدي الخالصي ومصطفى كبه ومحمد حسن جوهر وعبد الحسين البحراني وامين الجرجفجي وقد قامت هذه الهيئة بجمع التبرعات لإنشاء بناية خاصة للمدرسة وقد تم تشييد البناية فعلا فانتقلت اليها المدرسة وقد توسعت المدرسة من ابتدائية الى رشدية ثم اعدادية ونشطت هذه المدرسة لتفتح فروعا مسائية في الديوانية والناصرية والعمارة والكوت وثانوية في الحي. كما فتحت مدرسة الحسينية الاهلية وهي مدرسة تابعة الى الجمعية الجعفرية والتي كانت لها مدرستان الهاشمية والحسينية التي تأسست عام 1908 برئاسة الشيخ شكر الله.

عن بحث (أضواء على الجمعيات الثقافية والاجتماعية في بغداد لغاية عام 1933)



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية