العدد (4181) الخميس 26/04/2018 (خليل الرفاعي)       خلیل الرفاعي.. والفن الشعبي       خليل الرفاعي.. لمحات وشهادات       خليل الرفاعي.. أخذها كوميديا في كوميديا من زقزوق إلى "أبي فارس"       الرفاعي : كان أول احتراف عام 1945 في مسرحية "وحيدة العراقية"       خليل الرفاعي.. الحضور المبدع       خليل الرفاعي حطّم العود امتثالاً لرغبة والدهِ       لقاء صحفي مع الفنان خليل الرفاعي سنة 1971       العدد (4180) الاربعاء 25/04/2018 (نوال السعداوي)       في شقة نوال السعداوي    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :20
من الضيوف : 20
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 20333462
عدد الزيارات اليوم : 3613
أكثر عدد زيارات كان : 33537
في تاريخ : 15 /03 /2017
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


من مشاهد عالم الموسيقى في بغداد الثلاثينيات

د. عباس فرحان الزاملي
عرف  البغداديون الآلات والادوات الموسيقية بوساطة الاجواق العسكرية وفرق  الكشافة والفرق الاهلية الموسيقية، وساعد افتتاح الاذاعة عام 1936 على  العناية بالبرامج الموسيقية وظهور اوائل الفرق الموسيقية التي قدمت  نشاطاتها في الاذاعة. ومما اسهم في انعاش الحركة الموسيقية، بعد انتظام  البث الاذاعي ووصوله الى قطاع اوسع من المجتمع العراقي.


وساعد افتتاح المعهد الموسيقي التابع لوزارة المعارف في تشرين الاول عام 1936 على ادخال الآلات الموسيقية العربية وغير العربية في منهاج التدريس وكانت الدراسة فيه مسائية اهتم بتخريج الموسيقيين والعازفين. وقد قامت وزارة المعارف بعد افتتاحه باستقدام الشريف (محي الدين حيدر). من تركيا لكي يتولى ادارته. لما عرف عنه من موهبة فنية اذ كان من اشهر عازفي العود والجلو، فعمل مع الفنان (حنا بطرس) في تهيئة المتطلبات الفنية لانجاح الدراسة فيه، وبذلك تمكن المعهد من تخريج كادر موسيقي متميز، كان يمثل الجيل الاول من الموسيقيين. الذين مهدوا الطريق لبداية النشاط الموسيقي في بغداد.
استمر المعهد الموسيقي قائماً حتى عام 1940 تحول بعدها الى معهد الفنون الجميلة(. وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية توسعت الدراسة فيه وادخلت آلات جديدة في مناهجه منها الة القانون، ثم آلة (الفيولا) وفي عام 1948 ادخلت مادة (الغناء وتربية الصوت) وفي عام 1952 افتتح فيه قسم صباحي لتخريج معلمين للموسيقى والنشيد). مما ساعد على انتشار الموسيقى في المدارس الابتدائية، وازداد عدد الفرق الموسيقية في بغداد، الامر الذي ادى الى نشر الموسيقى العربية والكلاسيكية الغربية في المجتمع البغدادي. وقد ادى الايقاع الموسيقي دوراً مؤثراً في تلحيـن الاغانـي  العراقية، التي تمثل حصيلة وثروة كبيرة من تراثنا. فهي تصور معاني الكلمات والالحان والعادات والتقاليد والاذواق واللهجات وتعالج مشكلات كانت قائمة انذاك، تحركها عوامل اللذة والالم، لذلك زخر الغناء البغدادي بضروب الاسى والشجن واللوعة والعذاب.
لقد ولع البغداديون بالغناء، ويعد المقام من اشهر انواع الغناء. اذ  وجد له مكاناً رحباً في المجتمع البغدادي، للتعبير عن معاناتهم واوضاعهم الاجتماعية والنفسية والاقتصادية في اسلوب موسيقي ينسجم مع عواطف المغني ومشاعره. ويمكن القول ان غناء المقامات كان سمة مميزة للفنان العراقي القديم، بوصفه علماً خاصاً وفناً متميزاً لا تسهل دراسته وانما اخذ بالتتبع والملازمة لبعض رواده.  فهنالك قواعد خاصة لقراءته لايجوز تخطيها ومن يتخطاها عامداً او جاهلاً تزول عنه صفة قارئ المقام.
ومن اشهر انواع المقامات العراقية : (البيات، الراست، الصبا، الاوج، العجم، النوى، والحسيني، والسيكاه، الحجاز، الماهور) وتتفرع من هذه المقامات العشرة فروع أُخر من اهمها (ناري، طاهري، محمودي،حليلاوي، قوريات، عربيون عجم، عربيون عرب، جبوري، منصوري، راشدي، مخالف، ابراهيمي، خنبات وغيرها).
كان لبعض المقامات العراقية تخصصات ثابتة من حيث اغراض استعمالها التي تعددت وتنوعت. اذ انها (وضعت حسب الامزجة البشرية والبروج السماوية على اسلوب علماء الفلك القدامى) اذ كان لكل حالة طبيعية ونفسية لون خاص من المقامات
 تمثل نواحي مهمة في الحياة فمثلاً : يمثل مقام النوى الذكريات الربيعية والحب والشباب، ومقام الراست والبيات يمثلان الحكمة والوقار، والابراهيمي يعبر عن الرجولة والقوة والتأثر العاطفي ويمثل الراشدي والحليلاوي طابع الرقص والغناء، والمخالف والمدمي يصفان الحزن والاسى وفراق الحبيب. ومن حيث الاداء اللفظي، تقسم المقامات على ثلاثة اقسام: قسم يقرأ فيه الشعر الفصيح مثل مقام الحسيني والحجاز والصبا والنوى والمنصوري والقسم الثاني يقرأ فيه الشعر العامي (الزهيري) وهو الموال والمنظوم على نمط خاص ومن اشهر المقامات التي يقرأ فيها هذا النوع من الشعر مقامات الناري والحديدي والمخالف والمدمي اما القسم الثالث فيقرأ فيه الشعر الاعجمي لاسيما مقام التفليس او التركي مثل مقام البشيري والباجلان.
وتؤدى المقامات بطريقتين هما التحرير والبدوة، الطريقة الاولى يؤديها المغني بلهجة هادئة وصوت عريض واطئ اما الطريقة الثانية، فقد يقرأ المغني فيها مقامه وتضاعيفه بشكل متسلسل يصعد بها الى طبقات عالية ثم ينزل الى طبقات متدانية، ويلتزم بأركان المقام (التحرير، الجلسة، الميانة، القرار، القطع والاوصال، التسليم ويسميه القراء التسلوم.
لقد كان للمقام العراقي رواده. الذين رفعوا من شأنه فأصبحوا بمثابة مدارس خاصة به تعرف اصوله وقواعده وطرق ادائه وانواعه منهم من يتمسك باصوله ومنهم من يجدد فيه. كان من اشهر قراء المقام في بداية هذه الفترة رشيد القندرجي. الذي كان يؤديه على وفق اصوله وقواعده المتعارف عليها وانفرد بتطلعه بالمقام واجادته التامة لانواعه فقد درسه منذ طفولته على يد احمد الزيدان ومال الى قراءة المقامات الصعبة والابتعاد عن المقامات الفرعية وعدم الخروج عن الانغام الاصيلة. وتميز بصوت عذب وغناؤه حزين باك. نظراً لظروفه الاجتماعية القاسية وحالة الحرمان والفاقة والعوز التي كان يعانيها فكان يلجأ الى الغناء لحبس الانفعالات النفسية التي كان يعانيها وتنتابه في اثناء تجاربه الخاصة والعامة. وعلى الرغم من دوره الريادي في وضع اسس مدرسة غنائية تتلمذ عليها عدد من المقرئين الذين تأثروا به وساروا على نهجه كان يؤخذ عليه تأديته للمقام بطريقة الزير (الصوت المفتعل) التي تدغم الكلام والمعنى، الامر الذي اثر في مستقبله الفني.
كان رشيد القندرجي يلتزم بالقواعد والاصول الخاصة بأداء المقام ولا يقبل الخروج عنها، ونشأ بينه وبين محمد القبانجي. خلاف حول هذا الموضوع اشار اليه القبانجي موضحاً اسبابه قائلاً: (حين سمعت رشيد القندرجي لاول مرة يغني في مقهى علوان العيشة التي كانت ملتقى الفنانين في الثلاثينيات لم اكن مشهوراً انذاك لكنني اخذت عليه تحفظه في الغناء،  فالذي تسمعه اليوم منه تجده يكرره غداً ودون تغيير او تبديل في الانغام شأنه في ذلك شأن المغنيين الكلاسيكيين الذين كانوا يعدون المقام قالباً معيناً لايمكن تغييره مع ذلك كان له مؤيدون … ومن هنا نشأ الخلاف بيننا، انا ادعو للتطوير شريطة عدم خروج المغني عن الجوهر وهو يلتزم الكلاسيكية). عين رشيد القندرجي خبيراً بالمقام العراقي في الاذاعة واستمر في ذلك حتى وفاته في 8 آذار عام 1945.  
وكان من ابرز قراء المقام بعد القندرجي، محمد القبانجي. الذي سجل اسطوانات عدة لجميع المقامات العراقية لحساب شركة بيضافون، واستطاع ان يتبوأ مكانة متقدمة في فن المقام. اذ ابدع واجاد فيه وابتكر طور اللامي، فعد مدرسة فنية قائمة بذاتها (. وساهم في توسيع حجم الجالغي البغدادي وتحويله الى فرقة موسيقية لمواكبة متطلبات العصر وتضخيم الصوت الالي، ونقل اداء المقام من المقاهي والمجالس الخاصة الى قاعات كبيرة يؤمها رواد المقام والموسيقى، وكان يقوم باحياء المناقب النبوية سنوياً في قاعة الملك فيصل الثاني [ قاعة الشعب]. 
ويشير الشيخ جلال الحنفي الذي يعد شاهد عيان على احداث تلك الحقبة الزمنية الى ان للقبانجي دورين في اداء المقام هما : الدور الاول ويتمثل باحتفاظه باصول النغمة البغدادية والتزامه قواعد المقام العراقي بألفاظه، وتمثل ذلك في الاسطوانات التي خلفها، والدور الثاني هو الدور الذي بدأ يتجه فيه نحو التجديد، فكان يتصرف في المقام تصرفات غير مرغوبة لدى المغنين القدماء وهواة هذا الفن البغدادي الاصيل. في حين يذكر راسم الجميلي ان القبانجي تميز برخامة الصوت وعذوبة النبرات المصحوبة بالنفس الطويل الذي ساعد على رفع مستواه. فأصبح الرائد الوحيد الذي حمل هموم المقام ووصل به الى قمته التي يقف عندها المتطلعون الى المنازل العليا في فن المقام العراقي واصوله.  ومن قراء المقام حسن خيوكة. الذي اخذه عن كبار القراء في مدينة بغداد وكان يجيد قراءة مقامات معدودة تقف عند حدود الرست والاوج والبهيرزاوي. قرأ المقام في اذاعة قصر الزهور عام 1937، ثم دخل اذاعة بغداد عام 1940، يوصف بانه ميال نحو التجديد في المقام لكنه كان قارئاً وسطاً لا يرقى الى مستوى القبانجي او القندرجي.
ويعد هاشم الرجب. من المغنين القلائل الذين حافظوا على اصالة المقامات العراقية وجوهرها، درس المقامات على ايدي اساتذة المقام العراقي امثال نجم الشيخلي وجميل البغدادي ورشيد القندرجي، ودخل الاذاعة عام 1939 واجاد العزف على آلتي السنطور والجوزة، اسهم كثيراً بتطور المقام وحذف الكلمات الفارسية التي تدخل فيه وعوض عنها بكلمات عربية، ودعا الى تنويط المقام العراقي وتدوين النغمات الغنائية والموسيقية فيه قدم عدة حفلات للمقام منذ عام 1950 واسس فرقة الجالغي البغدادي  عام 1951 المؤلفة منه عازفاً على آلة السنطور وشعوبي على آلة الجوزة وعبد الكريم العزاوي على الطبلة الف كتباً عدة في المقام الى جانب تدريسه لآلة السنطور وما يتعلق بالمقام في معهد الفنون الجميلة عام 1954 وتوسع في اقامة حفلات المقام في اذاعة بغداد عام 1957.
وكان يوسف عمر.من قراء المقام المعروفين،تميز غناؤه (بنكهة وحلاوة نادرة الوجود لانه جمع بين عناصر ومقومات جعلته اهلاً لان يقرأ المقام باصوله،فهو صاحب صوت متكامل في قراراته وجواباته تتخلله عذوبة وصفاء تقربه من الاذهان المتذوقة). دخل الاذاعة وسجل عام 1952 (24) اسطوانة لعدد من المقامات اصبح خبيراً للمقام العراقي عام 1953.
لم تقتصر الانماط الغنائية على المقام العراقي وانما صاحبته انواع اخرى لا تقل في اهميتها عنه وهي مكملة له،منها البستات والمربعات والمنولوج والاغاني الريفية. يؤدي المغني العراقي البستة بعد الانتهاء من غناء المقام، وهي من الاغاني الخفيفة بوساطة مجموعة من المغنين الذين يرددون بعده، الغرض من ذلك اعطائه  مدة للراحة والاستعداد لمواصلة الغناء، وقد توسع في غناء البستات محمد القبانجي، وابدع فيها حسن خيوكه (.
اما المربعات فهي لون من الوان الغناء الشعبي البغدادي ولم يمارس في أية مدينة اخرى غيرها، ويغنيه المغني باللهجة العامية من امام جماعته وهم يرددون بعده بمصاحبة الطبلة، وتمارس المربعات في المناسبات الاجتماعية في الافراح والاعياد. وفي الكسلات. التي كانت شائعة انذاك لاسيما في منطقة(سلمان باك)، وكان ابرز من غنى المربعات المطرب محمد العاشق. فقد اشتهر بها لوناً غنائياً احتل حيزاً كبيراً في الاوساط الشعبية البغدادية. ومن الجدير بالذكر ان البستات والمربعات كانت انعكاساً للاوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي عانى منها المجتمع البغدادي، فقد عبرت عن مشاعرهم واحساساتهم وخلجاتهم النفسية،وكان لاجهزة الحاكي والراديو دور في استمرارها وتطورها.
ومن انواع الغناء الاخرى المنولوج. وهو غناء فردي يؤديه شخص واحد، لنظم اشبه بالزجل التعليمي. وكان هذا اللون الغنائي قد نقل الى بغداد عن طريق الفرق المصرية التي زارت بغداد لاسيما فرقة فاطمة رشدي في بداية الثلاثينيات او عن طريق الاسطوانات، وهو وافدٌ اصلاً من اوربا. وقد وصف في بدايته على انه لون غنائي ترفيهي ثم تحول الى تناول القضايا الاجتماعية والتربوية والسياسية لاسيما الجوانب السلبية منها باسلوب هادف خفيف ومؤثر في النفس الانسانية. وابرز من غنى المنلوجات واجاد فيها عزيز علي وعلي الدبو وحسين علي، الذين قدموا منولوجات ذات اهداف اجتماعية عبر برامج الاذاعة والتلفزيون عام 1956. وكان اشهر من نظم قصائد تلك المنولوجات الشاعر عبد الكريم العلاف. وفي الحقبة الاخيرة من الدراسة ضعف هذا اللون من الغناء. 
اما بالنسبة للغناء الريفي الوافد من جنوب العراق الى بغداد، فقد كان ذا نكهة خاصة لاقت استحسان البغداديين، واثارت مشاعرهم بما تحمله من شجن ولوعة جادت  بها قرائح المغنين الريفيين الرواد وهم حضيري ابو عزيز.وداخل حسن.  وعبد الامير الطويرجاوي وناصر حكيم، الذين قاموا بنقل تلك الموروثات الغنائية التي كانت انعكاساً للواقع المأساوي الذي كان يعانيه الريف العراقي من التخلف الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والصحي، والاهمال وسيطرة الاقطاع وجبروته.
ومن الجدير بالذكر ان رواد الاغنية الريفية في بغداد قد نجحوا نجاحاً ملحوظاً في تأديتها بطريقة ممزوجة بالغناء البغدادي وبأساليبهم الشيقة. وعرفت مقاهي خاصة بهم كانت بمثابة مدارس فنية لنشر هذا اللون الغنائي منها على سبيل المثال مقهى ناصر الحكيم في منطقة علاوي الحلة ومقهيين لحضيري ابو عزيز كانت الاولى في سوق الهرج بالميدان والاخرى في محلة العوينة. فضلاً عـن ذلك كـان يغنـي صباح كل يوم جمعة لمدة نصف ساعة في دار الاذاعة على الهواء مباشرة، واستطاع ان يحبب الاغنية الريفية الى ابناء المدينة فهيمن على قلوب عشاق الغناء الريفي لعذوبة صوته وحلاوته الذي جمع بين الحزن والطرب وتميز بعرض المساحة الصوتية واجادته غناء كافة الاطوار الريفية.

عن رسالة (الحياة الاجتماعية في بغداد 1939ــ 1958)



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية