العدد(4084) الاثنين 11/12/2017       بغداد في بداية القرن العشرين       تقرير نادر عن حادثة الاميرة عزة سنة 1936..       شيء عن محلة بغدادية قديمة       من مشاهد عالم الموسيقى في بغداد الثلاثينيات       كيف كانت آثار العراق تنقل الى اوربا؟ أسرار وخفايا الصراع الدولي على آثار الشطرة..       من تاريخ الحركة الفلاحية في العراق.. انتفاضة آل ازيرج ضد الاقطاع سنة 1952       من ذكريات عبد العزيز القصاب.. الادارة بين بغداد وسامراء في اواخر العهد العثماني       الملك فيصل الاول في الكوت سنة 1922       العدد (4081) الخميس 07/12/2017 (عبد الخالق الركابي لمناسبة فوزه بجائزة العويس)    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :39
من الضيوف : 39
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 18779714
عدد الزيارات اليوم : 14139
أكثر عدد زيارات كان : 33537
في تاريخ : 15 /03 /2017
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


الزمن الإبداعي في رواية عبد الخالق الركابي «قبل أن يحلق الباشق»

عيسى حسن الياسري
في روايته قبل أن يحلق الباشق  يتابع القاص العراقي"عبد الخالق الركابي"تشكيل هاجسه الإبداعي المسكون بجدل  التاريخ والذي بدأه في رواية"الراووق"وذلك من خلال تحويل الزمن التاريخي  إلى زمن إبداعي، والجدل عند الركابي لا يخضع للقانون الفلسفي الناجم عن  أفكار متضادة يمكن أن تنتج في محصلتها النهائية قانونها الحياتي...ذا  الإطار الأيديولوجي...المنسجم مع نمو البنى الفوقية والتحتية...لمجتمع  اقترب من طور نضجه التاريخي والسياسي.


إن جدل الركابي داخل نصه الروائي، يعيدنا، وبطريقة غير مباشرة إلى أسطورة الخلق الأولى، حيث يبدأ"الغمر"ينزاح عن وجه الأرض تدريجياً...نتيجة عوامل صراع طبيعية غير مدركة في كثير من جوانبها المرمزة..ووفق زمن متراكم. ولا يتسنى لنا الإمساك بأطراف ردائه..التي تمتد عميقاً في المتاهة..رغم الإطار المفرق في واقعيته..والذي اعتمده القاص ليكون خطاً مضافاً إلى مجموعة الخطوط الأخرى في الرواية..والتي تختلط وتتشابك في أكثر من منعطف..مما يعطي ـ لخط الزمن ـ فرصة الظهور بين الحين والحين ليوجه الأحداث وجهتها الصحيحة..ويمضي بنا صوب حدود نموها الطبيعي المتوازن...ليمنحنا سفراً آمناً..فوق أرض ممهدة..وطرقات تتكشف أمامنا بوضوح تام..نتيجة حرص القاص على تحقيق معادلتين أساسيتين..لا في رواية"الباشق"هذه وحسب..بل حتى في أعماله الإبداعية السابقة.
      ففي المعادلة الأولى يصر الكاتب على توكيد الوظيفة الحياتية للفن كنتج إنساني يتوجه نحو التغيير..من خلال توظيف رموزه..وطاقاته الإبداعية بطريقة أقرب الى"الوعي" بسبب وضوح"رؤيته"وعمق"الهدف"الذي يسعى إليه.والذي يتحرك بطريقة متوافقة مع حركة العالم من حوله، ولكي يؤكد نهجه هذا..ويدعم معادلته الأولى...اعتمد معادلة أخرى..تتظافرمعها من خلال تأسيس إطار لا يتنافر مع ألوان وكتل وظلال اللوحة التي شكلتها مخيلته الراصدة لعالمه الذاتي والموضوعي. إن الدخول في تشابكات الزمن التاريخي..وإستلال الأحداث ذات التميز الخاص والتي يمكن أن تتحول إلى زمن إبداعي...ليست بالمغامرة السهلة..وتبدو الصعوبة أكثر تعقيداً عندما لا يكون الهدف مقصوداً لذاته.
      إن هاجس التاريخ لدى المبدع أو الفنان لا يختلف عن أي تأسيس رؤيوي آخر..كأن يكون مسكوناً بهاجس خوفه من العالم...وانهياره المفاجئ..لكي يبدع شخصيات قلقة...معبأة بالرعب..أو أن يكون ذا رؤية"عبثية"تنتج شخوصاً ينظرون إلى الحياة كوجود متلاشٍ لا جدوى منه..وعبث لا طائل من روائه..وهكذا فأن انشغال"الركابي"بإعادة خلق المادة التاريخية يمثل هاجساً إبداعياً صرفاً لا انتماء أيديولوجيا ًجامداً..لذا فأننا لا نستطيع أن نحيل كتاباته إلى صنف الرواية التاريخية..التي كثيراً ما تفرض على الكاتب أن يعيش سجين الفترة التي يتعامل معها ليقع تحت ضغوط الواقع الخارجي..الذي يضيق الخناق عليه..ويوجه أدواته الإبداعية لمشيئة ما هو كائن فعلاً...والذي يتعارض بطبيعة الحال في كثير من جوانبه مع هواجس الكاتب الحياتية والإبداعية.
      إذ إن علاقاته ـ كفرد مبدع ـ بالحياة العامة.. أما أن تتحدد بطريقة"أيديولوجية"صرفة...أو تحاول الوثوب إلى المرتبة العليا من الطبقات الاجتماعية والتي توجه الزمن التاريخي وفق رغباتها..وخدمة مصالحها.. وفي كلتا الحالتين يلغي انحياز الكاتب إلى هذا الجانب أو ذاك شرط وجوده كإنسان مؤثر..وغير منقاد انقياداً أعمى لتيارات قد تخرب"شرطه الإبداعي"وتحدث تحولاً كبيراً في مجرى نهر حياته من خلال إلغاء"رسالته التغيرية"وهي خسارة فادحة الثمن بالتأكيد.
      ولكي يتحاشى الكاتب الوقوع في إسار"الرواية التاريخية"بسبب تعامله مع"التاريخ"في الرواية..عمد إلى تشكيل متوالية زمنية تأخذ من التاريخ لحظات الضعف التي تحمل في داخلها بذرة النهوض والارتقاء ثانية..تماماً كما هي الحال في عملية الخلق الأولى..
      فنحن نرتاد ونحن في رواية"الراووق"زمناً مشكلاً بطريقة بدائية..لكنها ليست مرحلة"جمع القوت"بالتأكيد...بل تخطى هذه المرحلة تحاشياً من السقوط في الشبكة"العنكبوتية"التي يستخدمها التاريخ لاصطياد الذين لا يمتلكون وسائلهم الوقائية التي تمنع إخضاع حركتهم داخل فصل الزمن لسلطة السكون..وتعطل الحركة وهكذا بدأ القاص رحلته في روايته السابقة"الراووق"عبر مرحلة"إنتاج القوت"ودخول التاريخ من خلال"مخطوطة الراووق"والتي تمثل مرحلة بدء عصر"التدوين"لقد كان تمهيداً منطقياً..وظف القاص كافة أدواته"أي أدوات المرحلة"لتجعلنا مستعدين لاستقبال"الباشق"دونما إخلال لعلاقتنا بزمننا الذاتي الخاص..ودون أن نفاجأ بعجزنا أمام متابعة هذا الحشد الهائل من الأحداث...والأزمنة المركبة والشخصيات الواضحة والمبهجة...والعلائق المتداخلة والمتضادة...بل كنا نرافق الكاتب رحلته..مطمئنين إلى سلامة وعيه..ونضج أدائه..نتفق معه أو نتوقف معترضين,,نصفق أو نحتج..ننفعل أو تنبسط أساريرنا فرحاً..وفي بعض الأحايين نكون كمشاهد لعبة الكرة الذي يصرخ بوجه هذا اللاعب أو ذاك قائلاً بانفعال:
ـ لماذا لم تؤد هذه الحركة...؟ أو تنفذ من ذلك الفراغ..؟
      وكأن لسان حال اللاعب يقول لنا:
ـ أنتم تشاهدون من الخارج..لكن..لو كنتم مكاني لما ارتفعت أصواتكم بهذه الطريقة الصاخبة.
      لقد استطاع الكاتب"عبد الخالق الركابي"أن يوجه أفعال شخوص روايته..وبدءاً من صفحاتها الأولى بطريقة تدلل على فهمه لكل شخصية من شخصياته..ودراسة أبعادها النفسية والاجتماعية..وما ستؤول إليه من تحولات نحو السلب أو الإيجاب..وهكذا جاءت جميع الشخصيات مقنعة وقريبة منا..ومحافظة على امتداداتها التي بدأتها في رواية"الراووق»..مما كون لدينا قناعات ووجهات نظر..تتطابق أو تتنافى مع هذه الشخصية أو تلك..كما أن وعي الكاتب بتشكلات المرحلة التاريخية التي أطرت الرواية"زمناً»..والتكون البيئي والإنساني الذي أسس طابعها الاجتماعي..خلق نوعاً من عمليات تبادل المراحل..وإسقاط الأزمنة بعضها على البعض..وانسحاب الأحداث البعيدة لتقتحم علينا عالمنا المعاشي..دونما تأثير على خط الزمن الإبداعي الذي ظلت مخطوطة الراووق..تمسك به..وتوجهه الوجهة الصحيحة.لقد كان التاريخ المادي يقوم بعملية خلط أزمنته من خلال أشخاص عرفوا بطغيانهم..وممارسات اشتهرت بجبروتها ورعبها..ونماذج إنسانية مغايرة قدمت كل شيء من أجل آلام وعذابات الآخرين.
      إن عناصر الصراع التي افترشت مساحة الرواية..لم تخرج عن حدودها المحكومة بشرطها الاجتماعي رغم التغير الملموس في البنية المادية. والشرفات والنوافذ الزجاجية..ورغم إضاءة الطرقات المستقيمة..بالفوانيس..فأن القاص لم ينسَ القاعدة الأولى التي شكلت تفكير الناس..وقيمهم..ومألوفاتهم كقرويين ومزارعين.
      وهكذا فقد ظل الدفاع عن الأرض..وطرد الغرباء مرتبطين إلى حد بعيد..بالجانب العشائري..أكثر من ارتباطه بالوعي الفكري.وهذا الجانب الذي فرض حضوره حتى على تفكير"مانع الشيخ عاصي"الذي عين أول"مدير ناحية لمدينة الأسلاف»..التي قامت على أنقاض ديرة"الهشيمة"التي جرت فوقها أحداث رواية"الراووق».
      إن"مانع الشيخ عاصي"وفي جانب كبير من تحول موقفه ضد الغزاة الجدد..الذين جردوه من"منصبه». ظل منساقاً بدافع"الثأر"من"فزع الطارش»..الذي انضم إلى الغزاة الإنكليز وهو متهم بدس السم في فنجان قهوة الشيخ عاصي"والد مانع»..ليستولي على رئاسة العشيرة..والذي أفزعه أن يعود"مانع الشيخ عاصي"مديراً لناحية الأسلاف وأن يحل محل والده في الإشراف على عشيرة"البواشق».
      إن شخصية مانع تبدو في الرواية شخصية غير مقنعة لا سيما في تحولها النهائي..وتسلمها قيادة مقاومة المحتلين..كونها مرتبطة بقوة احتلال سابقة متمثلة"بالأتراك»..وكونها أيضاً قد اتخذت هذا الموقف بسبب التضارب بين مصلحتها في الوظيفة...وخسرانها لها من قبل المحتل.
      بيد أننا..وعندما نضع هذه الشخصية ضمن شرطها الثقافي والزمني والاجتماعي يمكن أن نتجاوز سلوك هذه الشخصية..فرغم الجانب"النفعي"المختبئ وراء تحولها..نجد أن الجانب الثقافي يغطي بعض الفجوات التي تؤثر فيها..فهي توجد في مرحلة يعد فيها المتعلمون..على عدد الأصابع..وكل حركة تحررية فيها تحتاج إلى المتعلمين الذين يوجهون هذه الحركة..وهكذا تلعب ثقافة"مانع"دوراً يبرر تحوله من موقف إلى آخر.
      لقد حاول الكاتب أن يجعل من"ناحية الأسلاف"مكاناً مصغراً يتجسد فيه"البلد الكبير"الذي هو العراق..بل وحتى الوطن العربي..متمثلاً بشخصية"المعلم السوري" ممدوح أفندي ـ الذي أسهم في قيادة الحركة ضد الإنكليز.
      كما أن الكاتب..وبالرغم من أنه برز بضعة شخصيات مثل..مانع الشيخ عاصي وممدوح أفندي وشخصية الحاكم الإنكليزي فإنه اراد أن يمنح روايته بعداً شمولياً..ويجعل منها محوراً لقضية الإنسان في كل مكان..أنها رواية الشخصية الجماعية..فهو يعمد إلى تغييب الشخصيات المهمة في الرواية..لفصول عديدة..لتبرز مكانها شخصيات ثانوية جداً..بحيث تتصدر الأحداث وتوجهها..مما عمق المشاركة الجماعية في أحداث الرواية..دون أن يخسر الفعل الرئيسي تأثيره..أو يصبح هامشياً..أو تزاح الشخصيات الرئيسية جانباً وتهمش.
      وقد أعاد الكاتب إلى بعض الرموز الروائية التي انتهكت عذريتها..في رواية"الراووق"قوتها وتأثيرها كرمز"المضيف"الذي أسيء إليه من خلال عملية"الإعدام"التي نفذها العثمانيون أمامه بواحد من أهل القرية دون أية معارضة.
      إن تحول"المضيف"في رواية"الباشق"إلى مكان لتجمع المناوئين للإحتلال قد أعاد له هيبته"اجتماعياً"و»عرفياً"حيث إتخذ منه"مانع الشيخ عاصي"و»ممدوح أفندي"وأنصارهما مكاناً لاجتماعاتهم..وتعبئة الناس ضد الإحتلال.
      ولعل من أهم الرموز التي استمرت على مدار الروايتين مقام"السيد نور"الذي يمثل"الجانب الروحي"والذي هو معادل الزمن الإبداعي وهو رمز بعيد عن  الإطار"الديني الضيق"وأقرب إلى"تجليات الروح"التي يحتاج إليها الناس في اشتداد الأزمات..وهبوط الظلام الثقيل..وهناك أيضاً شخصية"ذاكر القيم»الشخصية الغامضة..التي تتخذ من ضريح "السيد نور" مقراً لإقامتها..وهي تؤدي مهمتين أساسيتين الأولى تذكير الناس بواجبهم الروحي من خلال رفعه"الأذان"في أوقاته المحددة. والثانية تؤدي دور"الحارس" لمخطوطة "الراووق" هذه المخطوطة التي أُثير حولها الكثير من الجدل..والتي إتخذت الرواية السابقة اسمها منها. حيث ربط الكاتب ما بينها ومابين مخطوطة"ماركيز"في روايته"مائة عام من العزلة»..لكن وفي تصوري أن هناك فرقاً بين وظيفة كل من المخطوطتين..فإذا كانت مخطوطة "ماركيز" قد دونت تاريخ أسرة "العقيد" فأن مخطوطة "الراووق" مثلت رمزاً لأمة بأكملها..بدليل أن"الصاحب" في رواية "الباشق"عمل المستحيل من أجل الاستيلاء عليها..فهو لم يجد في الآثار المادية التي سرقها أثناء"الحفريات"قيمة تعادل قيمة تلك المخطوطة..لإعتقاده الراسخ..أن سرقة الآثار المادية للأمة يمكن أن تستعاد في يوم ما..لكن أن تسرق الفكر التاريخي والروحي لتلك الأمة..فهذا يعني اندثارها الأبدي.
   لذا فأن"الركابي"رمز في مخطوطه"الراووق"إلى الجانب الصافي والنقي من تراثنا الفكري والإنساني...أضف إلى ذلك فأن خصوصية مخطوطة "الراووق" تنبع من معطى مغاير..فالركابي لم يكن هو الوحيد الذي اعتمد"قيمة" المخطوطة مرتكزاً لروايته لنحيلها إلى التأثر بمخطوطة"ماركيز"بل أننا قرأنا أكثر من رواية اهتمت"بقيمة"المخطوطات محوراً لها ومنه رواية"سمرقند"للكاتب أمين معلوف والتي تدور أحداثها حول مخطوطة مفقودة ورواية أخرى للكاتب الإيطالي"امبرتو إيكو"بعنوان اسم الوردة تقود أحداثها إلى العثور على"مخطوة مسمومة"ولم يتهم أي من الكاتبين بأنهما قد تأثرا ببعضهما البعض...أو تأثرا معاً بمخطوطة"ماركيز».
      إن رواية"الباشق"للكاتب العراقي"عبد الخالق الركابي"يمثل كشفاً رؤيوياً..وتستشرف المستقبل من خلال رمزين مهمين:
      أولهما: يتجسد في اسمها..وهو يمثل نوعاً من الطيور التي تحلق إلى مسافات بعيدة نحو الأعالي...مقترنة بأمل الهبوط إلى الأرض حيث يفترشها السلام..وترتحل عنها مصائد الموت.
      وثانيهما: يتمثل في الجانب الروحي للأمة..والمدخر بين صفحات مخطوطة"الراووق"هذه الروح..والتي وما إن ترى إلى جسد الأمة وهو يوشك أن يسبح بالصخور التي تحاول أن تقتل فيه شوقه للحب والنقاء والأغاني الصافية..حتى تغادر مخبأها وتهب إلى نجدته...ليعاود الإنسان قيامته من جديد. ويحقق"زمنه الإبداعي"لا داخل نسيج العمل الروائي..ولكن في نسيج الزمن القائم فعلاً.

             سبق لهذه المادة ان نشرت عام1999



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية