العدد(4084) الاثنين 11/12/2017       بغداد في بداية القرن العشرين       تقرير نادر عن حادثة الاميرة عزة سنة 1936..       شيء عن محلة بغدادية قديمة       من مشاهد عالم الموسيقى في بغداد الثلاثينيات       كيف كانت آثار العراق تنقل الى اوربا؟ أسرار وخفايا الصراع الدولي على آثار الشطرة..       من تاريخ الحركة الفلاحية في العراق.. انتفاضة آل ازيرج ضد الاقطاع سنة 1952       من ذكريات عبد العزيز القصاب.. الادارة بين بغداد وسامراء في اواخر العهد العثماني       الملك فيصل الاول في الكوت سنة 1922       العدد (4081) الخميس 07/12/2017 (عبد الخالق الركابي لمناسبة فوزه بجائزة العويس)    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :41
من الضيوف : 41
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 18779695
عدد الزيارات اليوم : 14120
أكثر عدد زيارات كان : 33537
في تاريخ : 15 /03 /2017
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


في استذكار آيريس مردوخ

لطفية الدليمي
أفردت مجلة  (الإيكونومست) البريطانية  الصادرة في مطلع شهر شباط (فبراير) من هذا العام  مساحة معتبرة على صفحاتها لاستذكار الروائية - الفيلسوفة (آيريس مردوخ)  التي توفيت في الثاني من شباط عام 1999 متأثرة بمضاعفات مرض الزهايمر. وقد  أدهشني استذكار الإيكونومست لهذه الفيلسوفة والروائية القديرة وبخاصة بعد  أن عاينتُ في الصفحة ذاتها من المجلة الكمّ الكبير من الموضوعات التي تختص  بِـ آيريس والمنشورة سابقاً في صفحات الثقافة من المجلة ذاتها،


 ودفعني هذا الاستذكار النبيل إلى مراجعة ذاكرتي التي تختزن تفاصيل كثيرة عن هذه الروائية والفيلسوفة المميزة.
تعود بدايات معرفتي الدقيقة والرصينة بِـ (آيريس مردوخ) إلى أواخر ستينات القرن الماضي، وعلى وجه التحديد إلى عام 1968 الذي شهد نشر كتاب بعنوان (طبيعة الميتافيزيقا) حرّره الفيلسوف الإنكليزي (ديفيد بيرس) وترجمه أستاذ الفلسفة اليونانية في جامعة بغداد الدكتور (كريم متي)، وكانت (مردوخ) قد كتبت الفصل السادس من الكتاب والخاص بموضوعة (الميتافيزيقا والأخلاق) كما ساهمت في الحلقة النقاشية التي ضمّها الفصل الأخير من الكتاب، ثمّ تعمّقت معرفتي بأعمالها - الروائية بخاصة - عقب فوزها بجائزة البوكر المرموقة عام 1978 بروايتها (البحر، البحر) التي تحكي فيها كعادتها عن موضوعة ذات محمول فلسفي محدد، ثم توالت ترجمات أعمالها الروائية التي صدر البعض منها عن دار المأمون العراقية التي ساهمت في نشر الكثير من الترجمات المرموقة لكبريات الروايات العالمية. ولاينبغي أن أغفل بالطبع الكتاب المعنون (سارتر : العقلاني الرومانتيكي) الذي نشرته (مردوخ) في مطلع الخمسينات من القرن الماضي وظل يعدّ لوقت طويل من أفضل المراجع التي كتِبت عن الفيلسوف الوجودي الفرنسي. وقد تسنت لي قراءة هذا الكتاب في سبعينات القرن الماضي وتعزّزت لدي بعد قراءته نظرة الإعجاب والتقدير لهذه الفيلسوفة - الروائية الإنكليزية التي تعتبَر مَعلماً ثقافياً مميزاً في الثقافة البريطانية في الحقبة مابعد الكولونيالية.
حصل في عام 1978 أن التحقت بدورة صيفية في كلية غولد سمث – جامعة لندن  للحصول على دبلوم الأدب الإنكليزي واللغة الإنكليزية، وكانت رواية مردوخ المعنونة (الأمير الأسود) واحدة من الأعمال التي تناولناها بالدراسة والتحليل ؛ الأمر الذي ساهم في تعزيز معرفتي بالعوالم الروائية لمردوخ، وينبغي التأكيد هنا أنني وبحكم انشغالاتي الروائية أوليتُ اهتمامي الأعظم للأعمال الروائية التي كتبتها (مردوخ) وتجاوزتُ نتاجها الفلسفي الخالص، غير أن السنوات القليلة الماضية شهدت قراءتي لعملين مهمّين من أعمالها الفلسفية الذائعة الصيت وهما : (وجوديون ومتصوفة) و (الميتافيزيقا مرشداً إلى الأخلاق)، وكم أتمنى أن تتاح لي الطاقة اللازمة والفسحة الكافية من الوقت لترجمة العمل الأول منهما فيما لو قصرت عن ترجمة العملين معاً.
أولاً : آيريس مردوخ - سيرة فلسفية وأدبية 
أيريس مردوخ Iris Murdoch  : روائيّة وفيلسوفة وأستاذة جامعيّة بريطانيّة عرِفت برواياتها السايكولوجيّة الّتي تحتوي على عناصر فلسفيّة مشوبة بنكهة هزليّة، وتركّز أيريس في أعمالها على جوانب الخير والشر، والعلاقات الجنسيّة، ونظم الأخلاقيات، وقوة التجربة اللاواعية في حياتنا البشرية. وقد أختيرت روايتها الأولى المعنونة (في المصيدة) في عام 1998 كواحدة من أفضل مائة رواية إنكليزية في القرن العشرين، كما صنّفتها مجلة التايمز في المرتبة (12) من قائمة تضمّ (50) من أعظم الكاتبات البريطانيّات منذ عام 1945 ولا زالت تحظى باهتمامٍ كبيرٍ بعد مرور أكثر من عقد على وفاتها عام 1999 متأثّرة بتداعيات مرض الزهايمر الذي ظهرت أعراضه عليها منذ عام 1994.
ولدت أيريس مردوخ بمدينة دبلن في 15 تموز 1919 و نشأت في لندن، تلقت تعليمها الاولي في مدرسة (بادمنتون) في مدينة برستول ثم درست الكلاسيكيات في كلية سومرفيل الاكسفوردية في الفترة 1938-1942 حصلت في خاتمتها على مرتبة الشرف الأولى. عملت أيريس بعد تخرجها في مواقع كثيرة و شغلت مناصب حكومية مرموقة حتى انتهى بها المطاف في نهاية أربعينات القرن العشرين أستاذة للفلسفة في كلية القديسة آن في أكسفورد.
نشرت أيريس كتابها الأوّل المعنون (سارتر : العقلاني الرومانتيكي) عام 1953 ثم ألحقته بروايتها الاولى (في المصيدة)، وتوالت أعمالها الروائية والتي نذكر منها (قلعة الرمال) عام 1957، (الناقوس) عام 1958، (الهزيمة المشرّفة كفاية) عام 1970، (البحر،  البحر) عام 1978 والتي فازت بجائزة البوكر لذلك العام،  (تلميذ الفيلسوف) عام 1983، (الكتاب والأخوة) عام 1985،  (رسالة إلى الكوكب) عام 1989. نشرت أيريس عملها الأخير عام 1995 وهو رواية بعنوان (معضلة جاكسون) و قد لقيت انتقاداً واسعاً من جانب النقّاد ورأوا أنّ تأثيرات ألزهايمر ألقت بظلالِها على هذه الرواية.
تزوّجت أيريس جون بايلي عام 1956 الذي ارتقى الى مرتبة رئيس إحدى الكليات الاكسفوردية، وعاشا سوية لسنوات طوال في قرية (ستيبل اشتون) في أكسفوردشاير. وفي عام 1963 سميت أيريس زميلة شرف في كلية سانت آن St. Anne College، وظلّت لأربع سنوات لاحقة محاضرة غير متفرغة في الكلية الملكية للفنون في لندن.  وفي عام 1986 انتقلت أيريس لتستقر مع زوجها في أكسفورد. رغم أن أيريس عرفت كروائية وفيلسوفة في المقام الأول إلا أنها كتبت أيضا في النقد الأدبي، وتعدّ مقالتها النقدية (ضد الجفاف) عام 1961 درساً نقدياً أثيراً، كما أنّ لها مجموعة شعرية (سنة الطيور) عام 1978، وأعدت سيناريوهات اثنين من الأفلام الثلاثة التي أخذت عن رواياتها، ولها أيضا ثلاثة كتب مرجعية ممتازة في الفلسفة : (سيادة الطيّب) عام 1970، (النار و الشمس) عام 1977، (حواران أفلاطونيان) عام 1986. تمتاز أعمال آيريس الفلسفيّة بسلاسةٍ وأناقة تحتكم إلى الإنضباط والدقّة والوضوح الصارم المقترن برهافة فلسفيّة جديرة بفيلسوف متمرس في حرفته الفلسفية.
تلقّت أيريس الكثير من الجوائز والتكريمات في حياتها - فبالإضافة لجائزة البوكر المار ذكرها فازت بجائزة جيمس تيت التذكارية The James Tait Memorial Prize عن كتابها (الأمير الأسود)، و كانت أيضاً عضوة في الجمعية الأمريكيّة للفنون والآداب والجمعية الأمريكية للفنون والعلوم.
عاشت أيريس مع زوجها في منزل يقع في المنطقة الأكاديمية العائدة لجامعة اكسفورد  حيث يمكن للمرء أن يشاهد أكواماً من الكتب على الأرض ورفوفاً من كتب أخرى تمتد من الأرضيات وحتى السقوف، حتى أن الحمام لا يخلو من كتب تتناول اللغة وبخاصة كتب قواعد اللغة الهولندية ولغة الأسبرانتو (الاسبرانتو Asperanto : لغة وضع أسسها"زاماهوف"الذي نشر كتاباً عنها عام 1887، وتعني حرفياً لغة الأمل، و كان مقدراً لها ان تكون لغة عالمية سهلة التعلم، محايدة سياسياً،  عابرة للقوميات وداعمة لأسس السلام و التفهم العالميين - المترجمة -).
ثانياً : آيريس مردوخ وحدود تضمين الفلسفة في الرواية 
يبدو واضحاً أنّ للفلاسفة دأبهم الخاص في البحث عن الحقيقة لا يلامس جوهر المادة التي تستقي منها الروايات موضوعاتها والتي يجوز لنا أن نسميها"الحقيقة الروائية"في مقابل"الحقيقة الفلسفية"، ومن المؤكّد أن هذين الشكلين للحقيقة يختلفان جوهرياً : فالمقاربة الفلسفية للحقيقة تعمل في إطار مقايسة analog   شديدة الخصوصية وأسلوب تحليلي صارم يفصل بقسوة بين العقل والخيال، وبين الانضباط والتحليق الحر في عوالم لا حدود  لها.
تحدثت الروائية والفيلسوفة (أيريس مردوخ) في مقابلة معها عام 1978 عن"ذلك النوع من الصوت المحدّد البارد والواضح الذي يسهل تمييزه بين الأصوات"الذي تحتاجه الفلسفة : الصوت الذي يمتلك صلابة وقدرة على مواجهة الغموض، وربما أضافت إليه أنه"صوت غير مصمّم لعكس حقيقة حيوات البشر والعلاقة الوثيقة بين النعيم و الشقاء"كما يصفه هنري جيمس في مقدمته لأحد كتبه عام 1897.
هناك قناعة راسخة لدى الكثيرين بأن (أيريس مردوخ) هي الاسم الأكثر ملازمة للرواية الفلسفية رغم أن كتبها تبدو عتيقة النكهة بعض الشيء لجيل كامل من الشباب، وقد كتبت أيريس ذاتها في"ييل ريفيو    Yale Review"عام 1959 تقول"ينبغي أن تكون الرواية بمثابة منزل يصلح لسكنى الشخصيات الحرّة في فعلها"ولكننا مع هذا نلمح أن العديد من شخصيات رواياتها هي في الغالب نتاج فعل تخليقي غير محتمل وواقعة تحت ضغط آلية حبكة ثقيلة ومعقّدة - فعلى سبيل المثال تعنى رواية مردوخ المعنونة"تلميذ الفيلسوف"1983 (كما هو الحال مع معظم روايات مردوخ الأخرى) بمسألة الخير والشر في هذا العالم و لكن يبدو أن الكثير من رؤية مردوخ الميتافيزيقية التي ضمّنتها في رواياتها تغرق وسط طوفان من الميلودراما على الرغم من كون هذه الميلودراما غاية في الإمتاع، وقد سبق أن قالت مردوخ عن نفسها"أتردّد كثيراً في الإنسياق مع الرأي القائل بأن الهيكل العميق لأي عمل أدبي رصين يمكن أن يتأسّس على رؤى فلسفية"، وعبّرت في موضع آخر عن"رعبها الشديد من تضمين أية نظريات أو أفكار فلسفية في رواياتها."
ثالثاً : فلم  (آيريس)
من المناسب في هذا المقام الإشارة  إلى الفلم الرائع (IRIS) الذي أنتجته هيئة الإذاعة البريطانية BBC عام 2001 والذي أدّت فيه الممثلة الرائعة كيت وينسليت  دور أيريس الشابة، فيما أدّت الممثلة العظيمة جودي دينش (التي تشبه أيريس شبهاً أسطوريّاً) دور آيريس الروائية والأستاذة الجامعية، والمصابة بالزهايمر في نهاية المطاف. أخرج الفلم المخرج البريطاني البارع (السير ريتشارد آير Sir Richard Eyre) مستنداً إلى ما كتبه زوج أيريس (جون بايلي) في مذكّراته التي نشرها بعد وفاة زوجته عام 1999 بعنوان  (مرثيّة لآيريس Elegy for Iris).
ثمة ملاحظات محددة لايمكن إغفالها بشأن فلم آيريس : إذ نرى في الفلم اللمسة البريطانية واضحة حيث الهدوء والنظام هما الحالتان السائدتان ومحاولة مقاربة الحالة بعقلنة بعيداً عن الصخب والفوضى والبهرجة السائدة في الأفلام الهوليودية التي ترمي لإقناع المشاهد بحجم ميزانياتها المضخمة التي صرِفت على إنتاج إفلامها، في حين أن منتجي فلم (آيريس) - وهي الـ BBC كما ذكرنا - إلى جانب باقي المنتجين البريطانيين لانراهم يعانون ضغط الميزانيات المضخمة لذا تأتي أعمالهم هادئة رشيقة تبتغي مخاطبة القدرات المعقلنة لدى المشاهدين لا محض أجهزتهم الحسية والغرائزية والعنفية، وأحسب أن فلم آيريس قد أنتج بميزانية بسيطة لاتعادل عشر ميزانية نظيره الأمريكي فيما لو كان من انتاج هوليوود.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية