العدد(4084) الاثنين 11/12/2017       بغداد في بداية القرن العشرين       تقرير نادر عن حادثة الاميرة عزة سنة 1936..       شيء عن محلة بغدادية قديمة       من مشاهد عالم الموسيقى في بغداد الثلاثينيات       كيف كانت آثار العراق تنقل الى اوربا؟ أسرار وخفايا الصراع الدولي على آثار الشطرة..       من تاريخ الحركة الفلاحية في العراق.. انتفاضة آل ازيرج ضد الاقطاع سنة 1952       من ذكريات عبد العزيز القصاب.. الادارة بين بغداد وسامراء في اواخر العهد العثماني       الملك فيصل الاول في الكوت سنة 1922       العدد (4081) الخميس 07/12/2017 (عبد الخالق الركابي لمناسبة فوزه بجائزة العويس)    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :42
من الضيوف : 42
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 18779661
عدد الزيارات اليوم : 14086
أكثر عدد زيارات كان : 33537
في تاريخ : 15 /03 /2017
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


أيريس مردوخ: الرواية الجيدة هِبة للإنسانية

ترجمة وتقديم: لطفية الدليمي
ما  زالت الروائية الفيلسوفة (أيريس مردوخ Iris Murdoch) تحظى باهتمام كبير  بعد مرور ثمانية عشر عام على وفاتها. عرفت أيريس برواياتها التي تتناول  جوانب الخير و الشر و العلاقات الجنسية و نظم الأخلاقيات و قوة التجربة  اللاواعية في حياتنا البشرية،و قد اختيرت روايتها الأولى المعنونة (تحت  الشبكة Under the Net)


في عام 1998 كواحدة من أفضل مئة رواية إنكليزية في القرن العشرين، كما صنفتها مجلة التايمز في المرتبة (12) من قائمة تضم (50) من أعظم الكاتبات البريطانيات منذ عام 1945.
نقرأ بعد هذه المقدمة الموجزة مقاطع تمثل معظم الحوار الذي أجرته مجلة (باريس ريفيو Paris Review) مع أيريس مردوخ قبل عقد تقريبا من وفاتها متأثرة بتداعيات مرض ألزهايمر و هو حوار سلس يحتكم إلى الانضباط و الدقة و الوضوح الصارم المقترن برهافة فلسفية تليق بفيلسوف متمرس في حرفته الفلسفية.
من المناسب الإشارة إلى الفيلم الرائع (IRIS) الذي أنتجته الـ بي بي سي عام 2001 وأدت فيه الممثلة كيت وينسلت Kate Winslet دور أيريس الشابة فيما اشتغلت الممثلة القديرة جودي دينش Judie Dench (التي تشبه أيريس شبها أسطوريا) دور ايريس الروائية و الأستاذة الجامعية و المصابة بالزهايمر في نهاية المطاف، أخرج الفيلم المخرج البريطاني (السير ريتشارد آير Sir Richard Eyre) مستندا إلى ما كتبه زوج أيريس (جون بايليJohn Bayley –) في مذكراته.

ولدت أيريس مردوخ في دبلن في 15 تموز 1919 و نشأت في لندن، تلقت تعليمها الأولي في مدرسة (بادمنتون) في مدينة برستول ثم درست الكلاسيكيات في كلية سومرفيل الأكسفوردية في الفترة 1938-1942 حصلت في خاتمتها على مرتبة الشرف الأولى و عملت أيريس بعد تخرجها في مواقع كثيرة و شغلت مناصب حكومية مرموقة حتى انتهى بها المطاف في نهاية أربعينات القرن المنصرم أستاذة للفلسفة في كلية القديسة آن في أكسفورد.
نشرت أيريس كتابها الأول المعنون (سارتر : العقلاني الرومانتيكي) عام 1953 ثم ألحقته بروايتها الأولى (تحت الشبكة) و توالت أعمالها الروائية ونذكر منها (قلعة الرمال) عام 1957، (الناقوس The Bell) عام 1958 وظهرت بالعربية باسم (الأجراس)، (الهزيمة المشرفة) عام 1970، (البحر البحر) عام 1978 التي فازت بجائزة البوكر لذلك العام، (تلميذ الفيلسوف) عام 1983، (الكتاب و الأخوّة The Book and Brotherhood) عام 1985 (رسالة إلى الكوكب) عام 1989.
تزوجت أيريس جون بايلي عام 1956 الذي ارتقى إلى مرتبة رئيس احدى الكليات الأكسفوردية و عاشا معا لسنوات طويلة في قرية (ستيبل اشتون) في أكسفورد شاير وفي عام 1963 سميت أيريس زميلة شرف في كلية (سانت آن) و ظلت لأربع سنوات لاحقة محاضرة غير متفرغة في الكلية الملكية للفنون في لندن. و في عام 1986 انتقلت أيريس لتستقر مع زوجها في أكسفورد. رغم أن أيريس عرفت كروائية و فيلسوفة في المقام الأول إلا أنها كتبت أيضا في النقد الأدبي،و تعد مقالتها النقدية (ضد الجفاف Against Dryness) عام 1961 درسا نقديا أثيرا، كما صدرت لها مجموعة شعرية (سنة الطيور A Year of Birds) عام 1978، و أعدت سيناريوهات لاثنين من الأفلام الثلاثة التي أخذت عن رواياتها، و لها أيضا ثلاثة كتب مرجعية ممتازة في الفلسفة : (سيادة الحسِنThe Sovereignty of the Good) عام 1970، (النار و الشمس The Fire and the Sun) عام 1977، (حواران أفلاطونيان Two Platonic Dialogues) عام 1986.
نالت أيريس الكثير من الجوائز و التكريمات في حياتها، فإضافة لجائزة البوكر، فازت بجائزة جيمس تيت التذكارية The James Tait Memorial Prize عن مجموعتها (الأمير الأسود The Black Prince). وكانت أيضا عضوة في الجمعية الأمريكية للفنون و الآداب و الجمعية الأمريكية للفنون و العلوم.
عاشت أيريس مع زوجها في منزل يقع في المنطقة الأكاديمية العائدة لجامعة أكسفورد حيث يمكن للمرء ان يشاهد أكواما من الكتب على الأرض و رفوفا من كتب أخرى تمتد من الأرضيات و حتى السقوف، حتى أن الحمام لا يخلو من كتب تتناول اللغة و بخاصة كتب قواعد اللغة الهولندية و لغة الأسبرانتو.
 
(الأسبرانتو Asperanto : لغة وضع أسسها زاماهوف Zamahof الذي نشر كتابا عنها عام 1887، وتعني حرفيا لغة الأمل، و كان مقدرا لها ان تكون لغة عالمية سهلة التعلم، محايدة سياسيا و عابرة للقوميات و داعمة لأسس السلام و التفهم العالميين، المترجمة).
الحوار :
* هل يمكنك أن تروي لنا شيئا عن عائلتك و نشأتك؟
-التحق أبي بسلاح الفرسان وقت اندلاع الحرب العالمية الأولى و إنه لمن المستغرب اليوم ان نتصور وجود سلاح للفرسان في تلك الحرب و لكن هذا هو بالضبط ما انقذ حياة والدي لان الخيول كما نعلم تنزوي عادة بعيدا عن خطوط القتال الامامية. التقى والداي خلال تلك الحرب حيث كانت كتيبة والدي تعسكر قريبا من دبلن و في أحد الآحاد التقى والدي بوالدتي التي اعتادت الذهاب الى الكنيسة ذاتها والترام ذاته الذي يستقله والدي. كانت والدتي عضوة في الجوقة الكنسية فهي تملك صوتا أوبراليا ساحرا من طبقة (السوبرانو) و كانت تطمح ان تكون مغنية اوبرالية و أجزم انه كان بوسعها ان تصبح مغنية اوبرالية عظيمة، لكنها غادرت طموحاتها الكبيرة عندما تزوجت والدي و ظلت تغني طوال حياتها كمغنية هاوية ومن المؤسف حقا انها لم تدرك عظمة الصوت الذي كانت تملكه، كانت والدتي امرأة جميلة مشرقة بمزاج مرح دوما و كان والداي في الحقيقة ثنائيا سعيدا أحب كل منهما الآخر باعتزاز بالغ و أحباني مثلما بادلتهما الحب، لذا يمكنني القول بأننا كنا نشكل ثلاثيا موفقا على نحو كبير.
*  متى عرفت أنك تحبين الكتابة؟ أخبرينا شيئا عن بداياتك.
–  كنت عضوة في الحزب الشيوعي لوقت قصير أيام دراستي عام 1939، لكن جموحي كان كبيرا مثلما فعل الكثير من الناس آنذاك بسبب الحرب الأهلية الإسبانية فقد كان لدينا إحساس شغوف بالعدالة الاجتماعية و بأن الاشتراكية قادرة بسرعة معقولة على إنتاج مجتمعات عادلة و خيّرة تخلو من مظاهر الفقر و البؤس الشديدين، لكن سرعان ما فقدت أوهامي المتفائلة و غادرت الحزب الشيوعي. يمكنني القول على العموم إن من العدل والإنصاف التأكيد ان تجربتي تلك لم تكن لتخلو من فائدة لأنني عايشت الماركسية (من داخلها) وأدركت مدى قوة تنظيمها. لم تكن علاقتي مع الشيوعية تخلو من تداعيات، فقد حصلت مرة على منحة لإكمال دراستي في الولايات المتحدة و كنت في غاية الشوق لاكتشاف العالم الجديد ولا أحسب ان أحدا لا يريد الخوض في هذه التجربة مثلي تماما في ذلك الزمن، غير ان منحتي أوقفت طبقا لقانون مككارن McCarren Act، و قد حاول كل من برتراند رسل والقاضي فيلكس فرانكفورتر أن يعدلا في الأمر بعد ان ادركا كم كان الأمر سخيفا : أن تحرم من منحتك الدراسية بسبب خلفية سياسية.
* (مكملا سياق سؤاله السابق) : أخبرينا قليلا عن طريقتك في السرد و كيف تفكرين أثناء كتابة رواية.
–  أعتقد ان من المهم للغاية وضع خطة تفصيلية قبل ان تشرع في كتابة الجملة الأولى. أنا أخطط لكل شيء بالتفصيل قبل ان أشرع في الكتابة، لدي مخطط عام و كومة ملاحظات، حتى إنني أخطط ترتيب الفصول منذ البدء و كذلك الحوارات. هذه مرحلة أولية و في غاية الأهمية و مخيفة بذات الوقت في كتابة أية رواية لأنك بعدها ستكون ملتزما تماما بمخطط عملك الذي وضعته، أعني بالضبط ان الرواية عمل طويل مجهد و إذا ما كانت نقطة الشروع غير موفقة فستنتهي إلى نهاية غير سعيدة حتما. المرحلة الثانية في كتابة الرواية هي انك ينبغي ان تجلس بهدوء و تدع الأشياء تكتشف نفسها : منطقة في الخيال تقود لأخرى، تفكر مثلا في حدث ما ثم يقتحم شيء غير متوقع أجواءك، و بعدها ترى ان المسائل الجوهرية التي يحوم حولها العمل تكشف عن نفسها و تترابط مع بعضها، حتى ليمكن القول إن الأفكار تتطاير معا و تولد أفكار جديدة و الشخصيات تولد شخصيات.
* أنت كاتبة غزيرة الإنتاج و كتاباتك مميزة، يبدو أنك ترغبين في العمل و الكتابة أغلب أوقاتك؟
–  نعم أستمتع بالكتابة كثيرا، لكن يحصل أحيانا أن تمر بك لحظات مخيفة تفقد فيها ثقتك بنفسك و عندها لا يكون متاحا لك التفكير في العمل، لذا أستطيع القول ان كتابة الرواية ليست كلها بهجة. أنا حقا لا أرى في كتابة الرواية عملا صعبا، خلق الرواية هو الجزء الأكثر إيلاما في العملية كلها، و ربما تكون قد مررت بهذه التجربة غير الاعتيادية : عندما تشرع في كتابة رواية تكون في حالة حرية غير محدودة، لكنها حرية منذرة أيضا بأن أي خيار تختاره سيلغي حتما الخيارات الأخرى و سيحدد طبيعة مزاجك العقلي و خياراتك اللاحقة. قد يستغرقني الأمر سنة في الإعداد لرواية ما، و تكوين مخطط و شكل عام لها ثم أقوم بعمل ملخصات تفصيلية لكل فصل و لكل حوار في الرواية.
*  ما الذي يلح عليك أولا : الشخصيات أم عقدة الرواية؟
–  أعتقد ان الاثنين يبدءان في الاشتغال معا : فثمة دوما اثنان أو ثلاث شخصيات في علاقة من نوع ما و هناك مشكلة من نوع ما تنتابهم، ثم هناك قصة و محن و صراعات و حراك من الوهم إلى الحقيقة. لا أظن ان لدي أية ميول لإسقاط سيرتي الذاتية على ما أكتب.
* هل ما زلت تكتبين بيدك باستخدام قلم و ورقة؟
–  أوووووووه، نعم، نعم، نعم
*  بلا كومبيوترات و لا ناسخات؟
–  أبدا.
*  و تأخذين مسودتك الوحيدة إلى الناشر المرتقب لأنها كل ما كتبت؟
–  نعم، في ختام أي عمل لا يكون لدي سوى نسخة وحيدة. اعلم ان بعض الناس يحبون العمل على الكومبيوترات، لكنني اختلف عنهم بكوني مغرمة بعمل الكثير من التصويبات مع تقدم العمل و ان الشاشة الخضراء الفاتنة للكومبيوتر أمام المرء قد تجعله مندهشا ألى حد أن لا يقدم على إجراء أية تعديلات على النص.
*  أحكي لنا شيئا عن عاداتك اليومية في العمل.
- أحب العمل و أعمل متى ما توفر الوقت لي للعمل، لكن يتوجب أيضا ان أعمل أشياء كثيرة أخرى، كالغسيل و شراء الطعام، و لحسن الحظ فإن زوجي يقوم بواجب الطبخ. أذهب مرات للقاء أصدقائي في لندن و أنشغل أحيانا في كتابة رسائل تستنفد مني الكثير من الوقت، لكنني على العموم اعمل بشكل منتظم كل الوقت : أذهب للنوم مبكرا و أصحو و أمارس الكتابة مبكرا في النهار، أعمل طوال الصباح ثم اذهب للتسوق بعد الظهر و أعود للكتابة منذ الرابعة و النصف عصرا حتى الثامنة مساء، لذا تراني اعمل بانتظام اغلب الوقت و لمعظم الأيام و هي أيام اكثر بكثير مما قد يظن معظم الناس.
*  كيف تختارين أسماء شخصياتك الروائية؟
–  ينبغي للشخصيات ان تختار أسماءها بنفسها و ليس بوسع المرء سوى الانتظار. إذا ما حصل خطأ ما في الاختيار فمن الممكن ان يكون أمرا خطيرا. ينبغي للشخصية ان تعلن عن اسمها الشخصي. أعمل في العادة قوائم بالأسماء، و يمكن لي ان أخترع الأسماء أيضا. حدث مرة ان اخترعت اسما لشخصية أسميتها Gavender و ظننت انه لا يمكن لأحد أن يتسمى بهذا الاسم، و بعدها تلقيت رسالة من أحد الأشخاص في الولايات المتحدة يكتب فيها لي : كيف عرفت ما حدث لعائلتنا؟!!. إن اختراع الأسماء لشخصيات روائية عمل مسل للغاية.
*  ما هي المشكلة التقنية الأكثر صعوبة في العادة التي تعترضك عند كتابة رواية؟
–  هي ذات المشكلة التي أشرت اليها سابقا : كيف تبدأ الرواية و متى تقوم بهيكلتها و تحديد السرعة التي تتحرك بها الشخصيات، إنها عملية تماثل الانتقال من حرية كاملة إلى قفص ضيق،إذ عليك ان تقرر بأية سرعة تتحرك و متى تقرر ما ستؤول اليه الثيمات الرئيسية في الرواية.
*  قلت مرة"إن المرء يمكنه أن يتخذ من أنماط أدبية نماذج مؤثرة في سلوكه"، هل يمكن ان تقدمي لنا أمثلة؟
- هل قلت ذلك؟!! حسنا، لا أذكر السياق لكنك حتما تشعر بالتعاطف و تتقارب في سلوكك اليومي مع بعض الشخصيات الروائية، النمطان المحببان لي هما"أخيل"Achilles و"السيد نايتلي Knightly Mr."و يمكنني أيضا الإشارة إلى الشخصيات التي ترد في روايات ديكنز و دوستويفسكي و تولستوي باعتبارهم الكتاب الأخلاقيين الذين يصورون التعقيد الكامن في المنظومة الأخلاقية و صعوبة ان تكون خيّرا في هذه الحياة. أشار أفلاطون في كتابه"الجمهورية"إلى ان الشخصيات الشريرة جذابة و ممتعة، في حين تبدو الشخصيات الخيرة متماثلة و باعثة على السأم و هذا يؤشر مشكلة أساسية : إن من الصعوبة تماما أن تكون خيّرا في الحياة مثلما هو صعب تماما على الفن تصوير الأفعال الخيرة، أظن ان المرء يتأثر بالبنية الأخلاقية الكلية للعمل الأدبي كما نفعل كلنا تجاه الأعمال الشكسبيرية التي أعدها مثالا عظيما للأعمال الروائية لأنها تصور بطريقة غير مجهدة للقارئ المعضلات الأخلاقية والصراع القائم بين الخير و الشر. أظن ان شكسبير مثال عظيم عن كيف نروي قصة ما وكيف نخترع الشخصيات و كيف نصور الأفعال الدرامية التي لها دلالة روحية عميقة.
*  إذا لم تكن شخصياتك الروائية تعود لشخصيات واقعية في معظم الأحيان على عكس الحالة السائدة عند أغلب الروائيين مثل همنغواي و لورنس، فكيف تخلقينهم إذاً؟
– أجلس و أنتظرهم حسب. أمقت كثيرا فكرة ضخ شخصيات حقيقية في جسم الرواية ليس بسبب أن ذلك سيكون موضع تساؤل أخلاقي إنما لكونه سيغدو- برأيي -مملا أيضا. أريد اختراع شخصية لم توجد من قبل ثم تبدأ سمات الشخصية بالنمو مع تقدم العمل. الصورة الأولى للشخصية تكون في العادة ضبابية : تعلم مثلا أن (فلانا) في الرواية مواطن صالح أو ذو ميول دينية و قد يكون بيوريتانيا(Puritanical طهرانيا) و ينبغي لي منذ البدء ان أملك فكرة ما عن المشكلات التي ستواجهه و علاقاته مع الشخصيات الأخرى، لكن التفاصيل الخاصة التي تعتمد عليها الرواية، مظهره، سماته الخاصة، خصوصياته، مزاجه، هذه كلها تفاصيل تأتي لاحقا
*  شخوصك الروائية ليسوا بالضرورة أبرياء، يمكن لهم أن يجنحوا إلى العنف و جميع الأفعال السيئة الأخرى و مع ذلك يبدو أن فيهم دافعا ضمنيا نحو الخير. أية فلسفة تكمن وراء هذا؟
–  لا أظن ان هذا له علاقة بأية فلسفة. إن تضمين الموضوعات الأخلاقية في الرواية يمكن أن يتضخم بفعل بعض الاعتبارات الفلسفية، لكن من الخطر في المجمل كتابة رواية فلسفية خالصة فليس من السهل على الروائيين التخلص من هذا النمط في الكتابة متى ما علقوا فيه. خذ مثالا : توماس مان، الكاتب الذي أعشقه، عندما تبدأ شخصياته حوارات فلسفية طويلة للغاية يتنامى شعور بأنه كان بوسعه كتابة رواياته بطريقة أفضل دون هذه الحوارات. رواياتي ليست روايات فلسفية.
*  لكن بعض شخصيات رواياتك تدير حوارات تنطوي على حجج فلسفية؟
–  نعم، أحيانا، لكنها في العموم ليست حوارات طويلة.
*  تشيرين في أعمالك ما الذي يعنيه الدين لأناس لا يؤمنون بالله، هل يمكنك ان تعلقي على هذه الموضوعة؟
–  هذا سؤال يعنيني و يمتعني كثيرا، عندما انظر إلى مجتمعاتنا الغربية، أجد أننا اذا ما اردنا أن يكون لنا دين، أن ندين بدين ما، فينبغي ان يكون دينا بغير"الإله"، لأن الإيمان بإله شخصي صار مستحيلا لكثير من الناس، إنه لسؤال غاية في الصعوبة أن نعلم ما الذي يعنيه الإيمان بإله شخصي. أنا نفسي اعلم تماما بأنني لا اؤمن بأي إله من هذا النوع، كما لا أؤمن باللاهوت المسيحي و بالحياة بعد الموت، اعتقاداتي هي بوذية في جوهرها و لقد انجذبت إلى البوذية بقوة لأنها تجعل الأمر واضحا تماما، يمكن ان يكون لك دين من دون"الاله"و إن هذا الدين سيكون أفضل من غير الاله، لأن الدين سيكون معنيا بما تقوم به في اللحظة الحاضرة و في كل لحظة من حياتك : كيف تفكر و ماذا تفعل و كيف تنظر إلى الحب و التعاطف و التغلب على الذات و رؤية الفارق بين الوهم و الحقيقة.
*  في كتابك عن (سارتر) تكتبين عن نوع من انهيار السلطة الأخلاقية، و عن غياب الدين و الإحساس بالفوضى و الضياع؟
–  أنت تأخذني بعيدا إلى الوراء حيث سادت حقبة سارتر. كانت شعبية سارتر لا تصدق بعد الحرب العالمية الثانية، حتى ان الناس الذين لم يكن لديهم أدنى اهتمام بالفلسفة شعروا بفضل سارتر ان الفلسفة إنما خلقت من أجلهم لأن الحرب كانت قاسية و مدمرة للأرواح حد ان الناس جاهدوا في طلب شيء"روحي"يعينهم على المضي في حياتهم. جاءت فلسفة سارتر الوجودية بمفهوم الحرية الكاملة و بفكرة أن تأخذ نفسك إلى حيث يمكنك الاختيار الحر الذي يتجاوز المسلـّمات و الشعور البليد بأنك"محتوى"و غاطس في مستنقع وقد عكست رواياته هذه الأفكار كلها مضافا لها مسحة بطولية و بسببها ابتهجت أرواح الناس و مع اني شخصيا لا أتوافق مع هذا الاتجاه، لكن لا يمكن نكران ان هذه الأفكار كانت ذات تأثير منعش في تلك الحقبة.
*  هل يقرأ زوجك و يعلق على مسودات أعمالك قبل أن تنشر؟
- لا أبدا. زوجي لا يرى أعمالي إلا بعد ان تطبع، يحصل أحيانا ان أتحدث إليه في أمور قد تساعدني في عملي الروائي، مثلا : كيف تعمل بكرة مسدس أو شيء مثل هذا.
*  هل تعتقدين ان أولادك يحدون من الحرية التي تحتاجينها ككاتبة؟
–  كلا و يمكنني أن آتي بأمثلة لا تعد على توافقهم مع متطلبات عملي. تشتكي النساء في العادة من متطلبات العائلة و العمل و لكن كون المرأة كاتبة يسهل الوضع كثيرا لأن الكتابة عمل يمكن إنجازه في المنزل، لم أشعر يوما ان ثمة ما يخيفني بخصوص هذه المسألة.
*أي الكتاب المعاصرين تحملين له تقديرا أكبر؟
–  لا أقرأ في العادة لكتاب معاصرين، لكنني تمتعت كثيرا بقراءة رواية كونديرا (خفة الكائن التي لا تحتمل)، و رواية أيشيغورو (منظر شاحب للتلال)، وعمل الروائية Byatt". S. A"الرائع (استحواذ Possession.
*  أي تأثير تريدين أن يكون لأعمالك؟
–  أحب ان يتمتع الناس بقراءة أعمالي و أرى ان الرواية الجيدة هي هبة للإنسانية، لذا اطمح ان يقرأ الناس كتبي قراءة جادة و أن أكون مفهومة لديهم رغم علمي ان بعض أعمالي ليست سهلة القراءة ابدأ، لكن ينبغي دوما ان يفهم العمل الأدبي عن طريق المتعة المرافقة للعمل.
*  كيف تصفين قارئك المثالي؟
– أرى الأشخاص المحبين للحكاية الجيدة هم القراء المرحب بهم و الذين يعتد بهم دوما. أحسب أن القارئ المثالي هو شخص محب للتفكير في كل ما يخص الكتب و الكتابة إضافة إلى التفكير بالقضايا الأخلاقية.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية