العدد(4084) الاثنين 11/12/2017       بغداد في بداية القرن العشرين       تقرير نادر عن حادثة الاميرة عزة سنة 1936..       شيء عن محلة بغدادية قديمة       من مشاهد عالم الموسيقى في بغداد الثلاثينيات       كيف كانت آثار العراق تنقل الى اوربا؟ أسرار وخفايا الصراع الدولي على آثار الشطرة..       من تاريخ الحركة الفلاحية في العراق.. انتفاضة آل ازيرج ضد الاقطاع سنة 1952       من ذكريات عبد العزيز القصاب.. الادارة بين بغداد وسامراء في اواخر العهد العثماني       الملك فيصل الاول في الكوت سنة 1922       العدد (4081) الخميس 07/12/2017 (عبد الخالق الركابي لمناسبة فوزه بجائزة العويس)    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :40
من الضيوف : 40
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 18779612
عدد الزيارات اليوم : 14037
أكثر عدد زيارات كان : 33537
في تاريخ : 15 /03 /2017
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


من اصدارات المدى.. فصل من كتاب

[قبل أن تذهب سيلفيا بلاث إلى  سميث كوليج، حصلت على عمل صيفي في لوكآوت فارم في ماساشوستس، وهي مزرعة  فواكه وخضر صغيرة حيث عملت في الحقل.]
١-
تموز ١٩٥٠  ربما لن أكون  سعيدة أبداً، لكني الليلة راضية. لا شيء سوى منزل فارغ، إرهاق غامض دافئ من  يوم مقضي في زرع سيقان براعم الفراولة في الشمس، قدح من لبن حلو بارد،


 وصحن مسطح من ثمرات العِنَبِية المغمورة بالقشطة. أدرك الآن كيف يقيّض للناس العيش دون كتب، دون مدرسة. حين يكون المرء تعباً في نهاية اليوم عليه بالنوم، وفي الفجر التالي سيكون هناك المزيد من سيقان الفراولة، وهكذا يواصل العيش، قريباً من الأرض. في أوقات مثل هذه سأكون حمقاء إن طلبت المزيد...
٢-
سألني إيلو (م)   اليوم في حقل الفراولة، هل تحبين رسّامي النهضة؟ رافاييل وميكيل آنجلو. كنت في السابق أنسخ شيئاً من ميكيل آنجلو. وما رأيك في بيكاسو...؟ كنّا نعمل جنباً إلى جنب في الصفوف، وكان يركن إلى الهدوء برهة، ثم ينفجر فجأة بالكلام، متحدثاً بلهجته الألمانية الغليظة. استقام، مجعداً وجهه المسفوع، الذكي بضحكة. كان جسده المفتول، القصير المكتنز برونزيّاً، وشعره الأشقر مزموماً تحت منديل أبيض حول رأسه. قال: هل تحبين فرانك سيناترا؟ إنه sendimental [عاطفي] جدّاً، romandic [رومانسي] جدّاً، ليلة مقمرة جدّاً، Ja? [أليس كذلك؟].
٣-
 فجأة أشعة من ضوء ضارب إلى الزرقة عبْر سقف غرفة شاغرة. وعرفت أنه ليس ضوء الشارع، بل ضوء القمر. أيّ شيء أكثر روعة في أن تكوني بكراً، طاهرة وسليمة وفتية، في ليلة كهذه؟... (وأن تُغتَصَبي)(م).
٤-
هذه الليلة كانت مروّعة. كانت توليفة من كل شيء. مشهد من Goodbye My Fancy ، من الرغبة، بطريقة صبيانية، في أن أكون، مثل البطلة، مراسلة صحفية في الخنادق، في أن أكون محبوبة من قبل رجل يجلّني، ويفهمني كما أفهم نفسي. وإلى جانب هذا كان هناك جاك، الذي بذل أقصى جهده ليكون لطيفاً معي، وشعر بالإساءة حين قلت له إن كل ما يريده هو أن ينام معي. كان هناك عشاء في الكونتري كلوب، رائحة المال في كل مكان. ثم كان هناك الأسطوانة... الأسطوانة الملائمة للرقص على أنغامها تماماً. كنت نسيت وجودها حتى بدأ لويس آرمسترونغ بالغناء بصوت أجش نادم، طِرتُ حول العالم، قمتُ بثورات في إسبانيا، وضعت القطب الشمالي على الخارطة... مع ذلك لم أستطع أن أبدأ معك. قال جاك: هل سمعتِها من قبل؟ فابتسمتُ: أوه، أجل. كنت سمعتها مع بوب(م). ذاك الذي كان يقرّر لي الأشياء  أسطوانة مجنونة، وأحاديثنا الطويلة، إصغاؤه وفهمه. فعرفت أنّي أحبه.
٥-
هذه الليلة رأيت ماري. كنت أنا وجاك نتدافع وسط تيار من البشر للدخول إلى المسرح، وكانت هي تتقدّم ببطء في جاكيت زرقاء غامقة، وبالكاد تعرّفت عليها وهي مسبلة العينين، ومكياج على وجهها. إنما كانت جميلة. بحثت عنك في كل مكان، قلتُ. خابريني يا ماري، اكتبي لي، ابتسمتْ، قليلاً مثل ماري التي عهدتها سابقاً، وغادرت. أدركتُ أنني لن أحظى أبداً بصديق مثلها. هكذا خرجت للسهرة بثوب أبيض، بمعطف أبيض، مع فتى ثري. وكرهت نفسي على ريائي. أنا أحب ماري. بتسي هي ليست سوى مرح؛ مرح هيستيري. ماري هي أنا... ماذا لو كنت وُلِدتُ من أبوين إيطاليين في لِندِن ستريت(م). هي شيء حيوي، نموذج فنان، حياة. يمكنها أن تكون فظة، غير جديرة بالثقة، لكنها عندي أكثر من كل الفتيات الجميلات، الموسرات السطحيات اللواتي قابلتهنّ يوماً. هذا يتعلّق بأناي. ربما أتوق أنا إلى أحد لا يكون أبداً ندّاً لي. لكنني معها يمكن أن أكون صادقة. حتى لو كانت هي عاهرة، لما كان هذا سيهمني أبداً؛ ما كنت سأرفضها كصديقة أبداً...
٦-
اليوم هو الأول من آب. يوم حار، مشبع بالبخار ورطب. إنها تمطر. مغوية بكتابة قصيدة. لكني أفكر بما يُكتَب في رسالة الرفض: بعد كل سقوط مطر ثقيل تنسكب علينا القصائد المعنونة مطر من أرجاء الأمة.
٧-
أنا أحب الناس. جميعاً. أحبهم، كما أعتقد، مثلما يحب جامع الطوابع مجموعته. كل قصة، كل حادثة، كل نتفة من حديث هي بالنسبة لي مادة خام. حبي ليس موضوعياً بعد ولا هو ذاتي بالكامل. أودّ جدّاً أن أكون الجميع، شخصاً أشلَّ، محتضراً، داعراً، ثم أعود إلى الكتابة عن أفكاري، عواطفي، مثلما يفعل ذاك الشخص. لكنّي لست كائناً كليّ العلم. عليّ أن أعيش حياتي، فهي كل ما سأملك. ولا يمكنك أن تنظر إلى حياتك بفضول مجرّد عن الغرض طوال الوقت...
٨-
عندي، الحاضر هو أبَدٌ، والأبد هو دائماً تغيّرٌ، جريان، انصهار. هذه اللحظة هي الحياة. وحين تنقضي فهي تموت. لكنك لا تستطيع في كل لحظة أن تبدأ من جديد. يجب أن تقدّر بها ما هو الموت. هي مثل الوَعْث ... يأس من البداية. قصة، صورة، يمكن أن تجدد الإحساس قليلاً، لكن لا إلى حدّ كافٍ. لا شيء حقيقي عدا الحاضر، ويمكنني الآن، سلفاً، الشعور بثقل القرون يخنقني. قبل مئة عام لا بد أن هناك فتاة كانت عاشت كما أعيش أنا. وهي ماتت. أنا الحاضر، لكني أعرف أنني، أيضاً، سأرحل. اللحظة العظيمة، البرهة الحارقة تأتي وتختفي، وَعْث أبدي. وأنا لا أريد أن أموت.
٩-
بعض الأشياء تستعصي على الكتابة. بعد أن يحدث لك شيء ما، تمسك القلم لتكتب، وتعبّر عنه إمّا بطريقة مسرحية أو بشكل مبتسر، تبالغ بالأجزاء التافهة أو تهمل الأجزاء المهمة. مهما يكن من أمر، لن تكتب عنه بالطريقة التي تبغيها تماماً. دوّنتُ لتوّي ما حدث هذه الظهيرة. لا أستطيع إخبار الأم(م)؛ ليس بعد، على أيّ حال. كانت هي في غرفتي عندما جئتُ إلى المنزل، منهمكة بالملابس، وهي حتى لم تشعر بأن شيئاً حدث. واصلتْ، فحسب، التوبيخ والهذر بغير انقطاع. لهذا لم يتح لي أن أوقفها وأخبرها. لكن بأيّ شكل سيظهر على الورق، يجب أن أكتبه.
أمطرت طوال الظهيرة في المزرعة(م)، كنت مبللة وأحسّ بالبرد، شعري تحت منديل حريري مطبوع، أرتدي جاكيتاً مشمّعة فوق كنزة فضفاضة. كنت عملت بجهد في حقل الفاصوليا طيلة الظهيرة وجمعت أكثر من ثلاثة بوشل . حين بلغت الساعة الخامسة أخذ الناس يغادرون، وانتظرت أنا بجانب السيارات للركوب إلى المنزل. ظهرت كاثي، وما إن ركبت دراجتها حتى صاحت: ها هو إيلو قادم.
نظرتُ، وتأكدت، كان هو، صاعداً الدرب بقميصه الكاكي ومنديله الأبيض المألوف حول رأسه. كنا نتبادل الحديث كثيراً منذ اليوم الذي عملنا فيه معاً في حقل الفراولة. كان أعطاني تخطيطاً بقلم الحبر يصوّر المزرعة، مرسوماً بالتفاصيل وبثقة. وهو الآن يعمل على تخطيط لواحد من الفتيان.
لذا ناديته: هل انتهت لوحة جون؟
أوه، أجل، أجل، ابتسم. تعالي وشاهديها. هذه فرصتك الأخيرة. كان وعدني أن يريني إياها حين تنتهي، فركضت إليه ومشيت معه في طريقه إلى الحظيرة، حيث يسكن.
في الطريق، التقينا ماري كوفي. شعرت بها تنظر إليّ بغرابة إلى حدّ ما. بطريقة لم أستطع النظر في عينيها.
هالو ، ماري، قال إيلو.
هلو، إيلو، قالت ماري بصوت غريب فاتر.
مررنا بجيني، سالي، ومجموعة من فتية كانوا يحتمون من المطر في سقيفة التراكتور. تعالت زمجرة حين مررنا بهم. غناء جماعي. أوه، سيلفيا. احمرّ خدّاي.
 لماذا يسخرون مني؟ سألتُ. ضحك إيلو فحسب. كان يمشي بسرعة.
سنذهب إلى المنزل بعد قليل، صاح ميلتون من المغسل.
أومأت برأسي وواصلت السير، ناظرة إلى الأرض. وصلنا إلى الحظيرة، مكان هائل بسقف عالٍ تفوح منه رائحة الخيل والقش الرطب. داخل المكان كان معتماً؛ اعتقدتُ أني شاهدت طيف شخص في الجانب الآخر من المرابط، لكن لم أستطع أن أتأكد. دون أن يقول شيئاً، صعد إيلو درجات خشبية ضيّقة.
هل تسكن هناك فوق؟ كل هذه الدرجات؟.
واصل الصعود، فتبعته، مترددة في قمة الدرج.
ادخلي، ادخلي، قال، فاتحاً الباب. كانت اللوحة هناك، في غرفته. مشيت فوق العتبة. كان مكاناً ضيّقاً بنافذتين، منضدة مكتظة برسومات وسرير نقّال، مغطّى ببطانية سوداء. وعلى طاولة كان هناك برتقال وقنينة حليب مع جهاز راديو.
هاك، قال يريني اللوحة. كانت بورتريه جميلاً بقلم الرصاص لرأس جون.
آه، كيف رسمته؟ بطرف قلم الرصاص؟.
لم يبدُ الأمر وقتئذٍ ذا أهمية، لكني أتذكر الآن كيف أغلق إيلو الباب، فتح الراديو كي تصدح الموسيقى.
تكلّم بسرعة شديدة، مُظهِراً لي قلم الرصاص.
انظري، من هنا يبرز الرصاص، كبيراً جدّاً أو صغيراً، كما تشائين. أدركتُ أنه واقف قريباً جدّاً مني. كانت عيناه الزرقاوان قريبتين على نحو مجفل، ناظرتين إليّ بوقاحة.
عليّ حقاً أن أذهب، فلا بد أنهم ينتظرونني. اللوحة جميلة.
مبتسماً، كان يقف بيني وبين الباب. حركة. أطبق يده على ذراعي. وفجأة كان فمه على فمي، صلباً، ملتهباً، لسانه منقضّاً على شفتيّ، ذراعاه مثل الحديد حولي.
إيلو، إيلو! لم أعرف إن كنت أصرخ أم أهمس، أصارع للتخلص من قبضته، يداي تقاتلان بضراوة، بلا جدوى ضد قوته العظيمة. أخيراً حررني، وتراجع إلى الخلف. تحسّست فمي، كان ساخناً مكدوماً من قبلته. نظر إليّ ساخراً، بشيء من تسلية مفاجئة إذ رآني أبكي، مرعوبة. لا أحد قبّلني بهذه الطريقة من قبل أبداً، فوقفت هناك، تهزني رعشة توّاقة، مثيرة.
هيّا، هيّا، صدرت عنه نأمة متعطفة، منتقصة. سأجلب لك ماء.
سكب لي ماء في قدح، فشربته. فتح الباب، تعثّرت بشكل أعمى نازلة الدرج، مارّة بمايبيل وروبرت، الطفلين الصغيرين الأسودين، اللذين ينادياني باسمي بالطريقة المحوَّرة التي يتلفظ بها الأطفال الكلمات. مارّة بماري لو، أمهما، التي وقفت هناك بحضور معتم صامت.
وكنت في الخارج. مرّت شاحنة، قادمة من خلف الحظيرة. كان فيها بيرني... فتى مفتول، قصير. كانت عيناه تقدحان ببهجة شريرة، قاد الشاحنة بسرعة، كي لا ألحق به. هل كان في الحظيرة؟ هل رأى إيلو يغلق الباب، ورآني أخرج من الغرفة؟ لا بدّ أنه رأى ذلك.
مشيت عابرة المغسل والسيارات. صاح بيرني: لماذا تبكين؟ لم أكن أبكي. جاء فريدي على التراكتور. مجموعة من الصبية، عائدين إلى منازلهم، نظروا إليّ بضوء خافق في أعينهم. هل قبّلكِ؟ سأل أحدهم، بابتسامة عارفة.
شعرت بالمرض. لم أقوَ على الكلام إن خاطبني أحد ما. احتبس صوتي في حنجرتي، غليظاً منفوشاً.
جاء مستر تومبكينز إلى المضخة لمراقبة كَني وفريدي يقودان السيارة القديمة الموجودة في المخزن. كانا لطيفين، لكنهما عَرفا. لا بدّ أن الجميع عرفوا.
ها هي غندورتنا، قال كني.
غندورة بوجه ملاك. قال فريدي.
هكذا وقفت هناك، ذراعاي مطويتان، محدّقة بالمحرّك الدوّار، مبتسمة كما لو كنت بأحسن حال، كما لو أن شيئاً لم يحدث.
جلس بجانبي ميلتون يدمدم، ذاهبين إلى المنزل. كان ديفيد هو الذي يقود العربة. وكان آندي في المقدمة. كانوا جميعاً ينظرون إليّ بذاك الضوء الراقص في أعينهم. قال ديفيد بصوت متوتر، قوي: الجميع في المغسل كانوا يراقبونك ذاهبة إلى الحظيرة وأخذوا يهزؤون.
سأل ميلتون عن اللوحة. تحدثنا قليلاً عن الفن والرسم. كانوا جميعاً ودودين جدّاً. أعتقد أنهم ربما شعروا بالفرج لهروبي في آخر لحظة؛ ربما توقعوا مني أن أبكي. لكنهم عرفوا، هم عرفوا.
ومن ثم كنت في المنزل. وفي الغد عليّ أن أواجه المزرعة اللعينة بكاملها. يا إلهي، ألا يمكن أن يكون هذا كله حلم. الآن أؤمن تقريباً أنه فعلاً حدث في حلم. لكن غداً سيكون اسمي على كل لسان. يا ليتني كنت لاهية، أو طائشة، لكني خائفة جدّاً. ليته لم يقبّلني. يجب أن أكذب وأقول إنه لم يفعل. لكنهم يعرفون. جميعهم يعرفون. وماذا أفعل إزاء هذه الكثرة منهم...؟
١٠-
هذا الصباح قلعوا لي ضرس العقل. في التاسعة صباحاً دخلت عيادة طبيب الأسنان. بإحساس مُشِلّ من هلاك وشيك الحدوث، جلست على الكرسي بعد أن ألقيت نظرة عجلى، مختلسة في أرجاء الغرفة باحثة عن أدوات ظاهرة للتعذيب مثل مثقاب هوائي وقناع غاز. لا شيء من هذا. شبك الطبيب صدرية بدبوس حول عنقي؛ وتهيأت له أن يقحم تفاحة في فمي أو ينثر على رأسي غصينات بقدونس. لكن لا. كل ما فعله هو سؤال: غاز أم نوفوكائين ؟ (غاز أم نوفوكائين. ها، ها! أتودين أن تري ما لدينا من أجهزة، مدام؟ الموت بالنار أم بالماء، برصاصة أم بأنشوطة؟ أيّ شيء يرضي الزبون.) غاز، قلت بحزم. اقتربت الممرضة ورائي دون أن تُلحَظ، ووضعت قطعة مطاطية بيضوية على أنفي، حيث قطعت الأنابيب بسرور خدَّيّ. تنفسي بسهولة. تنَخَّل الغاز، غريباً وحلواً على نحو مغثٍ. حاولت ألا أقاومه. وضع الطبيب شيئاً في فمي، وبدأ الغاز بالدخول بجرعات كبيرة. كنت أحدّق بالضوء. ارتعشَ، اهتزَّ، تكسَّرَ في قطع صغيرة. كامل المجموعة المتألقة من القطع الصغيرة المتقزحة اللون بدأت بالتأرجح في مسار قوي إيقاعي، بطيئة في البدء، ثم أسرع. لم يكن عليّ الآن أن أتنفس بصعوبة؛ شيء ما يضخ على رئتي، أنفاسي ذات صفير غريب حين أزفر. أحسست بفمي ينشق عن ابتسامة. هكذا جرى الأمر... بسيطاً جدّاً، ولا أحد قال لي ذلك. يجب أن أكتب عنه، لأصف كيف كان، قبل أن أغطس. يا لهم من أذكياء، فكّرتُ. هم يحافظون على المشاعر كلها سرّية؛ هم حتى لا يدعونك تكتبها. ومن ثم كنت على سفينة قراصنة، ووجه القبطان منعماً النظر فيّ من خلف العجلة، إذ هو يدير دفّة السفينة. كان هناك أعمدة من أوراق سود، ورمادية، وكان يقول بصوت عال: حسناً، أقفلوا ببطء، ببطء. عندئذٍ انتشرت بغتة أشعة الشمس في الغرفة عبْر ستائر النافذة الفينيسية ؛ سحبت نفَساً عميقاً، مالئة رئتيّ بالهواء. استطعت أن أرى قدميّ، ذراعيّ؛ ها أنا موجودة. حاولت جهدي أن أعود إلى جسدي ثانية... كان طريقاً طويلاً لقدميّ. رفعتُ يديّ، إلى رأسي؛ إنهما يرتجفان. انتهى الأمر كله... حتى السبت القادم.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية