العدد (4045) الخميس 19/10/2017 (مؤيد نعمة 12 عاماً على الرحيل)       النجم مؤيد نعمة       مؤيد نعمة.. بلاغة الكاريكاتــير وحدَّته القاطعة       في ذكرى مؤيد نعمة       مؤيد نعمة.. عبقري من العراق       الحوار الاخير للراحل مؤيد نعمة: الكاريكاتير فن المستقبل       شجاعة مؤيد نعمة وصورته التي غابت       الرسام العراقي مؤيد نعمة: العراق يمتلك خصوصية «متفردة» في فن الكاريكاتير       مؤيد نعمة.. قراءة في خطوطه النبيلة المشاكسة       نبــوءة مؤيــد نعمـــة    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :26
من الضيوف : 26
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 17910950
عدد الزيارات اليوم : 3064
أكثر عدد زيارات كان : 33537
في تاريخ : 15 /03 /2017
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


فاضل خليل و التأويل في تقنيات العرض المسرحي

محمد عبد الرحمن الجبوري
إن  تأويل العرض المسرحي (أي عرض) يختلف من عصر لآخر، ومن بيئة معينة إلى أخرى،  فهو يعتمد بالدرجة الأساس على الطبيعة التفسيرية السائدة في الزمان  والمكان، وهذا ما يجعل الأعمال الكبيرة الخالدة لمؤلفين مسرحيين كبار أمثال  شكسبير وموليير وتشيخوف وابسن تثير الكثير من التساؤلات المختلفة  والمتنوعة، وبالمقابل يستدعي تأويلات لا نهاية لها،


 وهو الأمر الذي يجعل من هاملت تأويلياً آلاف الشخصيات المتنوعة حسب الزمان والمكان، ويجعل من لير وماكبث شخصيات متعددة متنوعة قابلة للتطور، وقد يصح القول – بنسبة كبيرة- على أن المخرج نفسه ينتج تأويلاً مغايراً لتأويله السابق للنص ذاته حينما أخرجه، وذلك بتغير الزمان والانتقال إلى مكان آخر متجانس أو متغاير، فالمخرج حينما يقوم في عملية تأويل النص فإنه يكشف عن سريته الكامنة في البعد التعبيري، والمتولدة في البعد الرؤيوي والبصري، وصولاً إلى معنى النص – المجازي- وذلك من خلال تشكيل فضاء العرض منطلقاً من عمق النص، وفك شفراته، ومعرفة مرجعياته الذاتية لموضوعه، ارتباطاً مع زمان ومكان العرض وزمان ومكان المرجعيات الاجتماعية المختلفة والمتشابهة بين مرجعيات النص ومرجعيات الواقع الاجتماعي فالتأويل لابد أن يتم بمستوى فكري وفلسفي يتبناه المخرج ويحدد أفعاله داخل النص، والمخرج الناجح هو الذي يتعامل مع جميع عناصر العرض بنفس المستوى الأكاديمي والفني، وأن يعتمد على التفسير كقدرة ابداعية، فالتفسير كما يقول زيجموند هو”رؤية فكرية بالدرجة الأولى وتستند إلى قاعدتين جوهريتين، الأولى هي النص الدرامي سواء كان قديماً أو حديثاً، والثانية هي الاحداث التي يموج بها المجتمع والقضايا التي يطرحها، ولا شك أن المجتمع الحديث، ومنذ عصر النهضة والصناعة يطرح قضايا اجتماعية جديدة، نابعة من المتغيرات المتسارعة سياسياً واقتصادياً، ومع ذلك فإن النص الرصين والخالد يعبر عن هذه القضايا المستحدثة إذا استطاع المخرج أن يلتقط الخيط الشاعري الذي يصل الماضي بالحاضر".
وكلما كانت الصورة متغيرة بتغير المجتمع زمانياً ومكانياً، والمخرج يتطور فكرياً وفنياً ويتسع في تجربته المسرحية، فإن تأويل العرض المسرحي يكون تأويلاً خاص بذلك العرض في زمان معين ومكان معين وأنه سيتغير بتغيير تلك الظروف والمعطيات الزمانية والمكانية.
والمسرح بدون ذلك التأويل لا يمكن أن يحقق أهدافه، وأن القائمين على العرض المسرحي من مخرج ومصممين تقنيات ينبغي عليهم أن يبرروا فكرة آلية توليدات متعددة في الزمن، ومتوحدة في الصورة الواحدة مكانياً، وأن يتم تأويل المتغيرات الجمالية لكونها تكملة لحركة بدأت من قبل، وانتهت في الوقت الحاضر، ولا يبدو بأنها انقطعت أو ستنقطع عن المستقبل، لأن تتابع الأحداث والحوادث يبدو وكأنه ينشأ عن ترابطها، وهذا يؤدي بطبيعة الحال إلى تكوين الصورة وفقاً للضرورة المنطقية، على اعتبار أن الفنان المسرحي (المخرج أو المصمم) هو قارئ قبل كل شيء، ولا يتأثر إلا بما يقرأ أو بما يشاهد، وعندما نقول بأن التأويل يختلف عند المخرج أو المصمم نفسه ولنفس العمل بتقادم الزمن والأحداث، فإنه من باب أولى يختلف من مخرج أو مصمم لآخر.
إن المخرج مفسراً قد يلتزم بأفكار المؤلف المسرحي، ويستخدمها وسيلة للوصول إلى المتلقي، وفي هذه الحالة فإن رؤياه وتفسيره قد يتطابق مع معطيات النص المؤلف، أو قد يبتعد عنها قليلاً، أما المخرج المبتكر فهو يتخذ من النص قاعدة للأنطلاق في رؤيته وتفسيره الذي قد يختلف كثيراً عن رؤية المؤلف، ولذلك يُعدّ مؤلفاً جديداً للنص المسرحي، ومن الطبيعي أن يذهب الثاني أكثر من الأول في عملية التأويل، لأنه لا يتمسك بالنص بحذافيره، ولا يتبع إرشادات المؤلف، بل يخلق إرشادات ذاتية جديدة، وقد يحذف من النص جملاً لا تساعد في دعم رؤياه، وقد يحذف شخوصاً أيضاً لأنها لا تساعد في تحريك الفعل الدرامي وتؤجج الصراع.
إن المسرح كمؤسسة ثقافية يرتبط ارتباطاً جوهرياً بالبناء السوسيولوجي للمجتمع، حتى سمّي (مرآة المجتمع)، بل قد يرتبط بشكل أبعد من ذلك لأنه الموجه للمجتمع، محاولاً تغييره إلى ما هو أفضل، من خلال أدواته الثقافية والعلمية والأدبية.
وهناك جانباً آخر من سوسيولوجية المسرح كما يقول جان دوفينو، يتصل بمورفولوجيا (تشكل الأشكال) في التمثيل والتعديلات والصور والماديات التي يُدخلها المخرج على المكان الدرامي (المسرحي) وهو مكان المؤلف، وبما أنه مبني فإنه يصبح عند التمثيل جيزاً مشهدياً يعتمد على المشاركة من جانب وقابل للتأويل من جانب آخر، وكذلك قابلاً لتأويل التأويل – من قبل المتلقي- من جانب ثالث.
وبذلك يكون التأويل في العرض المسرحي أما تأويلاً قائماً على التأملات الفلسفية والميتافيزيقية عبر تحويل المثل إلى وجود (حقائق) كما يقول هيجل، لأن سر المسرح كما يقول غوبيه هو سر المثل الحقيقية، وهي مجموعة من المقولات التي تسبق الخيالي أو الدرامي في الوجود، أو أنه تأويلاً قائماً على علم الاجتماع، من خلال تحويل الواقع الاجتماعي والظاهرة الاجتماعية إلى حقيقة واقعة، وهنا يكون التأويل معتمداً على (الجزء البروميثي من الحقيقة الاجتماعية) كأعمال مارلو وشكسبير، ولوب دي فيجا، وتشيخوف... إلخ.
أو قد يكون تأويلاً قائماً على الحالة الفنية من خلال تحول الصورة (البيئة) إلى حقيقة، عن طريق الإحالة تارة وعن طريق التداعي تارة أخرى، أو عن طريق الترميز الدلالي الذي يبعث بإشاراته ورموزه إلى المتلقي الموجود في الصالة.
وفي كل تلك الأحوال ينبغي أن يكون التأويل في العرض المسرحي مفتوحاً ومتسعاً لأكثر من فكرة، وباعثاً لأكثر من صورة. وكاشفاً – أمام المتلقي- أكثر من زاوية للنظر إلى شكل المعروض، تحويلاً كان أم تداعياً أو رمزياً.. إلخ، وهذا التأويل قد ينغلق عند المتلقي حين يجد تغييراً ورؤية وتفسير مطابق لآرائه وأفكاره، فينغلق عليها ويعبّر عنها حيث تمثل وجهة نظره بالموضوع.

إن قدرة المتلقي على التأويل تعتمد على ثقافته وتجربته الحياتية والاجتماعية، وعلى ممارساته الفكرية والفنية، وكذلك تعتمد على خياله وقدرته في سبر الأغوار واكتشاف ما وراء الصور والأشكال المعروضة، وبهذا يصبح المتلقي جزءاً لا يتجزأ من منظومة التأويل في العرض المسرحي.
1- التأويل موضوعة فكرية لا تخلو من تحليل ينطلق من الجزئيات لتحقيق تصور معين للكليات، وبمعنى آخر أن التأويل لفتراض يعتمد التحليل والتركيب، تحليل المعطيات وتفكيكها والبحث في علاقات بنائها ثم يعيد تركيبها وفقاً لوجهة نظر القائم على التأويل.
2- إن المعنى والشكل خاضعان إلى سلطة التأويل التي هي سلطة تحليلية تركيبية تعتمد رؤية فلسفية تصوغ المعاني وفق رؤاها أو تفترض المعاني من الأشكال.
3- يؤثر المكان والزمان أو البيئة الجغرافية والثقافية بشكل أو بآخر على بنية التأويل.
4- لابد للشكل والبناء التكويني في منظومة التقنيات (السينوغرافيا) أن تتوافق مع تأويل النص بنسبة لا توصف بالاطلاق ولا تنعدم نحو المفارقة، فلابد من جدلية تعتمد التأويل بين النص برؤيته الفكرية أو الفلسفية وبين شكل التأويل الذي تقدمه تلك السينوغرافيا.
5- أن الشكل الناجح في منظومة السينوغرافيا هو الشكل المحرك للتأويل لدى المتلقي، فكلما كان الشكل مثيراً للتأويل كلما كان ناجحاً.
6- أن كتل وتكوينات المنظومة التقنية تؤثر في حركة التأويل مما ينعكس ذلك عند جموع المتلقين.
لم تخرج مسرحية (خيط البريسم) عام 1986 عن الأسلوب التقليدي المعروف الذي انتهجه (يوسف العاني) في كتاباته للمسرحيات الشعبية التي تتناول في موضوعاتها حياة الكادحين، وهي تقدم صراعاً طبقياً على نحو شعبي عراقي يقرأ المجتمع العراقي، وعلى نحو أدق، المجتمع البغدادي.
استطاع الفنان فاضل خليل بما يمتلكه من رؤية ومرجعية ثقافية، واعتماده الأسلوب الواقعي بكل أشكاله أن يتعامل مع النص المذكور بتجديد حديث، أحال فيه النص إلى منظومة دلالية لا تخلو من التأويل في الفكرة وفي الحركة وفي الصورة.
يتحدث موضوع المسرحية عن حائك عراقي بسيط، ينظر إليه المجتمع العراقي نظرة فيها نوع من التحقير لأنه يتعامل مع النساء وخاصة في فترة العقود الأولى من القرن العشرين. وهناك حواريات في المسرحية تشير إلى تلك النظرة، وهناك أمثلة شعبية تشير إلى هذه النظرة للحائك مثل (الحائك يموت ورجليه يدفونها بالجومة*)، أو أن الحائك لا يسمح له بالزواج لفقره ولطبيعة عمله، والمسرحية قدمت بمنظومة صراع طبقي بين الحائك وعم الحائك الغني والتاجر المتعالي، والمتسلط لعملية رفض إعطاء أبنته إلى ابن أخيه (الحائك).
يقدم لنا النص تنوعاً في المكان الدرامي، لمشاهد تمثل باحات ثلاثة لبيوت بغدادية منها بيت الحائك وبيت العم، وبيت آخر هو لصديق العائلة، وتعبر عن أحداث في زقاق بغدادي.
عمل المخرج مع مصمم المنظر (نجم حيدر) على تحقيق عمقاً ايهامياً ومتخيلاً لمشاهد المسرحية، فجعل البيوت الثلاثة تشكل زاويتي مثلث يمين ويسار المسرح، وجعل بيت العم في العمق. واستطاع المخرج بعد أن جعل البيوت تشكل طابقين، أن تحقق جانباً تأويلياً مهماً واستثمارها بشكل دقيق ومؤثر، ونجح عبر تشكيل واجهات البيوت الثلاثة المغلقة بميكانيكية متحركة، أن يحقق تكويناً جمالياً مثيراً للزقاق البغدادي، وإبراز شبابيك البيوت وشناشيلها، ومحققاً ايهاماً بصرياً لمساحات طويلة وكبيرة رغم صغر مساحة خشبة المسرح.
إن المخرج استطاع أن يحقق المعنى التأويلي من خلال المعنى البصري الذي جاء عن طريق ايهام التداخل البصري بين جدران البيوت والمحددات العامودية وأدوات وأثاث (أكسسوار)الاستعمال، فوظف خيط الحياكة لتحقيق تلك المناظر فوق خشبة المسرح بكل معماريتها، وكذلك لتجسد كل الأدوات والأثاث والأكسسوارات من خلال ذلك الخيط وألوانه المتعددة، وكثافة تلك الخيوط وتراصها، لتشكل بسط عراقية بجمالية أثارت في نفوس المتلقين انفعالاً جمالياً لا يخلو من تأويل مفرط في تعيين المعنى.
ومن خلال الإضاءة الساقطة على تلك الخيوط، تم تحقيق إيهام التداخل البصري، التي استثمرها المخرج في إسقاط تأويله الفكري – والفلسفي البالغ الدقة، وذلك من خلال إطفاء الإضاءة المسلطة من الخارج وفتح الإضاءة على الداخل لكي نشاهد حركة الخيوط المؤثرة على حركة الممثل، كما ونكتشف وجود آلية بصرية خلف الخيوط بفعل التداخل البصري المترابط مع ميكانيكية الحركة التي اتسمت بها الجدران المتحركة على الخشبة.
إن ربط الإيهام البصري بتلك الحركة التي تمثلها الجدران ومع باقي العناصر التقنية التي تشكل المنظومة البصرية يساهم في إبراز التأويل الفكري والفني للعرض المسرحي، باعتبار أن المخرج والمصمم اعتمدا على مرجعية الخامة المستخدمة اجتماعياً وارتباطها بشخصية الممثل في المسرحية، ومعبرة عن الموروث الجمعي القابل للتأويل.
واستطاع المخرج من خلال ذلك أن يحقق توافقاً وتكاملاً بين المنظومة البصرية للعرض، وبين ما يطرحه النص من تأويلات على مستوى الصراع الطبقي في المجتمع العراقي، ومحققاً من خلال ذلك التوافق تفاعلاً ايجابياً مع المتلقي.
وكذلك حقق التأويل الشكلي المنسجم مع التأويل الخاص بمضمون النص المسرحي من خلال ترابط الرؤية النصية مع تشكيلات العرض المسرحي المتنوعة التعبير والمعتمدة على وحدة الخامة.
1- إن الخامة والمواد (الخيوط) التي يصنع منها أشكال وتكوينات المناظر بشكل خاص والسينوغرافياً بشكل عام لا تعد خامات إظهار فقط، بل هي خامات باثة للتأويل، وهي منظومة تأويل بحد ذاتها.
2- كلما كثرت التأويلات نحو نتاج فني معين كلما كان ناجحاً بمنطق الحداثة وما بعدها، بوصفه نتاجاً مثيراً للتساؤلات والافتراضات، أو بمعنى آخر نتاجاً محفزاً للتفكير والتحليل.
3- إن النظام التأويلي عند فاضل خليل يشتغل على الفكرة وعلى الحركة وعلى الصورة.
4- يسعى المخرج فاضل خليل إلى تحقيق المعنى التأويلي من خلال المعنى البصري، الذي جاء عن طريق إيهام التداخل البصري بين جدران البيوت والمحددات العامودية وأدوات وأثاث الاستعمال.
5- لقد حقق المخرج التأويل الشكلي المنسجم مع التأويل الخاص بمضمون النص المسرحي من خلال ترابط الرؤية النصية مع تشكيلات العرض المسرحي المتنوعة التعبير والمعتمد على وحدة الخامة.

1- يبدو بأن المخرج يسعى دائماً إلى التمييز بين شكل العرض من خلال منظومته التقنية (السينوغرافية) ومضمون النص تأويلياً بما يحقق نوع من الأنسجام والترابط بينهما.
2- يستفيد المخرج من الخامة الجديدة (أي كان نوعها خيوطاً أو قطع قماش أو قطع اكسسوارية) ليحقق من خلالها نوعاً من التجريب الذي يقود إلى التأويل الشكلي.
3- يسعى إلى تحقيق الربط بين الشكل الواقعي والشكل المأخوذ من التراث الشعبي عبر استخدامه لخيوط الجومة كأقرب مثال لذلك.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية