العدد (4045) الخميس 19/10/2017 (مؤيد نعمة 12 عاماً على الرحيل)       النجم مؤيد نعمة       مؤيد نعمة.. بلاغة الكاريكاتــير وحدَّته القاطعة       في ذكرى مؤيد نعمة       مؤيد نعمة.. عبقري من العراق       الحوار الاخير للراحل مؤيد نعمة: الكاريكاتير فن المستقبل       شجاعة مؤيد نعمة وصورته التي غابت       الرسام العراقي مؤيد نعمة: العراق يمتلك خصوصية «متفردة» في فن الكاريكاتير       مؤيد نعمة.. قراءة في خطوطه النبيلة المشاكسة       نبــوءة مؤيــد نعمـــة    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :33
من الضيوف : 33
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 17910820
عدد الزيارات اليوم : 2934
أكثر عدد زيارات كان : 33537
في تاريخ : 15 /03 /2017
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق اوراق


السبيليات

اشراق سامي
تتخذ  رواية”السبيليات”لاسماعيل فهد اسماعيل من الأرض (المكان) محوراً رئيساً  تدور حوله التفاصيل الروائية الأخرى، وهي هنا  (الأرض) تنافس الشخصية  الاساسية في الرواية (أم قاسم) التي تشير الرواية في عنوان ثانوي بـ (مالم  يذكر من سيرة حياة أم قاسم)،فيما تستهل بعنوان فرعي صغير اسمه (كلمة  للكاتب)


 وهي ذات الكلمة التي وضعت على الغلاف الخارجي في نهاية الكتاب، توضح: أن بعد الحرب العراقية - الايرانية كان هناك وفد من الاعلاميين والفنانين عاينوا الخراب الذي تركته الحرب على محافظة البصرة عبر طائرات سمتية تطير بارتفاع منخفض، ووجدوا قمم النخيل الذابلة والمحترقة، لكن ثمة شريط اخضر يمتد وسط كل هذا الخراب عندما سألوا عنه، سمعوا انه:  قرية السبيليات
وبإشارة نحو الكاتب (الذي صرح أن هذه القرية مسقط رأسه)
عليك اذن أنت اكتشاف السر! وتبدو هذه الكلمة مثل اشارة ميتاسردية أو لعبة تقنية روائية تجعل بين النص وكاتبه مساحة من التأمل والخيال، وتفتح باب القراءة مصحوبة بسحر الفضول، وبسؤال يتناوب على ذهن المتلقي الذي يجد ان اسماء الاماكن والانهار ووصف التفاصيل هي مطابقة للواقع فيمرر حيرته: لعلّ هذا حصل بالفعل؟
ما السر في أن تنجو هذه القرية من الخراب، أن تخضر فيها الحياة وتزهر رغم الموت!
وستبدأ الرواية بمتابعة السر منذ الصفحة الاولى التي تأمر فيها السلطات سكان القرية بترك بيوتهم واخلاء القرية لأنها اصبحت موقعاً عسكرياً، (ام قاسم)، وحدها ستعود لتمحو علائم الحرب التي تعبث بمصائر الكائنات والمخلوقات كلها، تلامس هذه الرواية برقة تلك المساحة الفطرية في العلاقة بين الانسان وبين مايحيط به من اشكال الحياة، النخلة والسدرة، والنهر، السمك والطير الحيوان المدجن مثل الحمار الاثير لأم قاسم (قدم خير) الذي رافقها في رحلتها من النجف جنوباً باتجاه البصرة وتوقف معها حيث قبر زوجها (ابو قاسم) الذي توفي اثناء  طريق المغادرة الاضطرارية وبعد أن مر عام كامل على هذا التهجير القسري بسبب الحرب، تعود أم قاسم معتمدة على الحمار الى حيث دفن زوجها: بين نخلتين غيبانيتين متقاربتين على جانب الطريق عند المشارف الشمالية لمدينة الناضرية...
تحمل مابقي من ابي قاسم وتنزل باتجاه السبيليات احدى قرى ابي الخصيب وتمضي فترة بين العسكر والحرب هي زمن الرواية هي زمن النص الروائي الذي يتحدث عن زمن الحرب العراقية - الايرانية التي امتدت لسنوات ثمانٍ في عقد الثمانينيات.
في الغالب تتخذ الروايات التي تكتب عن الحروب من المعاناة الانسانية ومشاعر البشر  اساساً لكي تنتقد به تلك الحماقات الانسانية العصية الفهم في اشعال الحروب والكراهية، لكن رواية السبيليات دخلت من بوابة اخرى أوسع قليلاً، دخلت من الكائنات المحيطة بالانسان عبر رؤية يتداخل فيها الحلمي بالواقعي والحقيقي بالعجائبي، حيث حملت امراة  وهي هنا أم وجدة هموم الارض وما يحيط بها من كائنات فكانت تطرح الاسئلة البسيطة العميقة الفطرية والخطيرة عن جدوى الخرائب، ذبول النخيل وجفاف الأرض قطع الانهر الصغيرة بالسدود وموت ألوان الحياة. وقد تميزت اللغة في هذه الرواية بطابع خاص إذ تماهى فيها الواقع بالخيال وكعادة اسماعيل فهد اسماعيل في القدرة على اللعب بالافكار من خلال المسكوت عنه وخلق المشاهد المتكاملة الاحساس عبر راو يتنقل برشاقة غير محسوسة بين الشخصيات ويعبر عنها بصياغة سلسة في التعبير عن عناد طاعنة بصرية جنوبية تجد أن (بستوك) الطرشي المعتق اكثر اهمية من بيانات الحرب وأن عودة البلابل أهم بكثير من انتصارات قائمة على الفتك بكل ماهو حي.
وما يلفت ويدهش بين تفاصيل الحكاية ذلك التواصل والعلاقة الغريبة بين الحرب وبين سيدة عجوز، فثمة حوار بين الفطري والمحب والبسيط وبين المعقد والكاره والشاذ يتسرب بحيوية بين مشاهد عابقة بصور البيئة الجنوبية الغناء، عبر تسلسل زمني مشوق يتابع ايقاع الاحداث والحوارات فاتحاً الباب امام الخيال للتأويل والبحث عن  طرائق مختلفة لسرد الحكاية التي لا تساير ماهو نمطي ومألوف بل ترسم لنفسها خطاً خاصاً ومنفصلاً وعجائبياً مطرزاً بالسخرية الحادة من اشكال السرديات الكبرى، المجد للحياة، التي ستظهر في النهاية أنها المنتصرة وأن تعوقت أو فقدت شيئاً من جلال حضورها.
تتمرد الحكاية من خلال بطلتها (أم قاسم) على فكرة الحرب فتواجه وجهها المفزع من دون تردد وهي تعود الى بيتها في القرية المهجورة سوى من الجنود ودانات الهاونات، تتمرد على الموت فتحمل عظام زوجها  المتوفي وتعيد بعثه من جديد بطريقتها، فتجعل من مكان دفنه في باحة بيتها الريفي ساحة للحوار معه تستشيره فيجيبها في احلام المنام تشركه معها بتفاصيل يومها وما تخطط لغدها، تتمرد على واقع امرأة كبيرة السن، فتصنع الاعاجيب، تردم الجدران، تفتح السواقي المغلقة، تنظف البيوت الفارغة من اثار الدمار وبقايا الهاونات، تتمرد على أوامر الدولة التي تقول كل شيء من أجل المعركة لتقول هي بطريقتها، بل كل شيء من أجل الحياة.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية