العدد (3979) الاربعاء 26/07/2017 (جين أوستن)       العالم يحتفل بمرور 200 عام على وفاة جين أوستن       ثلاثة كتب تتحدث عن جين اوستن       جين أوستن بعد 200 عام على رحيلها       أعمال جين أوستن وتطور طبعاتها المتعددة       كتاب يكشف الوجه الآخر للروائية الإنكليزية: جين أوستن... الراديكالية الخفية       دروس من جين أوستن       السينما تقدم صورة مغايرة لأوستن في فيلم اعتذارات آنسة       "كبرياء وتحيز".. الرواية التي لا تملها السينما       من جين أوستن الى جورج ر. مارتن.. الرواية القصيرة تعود الى الواجهة    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :28
من الضيوف : 28
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 16587550
عدد الزيارات اليوم : 4887
أكثر عدد زيارات كان : 33537
في تاريخ : 15 /03 /2017
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » كان زمان


كيف قتلت مارلين مونرو؟

كان ما أذيع عن انتحار ملكة  الجاذبية الجنسية والاراءعلى الشاشة الفضية اكثر انباء العام إثارة .. حتى  أن رحلة نيكولاييف وبوبوفتش نفسها لم تستطع – ولو مؤقتا – ان تحجبه او ان  تدفع به الى مكان خلفي من ذاكرة مئات الملايين، ذلك ان الجمال البشري على  الارض يحرك القلب والنفس ويدخل البهجة والامل ويحظى من اهتمام الناس باكثر  مما يناله غزو الفضاء وما يثيره من المخاوف واحتمالات الحرب.


ولكن.. هل انتحرت مارلين مونرو حقيقية ام انها قتلت؟ ومن المسؤول عن المصير الذي اصابها؟ هذ أسئلة ترددت، ولا تزال تتردد.. والان فلنرجع سنوت قلائل الى الوراء..
قرار حاسم
ونبدأ القصة بفكرة مفاجئة او بنزوة عابرة طرأت على النجمة الحسناء، اذ قررت ان تلحق "باستوديو الممثل"، اي المدرسة التي اشتهرت بتخريج افراد الطليعة في فن التمثيل الكوميدي، وفيها تخرج جيمس دين، ومارلون براندو.
ارادت مارلين ان تدخل هذا الميدان الجديد واعتقدت انها سوف تصبح ممثلة كوميدية من الصف الاول كأنما احست بالملل من الدور الذي هيأه لها المخرجون..
واشفق عليها اصدقاؤها وصديقاتها وحاولوا ان يرجعوها عن عزمها، ونصحوها ان تحتفظ بالطابع الذي عرفت به والذي اكسبها الشهرة والمجد، اي طابع الفتاة الجميلة الضاحكة والطبيعية في كلماها وتصرفاها.. واصرت مارلين على تحقيق رغبتها او نزوتها، وبذلك احدثت ثورة او انقلاباً في حياتها ومستقبلها.
القدر يتدخل
وتحركت يد القدر وامسكت بالخيوط.. حدث هذا في اوائل عام 1956 حين وصلت مارلين الى الدرس متأخرة كعادتها.. وكان هنك رجل تبدو عليه امارات العظمة والهيبة، وكان نحيفا جدا، وكان يخفي عينيه السوداوين وراء نظارته.
وسواء بسبب التأخر عن موعد ابتداء الدرس، او لان جلسة الرجل العظيم احدثت لها نوعا من الاضطراب، فانها سارعت تشق طريقها بين الصفوف تبحث عن مقعد خال ترتخي عليه. وفي لهفتها او عجلتها تعثرت بأحد الكراسي فوقعت على الارض، وتلفت الطلاب والطالبات ليعرفوا السبب، واتجهت جميع الانظار اليها.
وكانت عادتها اذا ارتكبت هفوة ان تحمر وجنتاها ويظهر عليها الخوف وتأخذ في الاعتذار عما فعلت بعبارات غير متماسكة او مفهومة.
وتوالت النظرات وتعددت المقابلات، وطارت الاشاعات وما اسرعها في هوليوود، وراحت تؤكد ان مارلين مونرو سوف تتزوج ذلك الرجل العظيم جداً والنحيف جداً "آرثر ميللر" معبود الشباب الاميركي المثقف.
وسألها صحفي ممن يتابع اخبار النجوم "متى يتم زواجك من ميللر؟".
فاجابت على الفور: "هل جننت؟ كيف تريد من رجل مثقف مثله ان يتزوج من مسكينة مثلي".. ولكنها كانت تكذب وكان الكل متأكدا من انها تكذب، اذ بعد ثلاثة شهر وبالتحديد في 29 يونيه من عام 1956 اصبحت مارلين زوجة شرعية لارثر ميللر، وكانت سعيدة جدا بزواجها حتى كانت تقول "والان وجدت الرجل الذي سوف يقرر مصيري وكل شيء يتعلق بي".
ولم يخطئ حدسها، فلم يكد ينقضي عام ونصف عام على طلاقهما حتى صارت مارلين مونرو في ذمة التاريخ.. صارت ذكرى لا أكثر ولا أقل، مثلها في ذلك مثل رودلف فالنتينو ثم جيمس دين.. بعده، وراحت هوليوود تفكر فيمن يحتل العرش الذي تربعت عليه مارلين.
الخالق والمخلوق
وعرض عليها ميللر ان تصحبه الى المزرعة التي يمتلكها في كوينتيكت، فقبلت وقد غمرتها السعادة المنبعثة من الامل.. سوف تنفرد بالرجل العظيم الذي كسبته، وسوف تكون حياتها انشودة غرام متصلة.
وسافر العروسان، ولكن ميللر كانت له وجهة نظر اخرى ما كان يمكن ان تخطر على بال مارلين . لقد اراد ان يجعل منها شخصاً آخر، او بعبارة اخرى اراد ان يخلقها من جديد. فلم يكد يستقر بهما المقام في عشهما الريفي الجديد حتى بدأ ينفذ خطته التي رسمها. فبدأ يحملها على دراسة التحليل النفسي بقراءة مؤلفات سيجموند فرويد ثم ارغمها على مطالعة الكثير من الكتب في الفلسفة والسياسة والاقتصاد والقانون، وهي نواح أبعد ما تكون عن طبيعتها ولكنها أقبلت عليها إرضاءً للرجل الذي فتنت به وحتى تثبت انها جديرة بان تكون زوجة ذلك الانسان المثقف.
ولكن – وهذا ما تراه هوليوود – لقد بدأ نجم مارلين يخبو وأخذت تسير في طريق السقوط منذ هذه اللحظة، ذلك انها خلال فترة زواجها التي دامت اربع سنوات ونصف سنة لم تمثل الا فيلما واحدا. اصبحت عاجزة او مهملة او مشغولة، وبدأ الكثيرون من عشاقها ينسونها. لقد احاطها الزواج بسياج اخفاها عن العيون وهذه اكبر نكبة يتعرض لها النجوم، فذاكرة الناس سرعان ما تضعف ولا يلبث النور البراق ان يتضاءل حتى يختفي.
ومع ذلك واصل الزوج تنفيذ خطته في اصرار وانتظام.. كان يريد ان يجعل من هذه الفتاة اللعوب المليئة بالصحة والحياة مخلوقا جادا بل وحزينا على صورته.
السراب الخادع
وانقضت ايام المزرعة وعاد الاثنان الى نيويورك. كانت تأمل ان تعود الى الحياة الصاخبة المرحة، وكانت تتصور النوادي الليلية والحفلات البهيجة. ولكن ميللر لم يتحول عن الاتجاه الذي سار عليه منذ البداية ولم يستطع – على ذكائه – ان يدرك انه يحطم روحا. ومنذ وصوله الى العاصمة الحقيقية للولايات المتحدة الامريكية أخذ يصحب زوجته الى اماكن لم يكن يخطر ببالها مطلقاً ان تزورها ابدا في حياتها. كان يحملها على ان ترافقه الى المتاحف على اختلاف انواعها، من اثرية وجيولوجية وعلمية. وكان يحملها على ان تقضي الساعات الطوال في ايام متوالية في المكتبة الاهلية ويختار لها الكتب لتطالعها. وكان يجعلها تحضر الندوات والمؤتمرات الادبية حيث تنصت الى ما يدور فيها من مناقشات وما يعرض فيها من اراء وبحوث اما الرحلات التي كانت تحلم بها، والنزهات التي كانت تتطلع اليها ، والخلوة التي تريد منه ان يبثها فيها لواعج الشوق والغرام – تقول ان هذه جميعا اصبحت فاكهة محرمة على الزوجة الشابة. لقد خلت حياتها من البهجة والمرح والضحكات ولم تستطع الفلسفة والعلوم ان تحل محلها واذا بحياتها تصير فراغا. لقد تحولت مارلين الى راهبة دخلت الدير وهي لا تؤمن به ولا بالرهبنة.
ولعلها لم تفقد الامل، وجاهدت نفسها لارضائه بل واغرائه فكانت تؤلف في خلوتها قصائد من الشعر. ولكن، هل اخبرت زوجها او اطلعته عليها حتى يبدي رأيه فيها؟
كلا، انها ابقت ذلك سراً خافيا عنه.. اذ كانت بطبيعتها خجولة وتخشى ان يسخر منها. ولكنها كانت تطلع اخلص الصديقات على ما تكتب وتطلب اليهن الا يتحدثن بشيء عن هذا.
التحول
كان من الطبيعي ان تبدو نتائج هذا اللون الغريب من الحياة. فقد كانت تشاهد وهي تدخل النوادي الليلية واماكن الرقص وقد اخفت عينيها وراء نظارة كبيرة سوداء، بل وغالبا ما كانت تضع على وجهها نقابا لم يكن في وسعه ان يحجب الحقيقة. ولاحظ الذين عرفوها من قبل انها اصبحت اكثر نحافة واشد اصفرارا.. بل واخطر من هذا كانت معالم اليأس ترتسم على وجهها. لقد تحطمت روحها، اما اذا ابتسمت او ضحكت من قبيل المجاملة لصديق او صديقة كانت الابتسامة او الضحكة تبدو مغتصبة.. ولا يمكن ان تكون مصدرها مارلين، الفتاة الضاحكة التي لا تتكلف.
بداية المأساة
وعادت يوما الى بيتها ودخلت الى حجرة نومها فاذا بمفاجأة تقابلها.. فعلى سريرها الحريري الناعم وجد صورة فوتوغرافية تبدو فيه وقد ارتفعت الجوفلة فوق ركبتيها قليلا. وكان زوجها هو الذي اتى بالصورة اليها لتراها.
ثم فتح باب الغرفة ودخل ميللر ووقف امامها لحظة بدت في نظرها اعواما. وبلهجة باردة للغاية قال:
"هل تعتقدين ان المهنة التي تحترفينها هي فن حقيقة"؟
وكالعادة، احمر وجهها، وتلعثمت وراحت تعتذر.. وكانت كلمات الزوج طعنة اصابتها في الصميم، وحين روت الحادثة لخلصائها وفيما بعد، والالم يعصر قلبها والدموع تنساب من عينيها، كانت تحاول الاعتذار: "وماذنبي في هذا؟ لقد اراد المخرج مني ان ابدو على هذا النحو ارضاء للمشاهدين."
من انت؟
ولم تقف قسوة المعلم الزوج عند هذا الحد، ففي ديسمبر من عام 1960 وعلى اثر مشادة على ما يبدو قال لها:
"عندما تموتين لن يبقى منك سوى بضع صور تمثل الجاذبية الجنسية".
كانت تلك العبارة أكبر اهانة تعرضت لها في حياتها، وزاد من حدتها ان قائلها هو الرجل العظيم جدا الذي فتنت به من النظرة الاولى. وكانت تلك الاهانة نقطة تحول خطير في حياتها. لقد احست انها لا شيء وان حياتها غير ذات قيمة. ومنذ تلك اللحظة اكبت على الشراب وافرطت فيه كانما شاءت ان تفرغ اليأس في الكأس. واخذ تنحدر بسرعة نحو الهاوية.
هل هذه حياتها؟ وهل هذا مصيرها؟ اذن فالحياة عبث؟ الم يقل الكاتب العبقري ذلك.. واذن ما قيمة هذه الحياة.. وهنا اخذت تسيطر عليها فكرة التخلص من حيتها التافهة ولكن مارلين كانت تثور احيانا ولم تكن تتردد في ان تلقي على مسامع العبقرية الفاظا قاسية. فذات مرة وقد افرطت في الشراب واجهته بقولها: "من انت؟ ماذا ترى في نفسك؟ ان لست سوى كاتب يدفع له الناشر اجره بالسطر.. هل تظن انك مثل تولستوي؟ يا لك من مغرور!".
قالتها وهي لا تعي ثم تناولت كأسا اخرى عساها تستعد من محتوياتها الشجاعة.
وفشل العبقري
وبالرغم من هذا كله ومن الاهانات المتبادلة كان ارثر ميللر يحوطها بكل ضروب العناية. كان ينوب عنها في توقيع العقود مع الشركات. وكان يشرف على وكلاء دعايتها. بل وكان يختار لها الوان الملابس التي ترتديها، والسيارات التي تركبها واحمر الشفاه الذي يحب ان تستعمله. كان يعاملها كما يعامل الاب طفله الصغير المدلل الذي لا يعرف اين مصلحته.
وحين طلقها قال:
"خلال فترة زواجنا كلها لم اكتب سطراً واحداً لاني كرست حياتي كلها لك.. ولكنني لم انجح في ان اخلق منك شيئاً.. هذه اكبر خدعة وقعت فيها في حياتي".
لقد صدق ميللر في قوله انه اخفق في خلق طراز جديد من الفتاة الجميلة الضاحكة. ولكنه نجح في تحطيم روحها وجعلها تشك في نفسها بل وفي قيمة حياتها ذاته. لقد سلبها الامل وافقدها الرغبة في الحياة او الحرص عليها.
الانهيار
ثم وقع الطلاق وظهرت مارلين في صورتها اليائسة الجديدة. اصبحت تنفق على طبيبها النفساني مالا يقل عن 25 ألف جنيه في الشهر الواحد.
واصبحت عيش على المنبهات حتى تظل في حالة اليقظة، وعلى الحبوب المنومة حتى تتمكن من النوم. ولهذا فحين كانت تمثل فيلمها Misfits كانت تتناول في اليوم الواحد عشرين قرصا منبها حتى تتمكن من الاحتفاظ بنشاطها وحيويتها.
ولم تعد قادرة على حفظ دورها في الرواية التي تمثلها، واصبحت عاجزة عن النطق بالعبارات متماسكة ومتجانسة.
وبعبارة موجزة بدأت تفقد القدرة على التمثيل بعد ان فقدت السيطرة على اعصابها وخانتها الثقة في نفسها.
واخذ تكثر من التخلف عن مواعيد البروفات ولم تعد تعبأ بالتحذير او الانذار، وذات مرة قال لها المخرج انها اصبحت لا تستطيع الوقوف امام الكاميرا كما ينبغي فما كان منها الا ان ارتدت ملابسها وركبت سيارتها واختفت من البلاتو.
وراحوا يفتشون عنها حتى وجدوها في اليوم التالي على مسافة 100 كيلو متر في معسكر للهنود الحمر وقد ارتدت ملابسهم القومية وقالت بصوت ناعم "اني اؤمن بهذا الدين العظيم عن السلام الباطني بعد ان اصبحت روحي فارغة.. ان اسرتي هنا".
وكان اول من وجدها كلارك جيبل الذي راح يقنعها بالعودة معه ويعاملها كانها طفلة شاردة.
وفي هذا الوقت كانت قد قررت الانتحار والخلاص من حياتها.. ولكن الذي انقذها هذه المرة كان ايف مونتان الذي لازمها بعد عودتها الى نيويورك.. كان يضحك امامها ويغني لها ويحاول ادخال السرور على نفسها. واهم من هذا انه كان يشبه جو ديماجيو الرجل الوحيد الذي احبته مارلين في حياتها حبا حقيقيا صادقا.
شبيهة امها..
ولكن، مالبثت روح اليأس ان تغلبت عليها فاقدمت على الخلاص من حياتها.. لقد فقدت ديماجيو، وانفصلت عن ميللر، وعاد مونتان الى زوجته. وفتحت وصية مارلين فاذا بها قد تركت مبلغا طيبا لامها.. ولكن اين الام التي ورثت ستين الف جنيه ؟ انها تقيم في مستشفى للمجانين لا تعلم، بل ولا يمكن ان تقدر ، ما جرى لابنتها.. انها تعيش هناك حياة فارغة من التفكير.. ولكنها خياطة ماهرة تخيط ملابس اخواتها المرضى وكذلك الممرضة التي ترعاها.
وحين تحدق النظر اليها سرعان ما تلاحظ ان عينيها تشبهان تماما عيني ابنتها، أعظم نجم ظهر على الشاشة البيضاء حتى اليوم. والعين هي النافذة التي تتطلع منها على النفس بل والعقل.
الهلال/  تشرين الاول - 1962



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية