العدد (4070) الخميس 23/11/2017 (بدري حسون فريد..رحيل الاستاذ)       لفريد بدري حسون فريد سمو يتوهج       لنتذكــر بـــدري حسون فريد       حوار مع الرائد المسرحي الفنان بدري حسون فريد              لقاءمع الفنان الكبيربدري حسون فريد:المسرح لم يولدفي يوم واحد،بل هو سلسلةمن إرهاصات فكريةوإجتماعية       بدري حسون فريد.. ذاكرة الايام العصيبة       بدري حسون فريد.. غربة مزدوجة!       عشت ومتّ شامخاً سيدي بدري حسون فريد       الرائد المسرحي بدري حسون فريد وكتابه: قصتي مع المسرح    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :30
من الضيوف : 30
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 18506516
عدد الزيارات اليوم : 1840
أكثر عدد زيارات كان : 33537
في تاريخ : 15 /03 /2017
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


مناورات طالب النقيب السياسية سنة 1920

د. علي الوردي
كان السيد طالب  النقيب مغضوبا عليه من قبل الانكليز في اثناء الحرب الاولي. ولما انتهت  الحرب كتب السيد طالب الي الانكليز يرجو منهم العفو عما سلف ويتعهد لهم  بانه سيخدم المصالح الانكليزية بكل ما في وسعه. وفي شهر تموز 1920 استدعاه  ويلسون الي بغداد على امل ان يستفيد منه في تهدئة الوضع فيها. فوصل السيد  طالب الي بغداد في 25 منه ونزل في دار عبد القادر الخضيري الواقع علي ضفة  النهر قرب الباب الشرقي.


كتبت المس بيل في رسالة لها مؤرخة في 26 تموز تقول ما نصه: وصل السيد طالب امس، وجاء بعد الظهر لرؤيتي.. ان الوطنيين ينظرون اليه بعين الريبة لانهم اولا يعتقدون بحق انه يطمح للوصول الي المنصب الذي يطمحون هم اليه، وثانيا لانهم يخافون منه ــ وبحق ايضا. انه اقدر رجل في البلاد. ويجب ان لا ننسي ايضا انه عديم الضمير تماما. ولكن مصالحه ومصالحنا واحدة كما ذكر لي بصراحة مساء امس. ان الذي يطمح اليه السيد طالب فعلا في حالة نجاحه في تأليف حزب معتدل هو ان نتعهد له بالتأييد في الحصول علي المنصب الاعلي في البلاد. اننا لا نستطيع ان نعطيه مثل هذا التعهد. كما اننا لا نستطيع ان نفرض علي الحكومة العربية عند تأسيسها رجلا معينا لرئاستها.
كانت ثورة الفرات الاوسط يومذاك في اوج قوتها وانتشارها. وكان الوطنيون في بغداد يرقبون تطورها بلهفة ويبثون الدعاية لها ويودون المشاركة فيها علي وجه من الوجوه. وجاء السيد طالب يدعو الي ثلب الثورة والي مقاومتها وتأييد الانكليز. فأحدثت دعوته هذه ازديادا في توتر الوضع في بغداد.

مقابلة السويدي
أخذ السيد طالب يتصل بزعماء الحركة الوطنية في بغداد، يزورهم في بيوتهم يحدثهم عن قوة الانكليز وقدرتهم علي سحق الثورة في وقت قريب. وكان من بين الذين اتصل بهم يوسف السويدي. فقد زاره السيد طالب في بيته في الكرخ في 28 تموز 1920 بصحبة ياسين الخضيري وعبد الرزاق المير. وعند خروجه من بيت السويدي ذهب الي المس بيل ليخبرها بما دار بينه وبين السويدي من احاديث مثيرة. وقد كتبت المس بيل تقريرا سريا بذلك. ننقل فيما يلي بعض النبذ المهة منه:
يقول السيد طالب ان السويدي بدا حديثه معه بذكر ما انجزته الحركة الوطنية ببغداد خلال ستة اشهر، وكيف نجحت في التقريب بين الشيعة والسنة حتي صاروا جميعا كأنهم اخوة يربطهم هدف واحد. وكيف تأثرت العشائر بذلك حتي اعلنت الثورة المسلحة. وقال السويدي: ان الحركة الوطنية في بغداد حين نادت بالامير عبد الله ملكا لم تفعل ذلك الا من باب الخداع، وهي في الواقع لا ترغب الا في السيد طالب. ولقد خاب املها في السوريين ــ يقصد العراقيين في سوريا ــ لانهم لم يبعثوا اليها من المال سوي ستة عشر الف باون.
وهذا المبلغ لا يكفي للحاجات الكثيرة للحركة. وان الحركة لا تستطيع ان تواصل دعايتها ما لم تكن مجهزة بالمال الكثير. ثم قال السويدي موجها كلامه للسيد طالب: وانت الذي كنت رائدا في الحركة العربية نبايعك الان قائداً لنا. فقال له السيد طالب: كثير زين. أنا عربي ومواطن عراقي، فاشرح لي آراءكم.
فاجابه السويدي: لا اجانب. لا انتداب، لا تدخل من الخارج. فسأله السيد طالب: وما هو منهاجكم؟ فأجاب السويدي: ليس عندنا منهاج.
وعند هذا قال له السيد طالب: اذن فانتم لستم احسن من الخارجين علي القانون واللصوص فليس في مقدوركم اثارة ثورة بلا نظام، كما ليس في مقدوركم التغلب علي الانكليز من غير منهاج. اني قد رأيت علي منضدة السر ارنولد ويلسون ثلاثة مناهج. واحد من اللبني عارضا فيه مدفعية، والثاني من القائد العام في الهند يقول ان القوات الموجودة علي الحدود الشمالية الغربية في الهند تحت تصرفه. فأين مدفعيتكم؟ وهل في امكان العشائر محاربة الجيش البريطاني؟ فلما سمع السويدي هذا الكلام مني ضرب رأسه بيده وصرخ قائلا: آي اي! ماذا صنعت أنا! واخذ يضغط بأصابعه علي رأسه بحيث ظهرت اثارها علي جلده بيضاء.
وانتِ تعرفين لون بشرته الحمراء الداكنة، وقد واصلت الحديث معه أسأله عن الكبراء والمثقفين من أهل بغداد الذين يؤيدونه في حركته. فلم يجبني بشيء واستمر يضرب جبهته كالمجنون. فإن الرجال الذين يعتمد عليهم فيما اعلم هم فؤاد الدفتري وجعفر ابو الثمن ورشدي ابو ليلة. ولست ادري من هو ابو ليلة هذا. ويأتي بعد هؤلاء الصدر ــ السيد محمد طبعا. قلت له انه اذا اراد مني الانضمام اليه فعندي اربعة شروط. اولا: ان رأس الدولة يجب ان يكون عراقيا شريفا من افضل الانساب والعائلات في العراق. ثانيا: ان اللجنة يجب ان تؤلف من اولي الشرف والسمعة الحسنة. ثالثاً: ان خطة الدعاية السياسية والدعوة للثورة يجب ان تترك خللاً. ورابعا: ان اشراف بغداد والاشخاص الاخرين الذين لم ينضموا الي حزبه يجب ان يدعوا للاشتراك في اللجنة. وقد حصل الاتفاق علي ان يأتي محمد الصدر لرؤيتي عصر هذا اليوم. فاذا قبل بهذه الشروط فمن الممكن ان تسير الامور سيرا حسنا، والا فاني سوف اقطع علاقتي بك وبرفاقك. واني انذرك بانك اذا اصررت علي اتباع هذا الطريق فسوف تجلب الخراب الي البلاد كلها. ان الاسعار سترتفع في بغداد (والواقع انها ارتفعت فعلا) وسوف يقوم الناس قومة واحدة واضعين اللوم علي عاتقك. واني انصحك انك اذا ارادت المشي في الشارع يجب ان تستصحب معك اربعة رجال يحملون المسدسات.
واصل السيد طالب حديثه للمس بيل حيث قال: ان السويدي ارتعب من كلامي هذا رعبا شديدا بحيث انه سوف لا تكون له شهوة للأكل في هذا اليوم. وقد ارتعب ياسين الخضيري كذلك بحيث صار يرتجف من شدة التأثر. ولما خرجنا من بيت السويدي قال الخضيري: انني كنت مخدوعا. وكنت اظن ان السويدي يستطيع ان يحصل من سوريا علي معونة عسكرية غير محدودة. والان ماذا سوف تكون عاقبة اعماله. ان من الافضل لي ان اذهب الي الهند.
هذا كان فحوي التقرير السري الذي رفعته المس بيل الي المسؤولين. والملاحظ ان السيد طالب كان يبالغ في حديثه للمس بيل لكي يثبت لها اخلاصه للانكليز ومقدرته في التأثير علي الوطنيين وتخويفهم. ومن الممكن القول ان السيد طالب قد اعتاد علي مثل هذه المبالغات منذ حياته الاولي في البصرة، وقد نجح بها في بعض الأحيان وظن انه سينجح مع الانكليز ايضا. ويبدو ان المس بيل كانت ادهي من ان تنطلي عليها مبالغات السيد طالب. فهي قد كتبت في ثنايا تقريرها الآنف الذكر عبارة تدل علي انها في ريبة من صحة ما ذكره السيد طالب عن السويدي.

تشكيل لجنة انتخابية
كانت الحكومة البريطانية قد ابرقت الي كوكس في طهران في 6 حزيران 1920 تخبره بانه قد عين مندوبا ساميا في العراق وانه يجب ان يغادر مقر عمله في طهران ويعود الي لندن باقصر طريق للتشاور معه حول انشاء حكومة وطنية في العراق. وفي 10 حزيران غادر كوكس مع زوجته طهران متوجها الي بغداد فوصلها في 14 منه. وبقي فيها يومين حيث اشترك مع ويلسون في اعداد بيان رسمي للاعلان عن تأسيس دولة مستقلة في العراق خاضغة للانتداب البريطاني تحت رعاية عصبة الامم. وان هذه الدولة سوف يشرع في تشكيلها عند عودة كوكس من لندن في الخريف القادم.
غادر كوكس وزوجته بغداد في 16 حزيران متوجها الي لندن عن طريق البحر. وفي 20 منه ارسل ويلسون نسخا من البيان الي زعماء الحركة الوطنية ببغداد للنظر فيه، ولكن اندلاع الثورة في الفرات الاوسط شغلهم عن البيان وعن النظر فيه.
أراد ويلسون ان يقوم بعمل يلهي الناس به خلال الأيام الأخيرة من حكمه مستفيدا من وجود السيد طالب في بغداد. وهو ان يستدعي اعضاء مجلس المبعوثين الذين تم انتخابهم في العراق في اواخر العهد التركي لكي يؤلف منهم لجنة للنظر في انتخاب مجلس نيابي للعراق. وفي 12 تموز نشر بيان في الصحف بهذا المعني. كما ارسلت الدعوة الي الاعضاء للحضور في 6 آب للبدء بالعمل.
حين علم زعماء الحركة الوطنية بهذا المشروع نشطوا للعمل علي احباطه. فارسلوا الي الاعضاء يدعونهم للاجتماع في بيت عبد الرحمن باشا الحيدري. ولما انعقد الاجتماع اخذ يوسف السويدي ومحمد الصدر يحاولان اقناعهم بالانسحاب من اللجنة. غير ان الاعضاء رفضوا الاستجابة لهما. وكان رأيهم ان مطاليب الامة لا تحل الا عن طريق مجلس تأسيسي يؤلف بالانتخاب الحر. وان عدم وجود هذا المجلس سيساعد الانكليز علي المماطلة والتسويف في اجابة مطاليب الامة، وقد انفض الاجتماع اخيرا بلا نتيجة.
يقول سليمان فيضي. وهو احد الأعضاء الذين حضروا الاجتماع:
وفي عصر ذلك اليوم دعاني الحاج جعفر ابو التمن الي داره، فلما ذهبت وجدت بعض الأصدقاء، اتذكر منهم حسن رضا، وعبد الله ثنيان المحامي. فاتحني جعفر في موضوع المؤتمر، وكان متحمسا في معارضته. فأبنت له وجهة نظر المبعوثين، والتي كنت احبذها شخصيا. اذ انني كنت اري ان نجاح الثورة المسلحة ليس مضمونا، وانه اذا قدر لها الفشل فسوف ينجم عنها اوخم العواقب.. وبعد كلام طويل خرج سليمان فيضي من دار ابو التمن دون ان يقنع احدهما الاخر.
وفي صباح 6 آب حضر الأعضاء الي مقر الاجتماع في دار المحاكم لتشكيل اللجنة الانتخابية والبدء بالعمل، وهم فؤاد الدفتري، فؤاد سنية، مراد سليمان، سامي سليمان، جميل صدقي الزهاوي، ساسون حسقيل، طالب النقيب، عبد الرزاق النعمة، سليمان فيضي، عبد المجيد الشاوي، عبد الكريم السعدون، ناظم نفطجي، داود يوسفاني، حسن الحاج سعيد، عبد الوهاب القرطاس، عبد الله زهير، وحضر كذلك ويلسون والمس بيل وحاكم بريطاني اسمه نورتن، كما حضر المرزا محمد البوشهري بصفته مترجماً.
بدأ ويلسون الاجتماع بأن القي خطابا بالانكليزية ترجمه المرزا محمد الي العربية، ثم خرج ويلسون بعد ذلك، فجري انتخاب الرئيس فنال السيد طالب اكثرية الاصوات، ثم اختار الحاضرون اسماء عشرين شخصا اخرين ليكونوا اعضاء اضافيين في اللجنة، كان اربعة منهم من زعماء الحركة الوطنية هم: محمد الصدر ويوسف السويدي وجعفر ابو التمن وعبد الرحمن الحيدري، اما الباقون فهم: داود النقيب، فخري الجميل، عبد الجبار الخياط، عزت الكركوكلي، رشيد العمري، واصف قاسم اغا، زيد النقيب، خضير ملا فرحان، خير الله، عبد الرزاق المير، محمود المعتوق النعمة، مزاحم الباججي، ناجي شوكت، روبين سوميخ، عبد الغني كبة.

محاولة اخيرة
خالف عبد الرحمن الحيدري رفاقه الثلاثة وقرر الاشتراك في اللجنة الانتخابية. اما الثلاثة فقد اصروا علي محاربتها بكل وسعهم. وقرروا الدعوة الي اجتماع شعبي عام يعقد في جامع الحيدرخانة في 15 آب لاثارة الجماهير علي اللجنة.
وهنا نفد صبر ويلسون وقرر ان الوقت قد حان لكي يضرب ضربته تقول المس بيل في رسالة لها مؤرخة في 16 آب.
ان الشرطة انذرتنا بان اجتماعا رهيبا سيعقد في الجامع الكبير وان مسيرة ستتلوه في شوارع المدينة، وهذا سيؤدي بلا شك الي اضطراب الامن وهو الهدف الذي يسعي له المتطرفون فهم حين وجدوا ان الارض تزاح من تحت اقدامهم بتأليف حزب دستوري معتدل من النواب السابقين، وانهم لم تبق في أيديهم ورقة يلعبون بها، لجأوا الي تحريض الغوغاء، ولهذا أوعز الي الشرطة بان تلقي القبض عليهم. وقد تساءل اكثر الناس: لماذا لم نقم بمثل هذا الاجراء من قبل، ولكنني أعتقد ان السير ارنولد ويلسون قد تصرف بحكمة عظيمة في هذه القضية، فهو قد انتظر حتي اصبح واضحا انه لو سمح للهيجان بالاستمرار لرضخت المدينة للقائمين باعمال الشغب. فان معظم الذين يحضرون اجتماعات الجوامع هم اراذل الناس من احط نوع، وعند هذا ضرب ويلسون ضربته لحماية الامن العام. كان من المقرر اعتقال الوطنيين في فجر 12 اب ولكن ويلسون اراد ان يقوم باخر محاولة له لاقناع الوطنيين قبل القاء القبض عليهم. فأرسل الي ثلاثة منهم يطلب الاجتماع بهم سرا في دار عبد القادر الخضيري. ان ويلسون لم يذكر اسما هؤلاء الثلاثة ولكنه يصفهم بانهم سئيون وانهم كانوا علي اتصال وثيق بزعماء الحركة الوطنية.
تم الاجتماع في منتصف الليل من مساء 11 آب وقد وصل ويلسون الي الدار برفقة دليل عربي يوثق به. وجلسوا جميعا في زاوية منعزلة من سطح الدار المطل علي النهر يرتشفون فناجين القهوة علي ضوء الشموع. وقد حاول ويلسون في حديثه معهم تبرير التأخيرات التي حصلت خلال السنتين الاخيرتين لاقامة حكم ذاتي في العراق. فكان جوابهم له: ان ما ذكرته صحيح ولكن هناك هوة سحيقة بيننا وبينكم واخذوا يشجبون مبدأ الانتداب ووصفوه بانه عبارة عن استعمار مقنع. وقالوا بانهم لا يقبلون باي شيء دون الاستقلال التام.

لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية