العدد (4436) الخميس 23/05/2019 (هاشم الوتري)       شيخ الأطباء الدكتور هاشم الوتري       الدكتور الوتري .. بين الوزير ونوري السعيد       الدكتور كمال السامرائي يتحدث عن رحيل الوتري       عندما حضرت حفل تكريم الدكتور الوتري سنة 1949       عندما أصبح الوتري عميداً لكلية الطب       مع الجواهري في قصيدته عن الوتري.. الأكاديمية العراقية بين التنوير والتحجير       هاشم الوتري       العدد (4435) الاربعاء 22/05/2019 (الطيب تيزيني)       تيزيني والسيرة الذاتية المفتوحة    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :23
من الضيوف : 23
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 25443295
عدد الزيارات اليوم : 9340
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


أبي كما عرفته

فريدة جعفر الخليل
رأى النور في مدينة النجف في يوم الجمعة السابع من شعبان 1322 هـ - 1904 م وكان يعتز بشهر شعبان الذي يسبق شهر رمضان الفضيل ويصوم في منتصفه ويدير مع اقرانه الاحتفالات والاهازيج الشعبية الخاصة بها.. وكان يروي لنا القصص والحكايات عن طفولته الصاخبة


 يوم كان يقود اولاد الحارة ويزجهم في الاعيب مؤذية وخطيرة احيانا يضطر الاهالي لإنزال اشد العقوبات بحقهم ويهرب هو ناجياً من كل تلك الالاعيب التي تدل على ذكائه وحذقه، وكان يفتخر بمثل تلك الروح القيادية ويتمتع بذكرى حوادثها مفصلاً وكأنها حدثت له بالأمس.
نشأ يحب الفكاهة والمرح والأريحية. ويحفظ الكثير من الفكاهات المسلية ويرتاد دور السينما والتمثيل الكوميدي بحيث لم يترك فيلماً لبشارة واكيم او اسماعيل ياسين دون ان يراه لأكثر من مرة واحدة. وكان مولعاً في القصص والروايات الدرامية التي تستند على الواقع وبعيدة كل البعد عن الخيال. فكان يعتز بكبار الممثلين امثال محمود المليجي وعماد حمدي ويوسف وهبي ويبكي أسفاً وحسرة لوفاتهم لأنه عاش مع تمثيلهم منذ مراحل شبابه، ويلمس في تلك الروايات دنيا الواقع الاجتماعي الذي يعيشه ويتأثر به كتأثره بقصص جي. دي. موباسان.
ومن واقعيته تعلقه الشديد بعالم الحيوان والطبيعة، وكثيراً ما كانت تشده الافلام عن الحيوانات التي تزيده ايمانا بقدرة الخالق. ومن فلسفته ان العلم والايمان لا يتعارضان مطلقاً.. ومن واقعيته ايضا انه كان بعيداً كل البعد عن التكلف والبذخ والمغالاة، كالإسراف في المأكل والمشرب، وكان لا يشرب غير السيكارة الانجليزية الأنيقة يومذاك وهي Black & White ، ولم تتعارض فسلفته في الاعتدال في الأمور من أن يكون متأنقاً ومترفاً في مطلع شبابه.
ومن ذكريات الطفولة نشأت علاقته بكبار الشعراء والأدباء من النجف الذي كان يعتز بهم ويراسلهم ويحتفظ في مكتبته بعشرات الملفات الخاصة برسائل الاصدقاء من أمثال وديع فلسطين ووديع رشيد الخوري وروكس العزيزي واليأس فرحات وجورج صيدح وعجاج نويهض ورشاد دارغوث ومحمد عبد الغني حسن وعبد القادر القط وعبد السلام العجيلي وغيرهم الكثيرين الذين عرفهم معرفة حميمة لكثرة اسفاره وقضاء فصل الصيف في ربوع لبنان حيث اتيحت له فرصة التعرف الى عدد كبير من الأدباء في لبنان والمهجر.
وكان يقيم لهؤلاء الاصدقاء الذين يفدون على النجف وبغداد حفلات الغداء والعشاء في بيته مرحباً بهم بأبيات من الشعر التي تجعل غيره من الشعراء والأدباء العراقيين يشاركونه الاحتفالات اثناء حفلات الطعام وتمسي تلك الأمسية ندوات شعرية وسرعان ما تنشر في جريدة الهاتف ويرددها البعض ممن يستسيغون الشعر. وهنا كان رحمه الله يشعر بالراحة النفسية عند إقامة حفلة التكريم في داره، بل ان هذا الوفاء والاخلاص للاصدقاء هو الذي دعاه ان يؤلف كتابه هكذا عرفتهم بأجزائه الستة المطبوعة، لأن حزنه على رحيل اصدقائه لايمكن لي تصويره حيث كان يكتب عنهم بألم دفين يدعه يبكي بكاء مراً. ومثل مناسبات التكريم هذه وغيرها التي ينظم فيه الشعر عديدة من أنه لم يدع بانه شاعر ولكنه لم يدع مناسبة في تكريم او ترحيب بصديق او مولود جديدة او انتقال الى دار جديدة إلا ونظم عدة ابيات لتلك المناسبة.
ومن شعر المناسبات ما قال في طبيب القلب اوسكار شكري:
بين أوسكار والقلوب جميعاً   هو ما بين عاشقين وأكثر
كل قلب حتى قلوب الغواتي   خاضعات له إذا ما تأمر
فهنيئاً لجابر وطبيب   يجبر القلب أن هوى وتكسر
وبعيد النظام للقلب في   السير فلا يلتوي أو يتعثر
وما اكثر اصدقاءه الذين يعتز بهم لأبعد حدود الاعتزاز والصداقة الحق، وكثيراً ما كانت تناله بعض الاساءات من صديق فيكتمها، ولكنه دوماً ينصح بناته في كيفية اتخاذ الصديق حتى لا تفقد صداقته وتحتفظ بها مدى الأيام ولم يرضى توجيه اية شكوى او تذمر من الصديق فيقول ما قاله الشاعر:

إذا كنت في كل الأمور معاتباً   صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
وفي مكتبه لوحة فنية جميلة كتبت (صديقك من صدقك)، وكان يلجأ لأصدقائه عند ضيق صدره فيكتب إليهم ما يشعر به وكانه ينشد فهيم الأمل. ولكنه لم يلجأ لأي صديق عند الازمات المالية التي اضطرته مرة ان يبيع بعض كتبه القيمة لشراء ورق لجريدته في اثناء الحرب، وهو مع ذلك يؤمن بأن (المرء كثير بأخوانه). ولم أجده مرة يلوم اصدقاءه في شيء أو يشير الى اخطائهم وانما يخفي سره مع صديقه حتى عن اقرب فرد في عائلته، مع انه لايستطيع ان يتحمل الخطأ مهما كان بسيطاً لانه يعتقد ان الخطأ متى تكرر يصبح عادة يصعب انتزاعها.
كان يعشق المطالعة ويقضي ساعات متأخرة من الليل وهذا هو السبب الذي دعاه ان يفضل وظيفته التدريس ويجبر مدير المدرسة ان تكون دروسه في ساعة متقدمة من النهار، ولا يمكن ان يثنيه حتى المرض من المطالعة، واذكر اني يوم وفاته كنت قد جلبت له عدة مجلات فقال لي: انني قرأتها من الغلاف الى الغلاف.
وكان يحب قراءة الشعر بصوت عال يشبه الغناء، ويتمتع وهو يسمع صوته، لذلك كان يحفظ الكثير من الشعر ويعود ذلك لتربية والده الذي كانت له مكتبة فخمة من كتب الادب والشعر القديم.. وهذا التأثير الأدبي من ابيه كان يشمل اخاه الأكبر المرحوم عباس الخليلي الذي نظم اول ابيات شعر لا احفظ إلا مطلعها يوم كان في التاسعة من العمر:
عندما كنت صغيراً سار بي    في ضحى العيد الى السوق أبي
وفي الشعر يوصف الصبي الصغير عباس كيف اشترى له ابوه بدلة وخاتماً من الذهب.
فالبيئة البيتية هي التي جعلته يحب الكتب والمطالعة، وقد يشرف بنفسه على مكتبته ويرعاها بل ويعتبرها أهم ركن من أركان بيته، وتأكثير ذلك انعكس على تفكير بناته يوم كانت احداهن في زيارة بيت اصدقاء لهم في منتهى الاناقة والبذخ والحداثة، وعندما سألها والدها عن رأيها في ذلك البيت الجميل الذي يتحث الناس عن فخامته.. قالت نعم يا أبي ولكنني لم اجد فيه كتباً.
كان جريئاً في كتاباته ونقده لا يجامل صديقا كان او قريباً له، وذلك من منطلق فلسفته في احترام الحقيقة في مجال العلم والدب، وان للاديب رسالة يجب إلا يحيد عنها في هذا المضمار.
وكان بعيداً عن عالم الخرافة والسحر والجن والكثير من العادات والأوابد القديمة الراسخة في نفوس الناس من جياه، وكان يعزو ذلك لوالده الذي عاش في مجتمع تسوده الخرافات ولكنه لا يؤمن بها مطلقاً ، بل كان يجد تفسيراً واقعياً لمثل تلك المعتقدات التي ترسخ في اذهان الناس ويتناقلونها من جيل الى جيل كعقائد اصيلة. ووالده هو الذي جعله يعتاد قراءة الدب والشعر والكتابة حيث كانت له مكتبة فخمة وهي ثروته التي ورثها من بعده واعتز بها مدة الايام. فكنت أرى بعض الكتب من المخطوطات القديمة التي تحول ورقها الى اللون الاصفر الداكن، وهي التي تدلني على انها من مخلفات جدي. وكان يحتفظ ايضا بقرآن أمه الخاص. لأنه كان يعتز بها وبسيرتها الحكيمة الجليلة التي عرفت بالشجاعة، وقد نشأته بعز ودلال ورعاية خاصة، وتالم لوفاتها بحيث لم يستطع زيارة قبرها حتى وفاته. وكان يناديها ويتعلق بذكراها كلما ألمت به مصيبة أو اذى.
وكان يحب زيارة البيت الذي وله فيه، فيقف امام البيت مستعرضاً ذكريات ماضيه مع اسرته ومع اولاد الحارة، وتلك البيئة الاجتماعية والادبية التي صور معظمها في ذكرى حياة الراحلين في اجزاء كتابه هكذا عرفتهم. وكثيراً ما طلب منه ان يكتب مذكراته فأبى لاعتقاده بأنن سجل تاريخ حياته وحياة الذين عاش معهم في (هكذا عرفتهم).
كان متواضعاً لا يقبل ان ينعت بالاديب الكبير وإنما يقول عن نفسه أنه متأدب، وكان أبياً لأبعد حدود الاباء في طريقه نشر مقالاته او قصصه لا يعرض مقالاً او قصة ما لم تطلب المجلات او الصحف او الإذاعة والتلفزيون. ومن إبائه المتناهي انه نقل في وزارة المعارف للتدريس في احدى المدن الصغيرة بجنوب العراق وعلى اثرها استقال في الحال بالرغم من اصرار الدولة على بقائه وتقديم الاعتذار له، وهنا اراد ان يحقق رغبته الكامنة فأنشأ جريدة الفجر الصادق عام 1930.
كان عصبي المزاج، متمسكاً برأيه لا يثنيه عنه شيء حتى ولو ادى لتعطيل مصالحه، ومن امثلة التزامه برأيه وتمسكه بإرادته القوية، انه كان في احدى المجالس الادبية الشعرية في النجف فورد موضوع الارادة، واراد ان يثبت لهم قوة ارادته وعزيمته. فترك السيكارة في المجلس نفسه، ولم يعد لها مما سببت له متاعب صحية وأوصاه الطبيب بتركها تدريجياً فأبى، وظل طوال حياته يحن إلى التدخين وطالما كان يمسك بعلبة الدخان ليشم رائحتها فيشعر بانتعاش غريب.
كان يعتز بمؤلفاته كأعتزازه بأولاده وأكثر ولعل كتابة (اولاد الخليلي – مجموعة قصصية) أعز لديه من أولاده الحقيقيين لأن كتبه تخدمه في سمعته الأدبية، وأن كان يهتم بأولاده ويغدق عليهم حبه ويرشدهم دوماً. فعندما لا يستمع أحداً منهم لإرشادته ونصحه يقول لهم:- (إن لم تؤدبك نفسك أدبك الزمان).
وكان متفائلا حتى في احلك الظروف ويوصي اولاده بالتفاؤل يتمثل في شعر إيليا أبي ماضي:
وتمتع في الصبح ما دمت فيه   لاتخف أن يزول حتى يزولا
وككان مؤمنا بالقدر – يكرر نصائحه بالتخفيف عن الاخرين بقول الشاعر:
دع المقادير تجري في اعنتها   ولا تبيتن الإخالي البال
وكان يقول ايضا: لا تحمل هماً لم ينزل بك.
كان يحب في المرآة جمال شخصيتها ويؤمن بالمرأة الواعية المثقفة بشرط ألا ننسى واجباتها المنزلية. وعن جمالها الطبيعي كان يرى في الجمال اعتدال التناسق في الجسم وجاءته مرة بطاقة تهنئة بمناسبة العيد من مدينة السلط (وهي إحدى المدن المهمة في الأدرن). فأعجبه الوقار والتناسق في الطول الفارع الذي يمثل رزانة المرأة البدوية فكتب لصاحبه يشكره ويقول:
من بنات العرب الكرام  فتاتان من السلط في ثياب بهيه
شف عنها جسم من العاج  صيغ مثالاً في قامة سمهرية
ميزة (السلط) في الفتاة جمال  في حياء لأنها بدوية
في سمات لم تحكها بنت حواء  لغير السلالة العربية
يا ابنة (السلط) أنت في كل   جلباب وأن لم تجلبي حورية
كان شجاعاً وصبوراً حتى عند المرض الشديد بحيث لا يشكو مهما كان الألم شديداً وقد عانى صابراً في ابتعاده عن وطنه وأصدقائه ومكتبته في أواخر حياته، وكان لا يهاب الموت ولا يخافه بل ويوصي بناته عند موته أن يلجان الى الصبر والوقار في حزنهن ويعملن بوصية إيليا أبي ماضي لزوجته في التغلب على حزنها:
أنا أن أغمض الحمام جفوني   ودوي صوت مصرعي في المدينة
لا تشقى عليّ ثوبك حزناً   لا ولا تذر في الدموع السخينة
فليقول العذال عنك بخيلة   لهو خير من قولهم مسكينة
غالبي اليأس وأجلسي عنك بخيلة  لهو خير من قولهم مسكينة
أن للصمت في المأتم معنى  تتعزى به النفوس الحزينة

وكان في حزنه على وطنه ينشد الشعر بصوت مسموع ويردد قوله الشاعر:
تنكّر لي دهري ولم يدر انني  اعز وأحداث الزمان تهون
وبات يريني الخطب كيف اعتداؤه  وبت أريه الصبر كيف يكون
وكان رحمه الله في أيامه الأخيرة يستعين بالله ويطلب منه العفو والمغفرة. وعندما كنت أسأله وما سبب طلبك الغفران يا أبي وأنت لم تسيء  إلى احد في حياتك؟ كان يقول.. أنني لا يمكن أن انسى ذلك الشخص الذي لا اعرفه تماماً وجاءني يطلب مساعدة مالية مني يوم كنت اصطاف في جبل لبنان. فأعطيته نصف المبلغ الذي طلبه ليس بخلاً وإنما كنت أخاف ان احتاج إلى المال وأنا اقضي فترة طويلة خارج بلادي ولا احب الاقتراض من احد. وعندما ذهب الرجل سمعت بعد أيام عن وفاته. فما عاد طيفه يغيب عني وما عدت أنسى تقصيري معه.
ومات بكل هدوء وراحة أبدية طالما تمنى ذلك لإبائه وخوفه من المرض العضال الطويل الذي يزعج أهل بيته. وبكاه بموته الأصدقاء والأحبة وكل من عرف وفائه الخالد في سبعة اجزاء من (هكذا عرفتهم). مات إنسان الوفاء وأبو الصحافة العراقية كما كان يلقب لأنه عمل لأكثر من خمسين عاماً متواصلاً في الصحافة ومكافحاً ومنتصراً على الظروف والعقبات.
ودفن في دبي مساء السبت 2/2/1985 وصدق الشاعر في قوله:
مشيناها خطئً كتبت علينا  ومن كتبت عليه خُطئ مشاها
ومن كُتبت منيته بأرضٍ  فليس يموت في أرض سواها


 



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية