العدد (4510) الخميس 19/09/2019 (كتب وكتبيين)       ذكريات الكتب والمكتبات.. اول دخولي لسوق الكتبيين       من تاريخ شارع المتنبي.. ذكريات الكتبي الاول       مكتبات شارع السعدون ..ذكريات       كيف تأسست مكتبة الخلاني العامة؟       من مذكرات كتبي .. هكذا عرفت سوق الكتب       من تاريخ معارض الكتب ببغداد       العدد (4509) الاربعاء 18/09/2019 (مارغريت آتوود)       مارغريت أتوود تفاوض الموتى       مارغريت آتوود هل تخطف نوبل هذ العام ؟    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :45
من الضيوف : 45
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 27368370
عدد الزيارات اليوم : 6778
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


عباس بيضون ..عالـم قصيـدة النثـر

زاهر الجيزاني
اريد أبدأ  النظر بالقرب من القصائد أولا لأِشرح عالم القصيدة وهو عالم يختلف عن عالم القصة أو الرواية لانه لايحيل  الى الخارج،  مثلما تتطابق شخوص القصة وأحداثها بطريقة ما مع شخوص وأحداث العالم المعيوش-هناك ثلاثة عوالم متراكبة بعضها فوق بعض مغروزة أيضا ومحاكة على بعضها-عالم الله


(عالم الطبيعة الماء والسماء والارض والشجر والكائنات الحية والانسان سيد على هذا العالم او وكيل الله فيه-) لكن الانسان خرج من عالم الطبيعة وقرر العيش في عالم صناعي بناه لنفسه تاركا عالم الطبيعة لمخلوقات أقل منه-الانسان يعيش اليوم في العالم الصناعي(عالم المدن والكهرباء والتكييف والطائرات والسيارات والموبايل والازياء والتعليم والمكياج) مهما يكن فأن السيارة لا تشبه الحصان والطائرة لا تشبه الغراب والموبايل لا يشبه ساعي البريد عالم الانسان يختلف عن عالم الله وسائله اكثـر راحة

 

في هذا العالم يعيش الرجل والمرأة وحدهما وسط عالم جامد يحركانه على الدوام فأن اختفيا اختفى عالمهما-ومع ذلك عاش الانسان الرجل والمرأة-في عبودية طويلة في عالم الطبيعة قهرتهما الاساطير والشرائع وفي العالم الصناعي قهرهما طغيان الحكومات المستبدة والمجموعات المتعصبة -ثمة أفراد ينسلون خلسة من عبودية هذا العالم الذي صنعه الانسان على غراره-تمتزج فيه الراحة الفائضة بالشقاء الفائض فالانسان يغني ويبكي في وقت واحد -هؤلاء الافراد وفي مقدمتهم الشاعر يجرب، يبني عالما ثالثا-عالما لغويا لا يحيل الى عالم الطبيعة ولا الى العالم الصناعي-عالم قصيدة النثر-المكان الذي يذهب اليه الناس الممنوعون من الكلام كي يتكلموا فهو قريب من عالم face book او عالمchatعلى الانترنت-لكنه أكثر بكثير- الشاعر فيه يخلق لا يصنع لأن مصنوعاته أيضا تتحرك وتتكلم وتفكر مثله فأجزاء هذا العالم اللغوي ومكوناته حية وواعية والانسان ليس سيدا فيه الكل يتكلم ويتحرك وينفذ البعض في البعض الاخر الشجر والحجر ينتحبان مثل امرأة ثكلى ولا سلطة في عالم القصيدة للشرائع والحكومات وعصابات التهديد.
والرجل ينظر الى المرأة ليس بوصفها مكانا للرغبة المشتعلة- بل كيف يعالج حنين الانفصال عنها-- كما اقتضى الامر أو قضي الامر وحسم في العالم الاول عالم الطبيعة.
الان اتضح عالم القصيدة الذي اعنيه  واتضح عمل الشاعر الخالق من اللغة -ما جديدا يتيح له ان يتكلم فيه  ويثرثر الى درجة الضجر  عالم القصيدة هو خلق (لا على غرار) فالصورة التوراتية لخلق العالم  لم تعد ذاتها في القصيدة-ثمة عالم يخلق في صورة مختلفة والاعادة له  ليست اعادة محاكاة بل اعادة ابتكار ويتوسط عملية الخلق -خلق المرأة -الشعر العظيم كله يدور حول صناعة عالم جديد وصناعة امرأة جديدة-لماذا؟  
الشاعر-أكبر ناظر للجسد  كما أنه أكبر معترض على العالم الذي يعيش فيه بدليل أنه صنع عالما من الحديد والبلاستك والفلين والالمنيوم والحجر وعاش فيه مكتشفا تحريك الجمادات عن بعد  لذلك قال: أن في القصيدة عالما داخليا لا يتطابق  مع العالم الخارجي وأن المرأة هي الرمز الاكبر الذي تتنوع حوله التمثيلات
والسؤال هل القصيدة مهمة جدا ولماذا-ايضا هذا الالحاح على المرأة لنترك  شعر الحب والرغبة ولن تفيدنا شهادة نزار قباني  بقدر ما أنبه الى قصائد خزعل الماجدي عن المرأة والى عدد من الشعراء العراقيين من أجيال مختلفة ممن يكتبون قصيدة النثر كذلك ممكن الرجوع الى اغلب قصائد أدونيس وأنس الحاج لكن القصائد التي اتحدث عنها اليوم تمدنا بعالم داخلي مصنوع بمهارة موضوع هذا العالم أن الانسان فيه يتفتت على  نحو مرعب ثم يعيد خلق نفسه كما في أفلام الرعب الغريبة أيضا الاشياء من حوله تشاركه هذ التفتت والاعادة ذاتها لكن في هذه القصائد لاول مرة لا وجود للمرأة -الاهتمام كله منصب على خلق عالم  يتيح للانسان ان يثرثر فيه وكأنه ممنوع من الكلام  لذلك لابد له من ابتكار عالم لغوي يتكلم فيه عليه ان يحكي كل شيء ويمنح الحرية للاشياء الصامتة التي حوله ان تفعل مثله ايضا كلما زاد الخوف وضاقت مساحة الكلام في الخارج ازداد عالم القصيدة اتساعا وحكيا كثيرا وحتى ثرثرة وتكرارا مملا- هذه القصائد تعرض علينا مهارتها في تشكيل عالمها الداخلي الجديد وهو عالم مختلف عن عالمنا المعيوش - قصائد الشعراء اللبنانيين انبجست مثل عين ماء عن قوة  تجذب  كل شيء  قوة لا تشبه قوة المغناطيس تجذب كل شيء لتبني منه عالمها الأخاذ-وقبل أن أقدم شرحي-أود أن أنبه الى مصادفتين
الاولى عام 1990 في صنعاء تعرفت على الشاعر اللبناني عباس بيضون كنا مشاركين في أعمال اللقاء الشعري العربي -الاسباني وفوجئت أثناء لقاءاتي بعباس في صالة الفندق او في غرفتينا انه يحمل معه بضع روايات مترجمة وأسر لي أن كتابه المفضل دائما- الرواية ويقرؤها باستمرار- وعرفت فيما بعد أن الرواية تشكل مرجعا أساسيا لبناء قصيدة عباس بيضون -ربما سيرفض عباس هذا الرأي -ألآن-لكن هذه ممارسةصائبة نحن لسنا في زمن الوحي ولا نتحرك في محيطه-انما نحتاج الى مواد خام سواء من الحياة اليومية او من الكتب  لنبني بها عالم القصيدة -  أذن الانسان موجود ومتجذرفي هذه العوالم الثلاثة -بل هو سيد هذه العوالم الثلاثة-- واذا كان الانسان اليوم ابتعد عن عالم الطبيعة وتركه لمخلوقات أقل منه وفضل العيش في العالم الذي صنعه هو عالمه الصناعي الاكثر راحة فأن عالم القصيدة لا يعيش فيه سوى الشاعر والقارئ وكائنات لغوية. المصادفة الثانية- اثناء أقامتي في دمشق من 1995-1997 واحتكاكي المستمر بشعر الشام سوريا ولبنان وفلسطين ابتداء من بدوي الجبل وبشارة الخوري الى أجيال قصيدة النثر تشكل لدي انطباع مفاده ان هذا الشعر لايعتني بالافكار والمعاني قدر عنايته الفائقة بزي الجملة وألوانها وغرابتها وقد أطلق عليها الشاعر العراقي فوزي كريم-الزخرف-وهناك ولع لبناني برنين اللغة-في حين يخفت هذا الرنين في القصيدة العراقية  والجمل بلا زي ولا ألوان سوى المعاني والافكارالظاهرة اوالخفية والجملة اللبنانية تلقائية ومدهشة بينما تفضل الجملة العراقية أن تختبئ في التورية-أريد أن أصل من هذا العرض الى كم فاجأتني هذه القصائد التي نزعت أزياءها الملونة واخرست رنينها وطالبت أن يكون قارؤها جادا مثلها ليكتشف عالمها ويصبح جزءا منه- كم هذه القصائد قريبة من المزاج العراقي-
في العالم الخارجي لا شيء حي وواع سوى الانسان الذي يصّف ويجاور وينقل ويمحو ويكوّن ويتصرف كيفما شاء وبما يشاء فالعالم الخارجي ملكه وحده لا تشاركه فيه كائنات أخرى فهو سيد هذا العالم.
أما عالم القصيدة تنعم الاشياء كلها فيه بالحياة والوعي فالنفير وهو صوت  له حضور مساو لحضور الانسان فهو  حي وواع كما نقرأ في قصيدة بول شاؤول المأخوذة من ديوانه بلا أثر يذكر 2009-(النفير الصامت المهيب المخيف لا يدرك خطاه فقط بل يحرك عينيه أيضا)
ثم يرى (جبالا من الاجسام حطت عليه)
أيضا في قصائد عباس بيضون هذا العالم الكل فيه يتكلم ويتحرك ويشارك بالافعال والتأثير نقرأ في هذا العالم: (قالت العتمة بماذا تتمسك يابني
لماذا لسانك أسود
قال الدوري لأني نظرت في ماء وسخ
لأننا لا نستطيع أن نزيل الغيم كما نزيل الوحل
قال الببغاء قالت الأسود
يتحدث الحجر والشجر والماء والانسان أيضا
لكنه ليس سيدا على عالم القصيدة بل مقهور ومضغوط وسط أشيائه الحية والواعية نقرأ كلام الانسان في القصيدة (قال الروسي جئت من الجليد
أما أنا فلم أحر جوابا لقد خرجت بلا شك من الرمل الاسود الذي ربيته في فمي
 السماء المنمشة تتفل فوق صلعاتنا
(الزوال وحده يفكر ألآن)
كل الاشياء في عالم القصيدة تحيا وتتحرك كأنها تعي ذاتها كما الانسان -عباس بيضون يقول كل ما يريد بجملة قصيرة مكتملة-احيانا لاتستطيع ان تشرح الشعر الا بكلام قريب منه -عينا عباس يفلتان من محوريهما ويمران على كل الجهات من خلف وأمام ومن اعلى وأسفل ومن الجانبين فيشاهدان صورا وأفكارا شتى ومضطربة وعباس شاعر مضطرب يريد أن يتأكد من ضبط الكمائن التي في طريقه-اذن لماذا هذا التوجس حد الرعب ماهو العدد المضاعف الذي يصل اليه عذاب الانسان حين ينقله الشاعر من العالم المعيوش الى عالم القصيدة -في قصائد بسام حجار تقنية طازجة أهنئه عالم القصيدة هذا عالم غريب الاشياء فيه تتصادم  ولا ارادة للانسان على أشيائه أو مخلوقاته اللغوية عالم حر كأنه فوضى لكنه ليس فوضى  السؤال هل لهذا العالم الشعري علاقة ما بوضع الانسان وحركته في العالم المعيوش .. نعم الانسان مقهور فهو يصنع الظاهرة والمظاهر التي تشقيه وتحاصره-  فيهرب  من عالم الى عالم  يهرب مما يصنعه بلا جدوى لنتابع هذه التقنية المدهشة في قصيدة بسام حجار تقنيته في ادارة حركة اللغة على خطوطها وفي الظهور المفاجئ لموضوعاته مثل فرخ البيضة الذي ينقر قشرة الكلس ويكسرها ويخرج جزءا جزءا-هكذا هي قصيدة  بسام حجار الذي أقرأ له أول مرة   واكتشفه لنفسي أول مرة-قصيدته تبدأ وتستمر في جمل قصيرة عادية لكنها محكمة وبسبب هذا التناقض بين عاديتها وقوة احكامها تجذبك اول وهلة لتستمر معها برهة ثم فجأة تسقط معه في هاوية مقطع حكائي اسطره طويلة وما أن تخرج من هاوية هذا المقطع الطويل حتى تعود مرة أخرى الى الجمل القصيرة البسيطة والمحبوكة بوعي وتخطيط مسبقين  وتستمر معه ثم تسقط مرة أخرى في كمين المقطع الطويل الذي يقع فنيا على حافة السرد الحكائي-ثم تنط الى الجمل القصيرة وهكذا تستمر لعبة التقنية الفنية البارعة-التي لا تقدر أن تفلت منها الا بقراءة القصيدة كلها-اما موضوعه فهو ذات الموضوع في عالم الطبيعة-الولادة والموت والحياة والعذاب والخطايا والخسران والحب وهو ذات الموضوع في عالمنا الصناعي الذي نعيشه الآن-الانسان فيه مهدد وأعزل وقد دخل في عبودية طويلة-لكن ثمة اختلاف ما في موضوع عالم القصيدة-الشاعر وأشياؤه يصرخان بصوت عال-مثل أصدقاء في حانة مغلقة يتنفسون الدخان والنبيذ والصياح. هذا مانصادفه في قصائد يوسف بزي ويحيى جابر وفادي ابو خليل وشارل شهوان وفيديل سبيتي، هؤلاء الشعراء أضافة الى عقل العويط ووديع سعادة وصباح زوين وعبده وازن ممن يمثلون اليوم وجه لبنان الشعري الاكثر ثراء  ورغم اصراري ان قصائدهم فيها كثير من التشابه  لكن خبراتهم الطويلة والذكية تجعل القارئ يتوقع شيئا مهما سيحدث.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية